أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / القديس أوغسطينوس واللاهوت السياسي

القديس أوغسطينوس واللاهوت السياسي

+ المطران حبيب هرمز النوفلي

يعتبر القديس أوغسطينوس Augustine (القرن 5) أبو اللاهوت السياسي، حيث عاش في فترة غزو الوثنيين لروما عاصمة الإمبراطورية الرومانية والمسيحية أنذاك حيث إنهارت أحلام الكثيرين في دولة مسيحية.1 كتب كتبا مهمة لا زالت معتمدة حتى اليوم منها كتاب "مدينة الله". لقد قدم أقدم شكل للاهوت السياسي، رغم الجذور القديمة لهذا اللاهوت. ساستعرض خلاصة عمله عن مدينة الله، ثم خلاصة افكاره مع تحليل لأبرز اهتماماته آنذاك.

قال البعض من المؤرخين إن الإمبراطورية الرومانية قبلت المسيحية كي تمثل الإيمان المسيحي وفق الثقافة الرومانية وذلك بجعله دينا لكل الإمبراطورية. وبنقس الوقت اكد البيلاجيون -المتطرفون فكريا- على خطيئة الرومان كسبب لإنهيار الإمبراطورية في منتصف القرن الخامس. ولكن اوغسطينوس رفض الفكرتين وقال إن السبب هو رفض عيش الإيمان بكونه قبول الخلاص بالرب يسوع وفق الإطار الشخصي والعام. قال القديس ان الفكر اليوناني والروماني المعبر عن إيمانه بالميثولوجيا (اي علم الأساطير) والسياسة يتناقضان مع المسيحية عقليا وادبيا ودينيا. فمدينة الله يجب أن يتأصل ابناؤها بالمسيحية عبر عيش حياة جماعية مبنية على تذكر موت وقيامة الرب وتوقع مجيئه.

مدينة الله السماوية ومدينة الإنسان الأرضية

          كتب القديس اوغسطينوس كتابه المهم هذا بعد سقوط روما بيد الأعداء الوثنيين سنة 410 م بقيادة الغوطيين (Visigoths) والذي بعث اليأس والإحباط لدى الشعب. أراد أن يعالج علاقة المسيحية ببقية الاديان والفلسفة والدولة. 2قال إن هذا الإنهيار للمدينة الأرضية هو علامة إنتصار رمزي للإيمان بالدعوة الى إنشاء مدينة الله. لقد كانت افكاره متجهة نحو السماء عبر عمل فكري فلسفي يتسم بالروحانية أكثر من كونه عملاً سياسياً. أكد القديس على الإهتمام بمفهوم مدينة أورشليم العليا اكثر من الإهتمام بمدينة السياسيين الأرضية. ورغم اعتباره الكنيسة مركزاً لمدينة الله لكنه لم يهيء أي محل معين لها ضمن المجتمع ولا عبر مؤسسات.

لقد ابتعد أوغسطينوس عن المؤرخ أوسابيوس القيصري عندما اعتبر الأخير مملكة الأرض مملكة إبليس حيث لا عدالة إلا في مملكة الله السماوية. قال إن مملكة الله يمكن ان تبدأ هنا على الأرض بهمة المؤمنين، ولكنها ظل لتلك. وتمنى من الحكومة ان تطيع الله، ولكن لم يطالبها ان تحقق مطالب الإنجيل، أو ترتبط به، بل ان تتجدد نحو الأفضل. قال ان للدولة دعوة إلهية كي تحقق مقاصد الله على الأرض حتى لو كانت الدولة وثنية.

بخصوص السلام، ميز أوغسطينوس بين السلام المسيحي والسلام السياسي. الأول مملوء بالرجاء (اعتبره مثل سلام مملكة بابل) لأنه مؤقت بإنتظار تحقيق اهدافه.

قسم القديس عمله الى 22 كتاباً إستعرض، وحلل، وقيم بطريقة نقدية حال الشعوب آنذاك. لذلك عمله يشكل مصدرا لا يعوض لفائدته الكبيرة لنا اليوم فما أشبه الليلة بالبارحة:

أ‌-    يلوم القديس الوثنيين الذين يساهمون في خراب العالم لكوارثهم العديدة، والتي كان تدمير روما آخرها، وكذلك منعهم المسيحيين من التعبير عن إيمانهم. تحدث القديس عن البركات والامراض التي تصيب الصالحين والطالحين. اخيرا يوبخ اعمال الشغب التي يقوم بها مستغلوا فقدان السلطة والقانون فيعبثون فساداً.
ب‌-    يستعرض الكوارث التي حصلت في الماضي قبل إنتشار المسيحية بسبب إنتشار الإثم والرذيلة والعلاقة بآلهة كاذبة.
ت‌-    يتحدث عن الكوارث الإخلاقية والروحية التي أصيب بها الناس بسبب التمسك بآلهة باطلة قبل المسيحية وعجزها عن إغاثتهم.
ث‌-    يثبت اوغسطينوس هنا إن دوام الإمبراطورية لم يكن بسبب آلهة المشتري أو الآلهة البقية بل بالله الواحد الحقيقي والذي بقوته تؤسس وتبقى المملكة الأرضية.
ج‌-    يناقش القديس مذهب القدرية الذي من خلاله فسر البعض أسباب إنهيار روما، فيرفض ذلك. يؤكد عدم وجود تناقض بين علم الغيب الإلهي وإرادة الإنسان الحرة. يسرد أساليب الرومان القدماء في إحلال أرادتهم بدل إرادة الله كي يزدادوا قوة وسيادة على العالم، فرفضوا الإعتراف به.
ح‌-    يحاجج من يعتقد أن عبادة الله هي لأجل الفائدة الدنيوية. هنا يكرس القديس الكتب الخمسة القادمة لدحض هذا الإعتقاد. يناقش اللاهوتي الوثني فارو بخصوص مصداقية عمله. ولكنه يتبنى تقسيم فارو للاهوت الى ثلاثة أقسام: مدني، وطبيعي، وإسطوري، ويؤكد أن لا الإسطوري ولا المدني يستطيعان أن يصنعا حياة الغد.
خ‌-    يظهر كيف إن الحياة الأبدية لا يمكن الحصول عليها من خلال عبادة نجوم السماء.
د‌-    يناقش اوغسطينوس النوع الثالث من اللاهوت، أي اللاهوت الطبيعي، ويتساءل فيما إذا كانت عبادة آلهة الطبيعة لها فائدة في ضمان الحياة الأبدية. هنا يستخدم الطريقة الإفلاطونية لسهولتها ولقربها من الحقيقة المسيحية. ثم يدحض قديسنا عبادة الشياطين بإعتبارها رسل وسطاء بين الآلهة.
ذ‌-    يطلب القديس من الناس شجب عبادة الشياطين ماداموا (أي الشياطين) يعبروا عن أنفسهم بألف طريقة سيئة. كما يحاجج من يعتقد بوجود شياطين أشرار وأخرين أخيار، فيؤكد أن المسيح وحده يملك منح بركة الحياة الأبدية.
ر‌-    يتحدث عن الملائكة بكونها مكرسة لله كي يخدموه. والتضحية هي السبيل لنيل هذا الشرف عبر تطهير النفس.
ز‌-    في هذا الجزء يبحث القديس في أصل المدينتين اللتين تكونتا بسبب انفصال الملائكة الاخيار عن الأشرار. كان البحث هذا مجالاً له ليبحث في أصل العالم كما هو مذكور في الكتاب المقدس.
س‌-    يفترض حقيقتين حول الملائكة، فيتساءل هل هناك حقاً منذ البدء ملائكة أخيار وآخرون أشرار؟ ثم يبحث في الإنسان المخلوق من قبل الله.
ش‌-    يبحث في كون الموت هو نتيجة لخطيئة ابينا آدم.
ص‌-    يعتقد أن آدم كان بإمكانه الإنجاب من حواء بدون الشهوة. هنا الشهوة هي نتيجة للخطيئة.
ض‌-    يبحث في نمو وتقدم المدينتين، ومن اجل ذلك يتناول بالبحث سفر التكوين من قصة قايين وهابيل الى الطوفان.
ط‌-    يبحث في سفر التكوين من نوح الى ابراهيم، ثم من ابراهيم الى ملوك اسرائيل.
ظ‌-    يبحث في سيرة الملوك والأنبياء من صموئيل الى داود وحتى يسوع والنبوءات عنه، واخيرا سفر المزامير، واناشيد سليمان، وكيف يقصد بها المسيح والكنيسة.
ع‌-    يتابع القديس تاريخ المدينتين من إبراهيم والى نهاية العالم، حيث يلمح الى النبوءات الخاصة بالمسيح حتى بعد تأسيس روما (ق 6 ق. م) مثل النبي هوشع، عاموص، أشعيا، ميخا، والبقية.
غ‌-    يناقش نهاية المدينتين متضماً اقوال الفلاسفة وجهودهم العقيمة عندما يؤكدون على السعادة في المدينة الأرضية، فيؤكد على السلام والسعادة في السماوية أو بين اتباع المسبح الآن والى الأبد.
ف‌-    يتأمل في يوم القيامة وما كتب حوله في الكتاب المقدس.
ق‌-    يتامل في نهاية إبليس زعيم المدينة الأرضية، حيث ينال العقاب الأبدي ثم يجاوب حجج المعارضين لذلك.
ك‌-    يعالج نهاية مدينة الله أي السعادة الأبدية للقديسين. إن الإيمان بالقيامة مؤسس وواضح والعمل يتضمن كيف إن القديسين يكتسون بالأجساد الروحية الخالدة
1.   
 
نظرة الى أفكار أوغسطينوس
لقد فصل القديس أوغسطينوس (354 – 430) بين المملكة الأرضية والسماوية، وركز على المفهوم الكتابي للخطيئة الأصلية ففي البدء كان كل شيء حسن، لا بل حسن جدا كما قال يهوه عدة مرات في سفر التكوين (فص1)، ولكن تجاوز الإنسان، أوصله إلى هذه النتيجة المؤلمة عبر التاريخ الى حد يعتبره تاريخ للخطيئة.

في مدينة الله اشارة الى ان الإمبراطورية البيزنطية قبلت المسيحية كفرصة لهضم المسيحية في الإمبراطورية، بينما البيلاجيين أكدوا على الخطيئة ورفضوا كلياً كون الإمبراطورية مصدر لها، وبالنتيجة قالوا يمكن إستحداث مجتمع خال من الخطيئة.

ناقش ثلاثة تمييزات لاهوتية: الميثولوجية، والمادية، والسياسية (حسب الفكر اليوناني) او اعتبرت لاتينياً مثل: لاهوت قصصي، او طبيعي، او مدني. قال القديس اوغسطين إن التمييزات الثلاثة لدى الإثنين هي عملية عقلية، ادبية، ودينية كاذبة.

لقد فهم اوغسطين، واثناسيوس وعدد من اللاهوتيين اليونان واللاتين، الشهادة والنسك جدلياً. فالشهداء هم مع المسيح القائم من بين الأموات، والراهبات والرهبان هم اعضاء الكنيسة، يشجعون العمل الجماعي، ويعلنون عالم امبراطوري ايضاً عندما يديرون الدول أو المدن المدمرة. والنسك لا يبطل الجسد بل ينقي رغبة الإتحاد بالله2.  

كان القديس متشائماً من السياسيين وسلطتهم، حيث لم يكن له رجاء فيهم. ومع ذلك اكد على العمل مادام هناك شيء يجب الدفاع عنه حيث من الضروري التفاضل آنذاك. فحسبه ليس الحب كل شيء ما دام يحتاج الى السلام والرجاء كي ينمو.

اعتبر إن الشر حقيقة لا يستطيع الإنسان لوحده إصلاحه. وهو قوة غير طبيعية في الإنسان يجب إحتواءها. السلطة ضرورية يجب أن تحترم، لأن البشر لا يستطيعون التعامل مع بعضهم البعض بحب تلقائياً.

المدينة الأرضية
بخصوص المدينة الأرضية، فقد اعتبر أوغسطينوس وجودها يؤشر دائما بقتل قايين لأخيه هابيل. ولكن لدى الناس فيها ضمير طبيعي مكتوب في قلوبهم. هذا الضمير يجعلهم يفكرون في معنى الحرب من خلال اللغة التي قد توحدهم أو تفرقهم. هذا التفريق يتم من خلال اللسان، الذي هو آلة للسيطرة. وهكذا الحال مع مسائل مثل الحرية الإنسانية والإرادة الحرة، العدالة والسلام. يقول القديس إنه لا يوجد إنسان شرير بالطبيعة، ولسنا سياسيين بالطبيعة، ولا يوجد إنسان له سيطرة طبيعية على اخيه، كما إن الله يحب التنوع.

يقول القديس إن الحياة الإجتماعية مملوءة من الأمراض، وحياة الحكيم يجب أن تكون إجتماعية كي يجد الأمان على الأقل في البيت وإلا كيف يجده في المدينة، أما إذا كان مهاجراً فالحالة أصعب. يتساءل: لماذا أحياناً التعامل مع الكلب هو اسهل من الإنسان. لذلك يشدد على حسن إختيار اللغة كي تساهم في نشر المعرفة. هنا يشير الى الطفل كونه مدرسة نتعلم منها. وينصحنا ان لا نقول أننا نعرف الحقيقة، فعلينا معرفة كيف سنعرفها ونقولها، وإلا فعلى أي أساس نفترض إن الناس يصدقوننا. فيتسامى القديس ويقول إن من يفتح أذنه للمحبة يستطيع أن يسمع بقلبه ويحفظ في ذاكرته.

الحقيقة لا تعرف لغة، لأن لغتها هي لغة الله، لغة المحبة. والمحبة تتحدث بكل اللغات، وليس لها وقت محدد. ولكن لأننا مرتبطين بالزمان والمكان، فالحقيقة تظهر بعدة أشكال وتتشوه. المحبة مثل عظام الإنسان تحتاج الى لحم كي يحيا الإنسان. وعظام المحبة هي آيات الكتاب المقدس.

الكنيسة هي جماعة المؤمنين الساعين للعيش بالفضائل. ولكن أبناء الكنيسة لهم أجساد. وحياة الجسد تحرق وتشعل. الشخص مساق بالجوع، بالحاجة، بالغيرة، وبالإحباط لأنه لا يستطيع ان يعبر عن نفسه بشفافية وجعل الآخر يصغي إليه. هذا كله بسبب الرغبة في التمتع والسرور.  

الفلسفة والثالوث
أحياناً يستخدم أوغسطينوس الفلسفة في شرحه فيقول: يثق الشخص بأنه موجود وله وجود (أي كيان) فمثلاً يشعر بأنه يرتكب اخطاء، أو عندما يشك في شيء ما. الحقيقة تكون مخفية، ولكن الشخص يشعر بها ولا يستطيع تجاهلها فما العمل؟ العقل يعمل ضمن حدود الفضاء والزمان في جو ملون، ولكن أصل الألوان واحد. هذا، حسب أوغسطينوس، يساعدنا على فهم الثالوث، حيث نستخدم كلمات لذلك مثل إقنوم Hypostasis وجواهر Essences، فيقوم القديس بتوضيح فهم الثالوث للمؤمن من خلال العقل، أو العكس حيث يقول: نستطيع إستخدام جسدنا للصالح والطالح، للسفر، للمعرفة، للإستنارة، لتمييز العلاقة مع الخلائق. لذلك لا نستطيع تجنب الخوف مثلاً ولا الشجاعة ولا التعب أو الخطر. وبما أن العقل ليس له جسد، فإنه يسعى الى التقييم والتأكيد والرفض…إلخ كي يحكم في حالة الفرد او الجماعة
3.  

يأخذ القديس مثال ويقول: لو صنع شخص خزانة فإنه يعرفها في ذهنه أولاً ولكن ما يصنعه ليس تماماً ما في ذهنه. هكذا يمكن فهم الثالوث الأقدس عن طريق التخيل Imagin والنعتName والمحبة Love، من خلال محبة الله نحب الجار، وإذا تناسينا محبة الله يمكن أن ننسى جارنا، فالذكرى هي الأساس. نحب رغبتنا من خلال معرفة حقيقية، ثم نشتاق إليها. لدينا ذاكرة وفهم وإرادة، فنحن نفهم بأننا نفهم ونريد ونتذكر، لكن الجسد محدد بالذاكرة، فيحتاج الى العقل. إن هذا يتطلب الإنتباه لأن العقل ضعيف فلا يستطيع ملاحقة كل شيء (ملاحقة النشاطات اليومية مثلا). فماذا سيحصل إذا تحدد العقل والجسد؟

الشر
البشرية ستحيا حينذاك من خلال الشركة. هي ليست جزر معزولة. ولكن الشركة دون الله قد تتحول الى توتاليتارية (أي شر مطلقAbsolute Evil )، أوشر مبتذل.  
3
الشر يكون مكشوف القناع ولكن ليس له جسد ولا وجود لـ Entity فلم يأتي الى العالم بواسطة الله. الشيطان دخل أولا من خلال المخيلة عبر الفن غير الورع وصار إله من خلال الإنسان، ولكنه ليس إله كل إنسان بل إله المؤمن بالرسام. إنه إله الحياة المكروهة. الله خلق العالم ورأى أنه حسن جداً، والصلاح لا يولد الشر. الشر هو مبدأ أساسي في كيان الشرير. والكيان هو من الخطيئة لا من الطبيعة، لأن الطبيعة صالحة. فإذا كان الشر من الطبيعة لا داعي للشر أن يؤكد نفسه. فالحقيقة هي أن الشخص لا يجب أن يحاول إيجاد سبب فعال لإختيار الخطأ. الشر ناقص والشخص يسقط لأنه يلوث نفسه، فلا وجود لطبيعة مثل الشر، إنه إسم لحالة الحرمان من الخير.

يستمر القديس في تأملاته ويؤكد عدم وجود عقوبة إلهية لمن يخطأ بالطبيعة، ولكن لمن يخطأ بالإرادة. فعندما يجعل الشخص ذاته مركزاً له، فإنه يخطأ بخطيئة الكبرياء.

لوياثان
لقد افترضت القصص الميثولوجية الفوضى في البداية. فكانت المدن علامة على النظام. كذلك فعل توماس هوبز حيث بدأ بالفوضى، فمن يستطيع السيطرة عليها؟
4لا يوجد سوى لوياثانLeviathan (من كلمة لوي اي الملتوي وهو الشخص الحيال والمراوع والذي يصل الى السلطة بشتى الطرق معلناً الدكتاتورية). وقد يتم هذا من خلال الوحش الخرافي بهيموث Behemoth رمز الدكتاتور4.  

يقول القديس أوغسطينوس إن سمة المدينة الأرضية هي الخطيئة. ولكن هذه الحقيقة يجب ان تدفعنا كي نعي كوننا محدودين، لا ان نتجاوز على الآخرين، والحل هو تغليب السلام على الحرب. هنا المحبة سمة الحياة كما فعل الله حينما احب العالم حتى بذل إبنه الوحيد كي ينقذ الإنسانية.

الفقر
بخصوص الفقر، يعتبره أوغسطينوس نوعا من القوة بدليل وجود المدينة الأرضية (اعتقد يقصد انه رغم الفقر هناك الرغبة في الحياة – الكاتب) ومثل سقوط الملائكة (ملاك الشر) وابتعاد الناس عن الله (نتيجة اللاعدالة). المدينتين لهما ارادات ورغبات. إنها تقود الى الموت لا للحياة الأبدية،
5 حيث تقودان الى العصيان لا الى الطاعة، فتوقف نعمة الله عن الشخص وذاته، والشخص والآخر، والأمم والثقافات. لكن مهما كانت الأمة أو الثقافة، فإنها منقسمة حسب مقياس الروح لا مقياس الجسد.

من جهة اخرى يقول اوغسطينوس إن النقي وغير النقي يدخل الكنيسة ضمن حدود الجماعات البشرية. ولكن في مدينة الله هناك رغبة للعيش حسب إرادة الله، فكيف يحيا من يحيا الحياة الأرضية؟

يتفاءل اوغسطينوس ويعتبر السلام المؤقت جيد، سواء أكان سلام الجسد أو العلاقة مع الآخر. حسبه يجب اولاً، عدم الإساءة لأي شخص وثانيا، مساعدة الآخر، إنها اخلاق الحاج في المدينة السماوية. أوغسطينوس هنا لا يلغي متطلبات المدينة الأرضية فحياة القديس كحياة أي مواطن هي حياة إجتماعية ولكنه يحب الله وأخيه معاً.

هذا يجعلنا نعود الى موضوع الكومونويلث commonwealth  6(أي الخير للجميع حسب وصايا يسوع في الإنجيل) فحسب Scipio الناس متحدين في تحسسهم للحق، وتكوين جماعة لأجل الفائدة. وهذا ما لم تكن روما عليه بسبب الهيمنة والعدالة الكاذبة. فرغبتنا للعدالة تتطلب قوة أكبر من امكانيات الناس التي تجذبنا نحو المدينة الأرضية.

أوغسطينوس يبدأ بالمحبة ووصية المسيح فلا أحد يستطيع صنع الكومونويلث لوحده، فهو يبدأ من الرفقة والعائلة ثم القبيلة والمحبة الأرضية المهم بالسلام لا بالحرب.

لقد كان تركيزه على قلوبنا المظلمة ولكن اليوم اصبحت تناقش كعلاقة دول كما إهتمت بها جين ادمز1860- 1935Jane Addams .

اللاهوتي الألماني ديتريش بونهوفر اللوثري النزعة، تأثر بجذرية أوغسطينوس، فواجه الهتلرية حتى الشهادة. إذا يجب على المسيحي ان يكون ناشر سلام حتى لو صار علامة مخالفة كما قال البابا يوحنا بولس الثاني.7

أكد ملبانكMilbank على الجانب الإجتماعي لحياة القديس مؤكداً إن أوغسطينوس إنتقد السلطة الرومانية لأنها لقنت الحب الذاتي والإنعزالية. وحسب ملبانك، فإن الإهتمام بالنفس والجسد يتضمن النظام والتماسك. من هنا الكنيسة وسيط بين الفرد والعالم، وليست ضد الدولة، مثلما المسيح وسيط بين الله والشخص. إذا هناك اربعة اشكال يجب توضيحها عن الكون والكل والجزء:
1-    هناك شكل مجهري وضخم للكون.
2-    لا توجد تبعية للجزء على الكل ولا العكس.
3-    هناك حضور للكل في كل جزء.
4-    وهناك حالة ضمن تعاقب تعتبراستحالة غير محدودة أكثر من كلية ثابتة.

لقد تعجب أوغسطينوس من توسيع مفهوم العقوبة كونها مأساة خطرة، وعلى المسيحية أن تقلل من شأنها، حيث إن أي تجربة سلطة تتضمن الحيلة، وهذه ستغذي العنف الذي بدوره سيهدد ويدمر مبدأي أوغسطين: ان لا تؤذي، وان تحب الله وقريبك.

لقد كتب أوغسطين جملة مهمة " إن الله صنع الإنسان الذي خلقه" هنا تأكيد على الفرد. وإن هناك تحول من الخلق الى الصياغة. الأولى نحو فرد والثانية من خلال الجماعة. يقول انه لم يبدأ الله خلق البشرية من خلال نوع بشري معين أو فرد يحب الوحدة والإنعزالية، فالوصية تتضمن دعوة كثيرين الى الوجود لا لشخص واحد فقط5.  

سيبقى لاهوت القديس أوغسطينوس منبعاً مهماً من منابع اللاهوت السياسي والفكر السياسي لا غنى عنه لكل اللاهوتيين والفلاسفة ومشرعوا الأنظمة التشريعية والتنفيذية عبر برلمانات العالم وهيآته المختلفة.

——————————–

 

  1- http://www.newadvent.org/fathers/1201.htm
  2- Joseph A. Komonchak, The New Dictionary of Theology, Dublin, 1987, p772-778
  3- أرجو الإطلاع على رسالة البابا يوحنا بولس الثاني حول القديس أوغسطينوس.
  4- هنا نذكر فرويد الذي اعتقد إن قصة الأصول التي تتضمن الخوف هي نتيجة كون الأبناء في الماضي اكلوا أبيهم، فصارت عقدة الذنب من قتل الشيخ المهيمن على القبيلة. فكان العنف محل العنف.
  5- Jean Bethke Elshtain Augustine and the Limits of Politics Notre Dame Press, Indiana, 1995pp. 20, 39, 40, 53, 82, 86, 89

 

عن Yousif

شاهد أيضاً

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج) “فَأجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسمكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً” (تك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.