أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الحب بين الزوجين

الحب بين الزوجين

 الأب سالم ساكا

خُلِقَ الإنسان ليُحِبَّ ويُحَبَّ. يتزوّج الكثيرون من شباب اليوم ومع الأسف الشديد دون معرفة كاملة بقيمة العمل الذي هم مُقدمون عليه. فالزواج لا يجب أن يكون إحتياجًا نفسيًّا أو إجتماعيًّا فقط، ولكنَّه دعوة موجّهة من الله إلى الرجل والمرأة، ورسالة منه أيضاً؛ إذ العائلة هي مدرسة إيمان، مدرسة حبٍّ ودعوات كهنوتية- ورهبانية، ومدرسة قيم وأخلاق إنسانيّة- مسيحيَّة. لذلك يجب أن يكون الذين يقدمون على الزواج على علمٍ تامّ بمتطلَّبات هذه الدعوة لتلبيتها وقبولها وتفهّم أبعادها لأنَّها "سرٌّ عظيم".
هناك مَنْ يُقدم على الزواج بصورة طائشة وسطحيَّة جدًّا فينظر إليه من باب المتعة فقط، لذا سرعان ما تنشأ المشاكل والصعوبات من مثل هذا الزواج، لأنَّ تقدير الأمر خاطئ، فالحبُّ الزوجي ليس الحبُّ الجنسي ولا حبّ المتعة وكذلك ليس الحبّ النفعي المادي.
ونلاحظ أيضاً، أنَّ هناك زواجات لا ينمو فيها الحبّ بدرجة متساوية وذلك يرجع إلى أنانية أحد الطرفين، فيتحوّل الزواج إلى روتين وتبدأ المشاكل التي لا تنتهي، وفي آخر المطاف يستسلم الزوجان لقدر كلّ منهما ويصبح الزواج جحيمًا لا يُطاق العيش فيه. لذلك يجب أن يُغذّى الحبُّ يوميًّا بغذاء التفاهم لينمو ويكبر ويتعمَّق ويزدهر، وبذلك تدخل السعادة رويدًا رويدًا إلى حياة الأسرة ويستفيد الجميع كما تُغذّي الماء التربة فتصلح وتعطي ثمارها. والحبّ الزوجي يجب أن يكون حبٌّ يخلو من الأنانية، كما هو أيضًا سلوك وأسلوب تصرُّف نحو الآخر بمعنى أنَّه عندما يسأل أحد الزوجين الآخر "هل تحبّني حقًّا؟ فعلى الآخر أن يجيبه موجِّهاً له السؤال التالي: "هل أُحبّك كما تريد أنت أنْ أُحبَّك؟" هكذا يتقدَّم زواجهما في الحبّ السعيد ويصبح هذا الحوار تيّارًا متدفّقًا وشريان حياة بين الزوجين المتحابَين، فكلٌّ منهما يتفانى ليجعل الآخر أكثر فرحًا فاللفتات الصغيرة والنظرات الرقيقة تنتج أعظم العواطف.
 الحبُّ هو إنسجام عاطفي وفكريّ، وتفاهم، وتقارب في الميول والرغبات، وعطاء متبادل، ومغفرة عند الحاجة ومساعدة الآخر في صعوباته والتخفيف عنه. لـــمّا استيقظ آدم وجد حواء عطيَّة الله له فقبلها. وكذلك حواء وَجَدتْ أمامها آدم عطيَّة الله لها فقبلته (تك 1 /28، 2/21-23). جاء في كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: "الحبُّ الزوجي كلٌّ متكامل يتألَّف من مقوّمات الشخص: نداء الجسد والغريزة، قوة الإحساس والمودّة، توقِ الروح والإرادة، وهو يهدف إلى وحدةٍ شخصيَّة عميقة تتخطّى الاتّحاد في جسد واحد، وتُمكِّن الاثنين من أن يكونا قلبًا واحدًا ونفسًا واحدة. ويقتضي الديمومة والأمانة في عطاء متبادَل حتى النهاية، ويتوق إلى الخصب…" (العدد/1643). الزواج بدون حبٍّ هو جثَّة لا حياة فيها أو سجن لا حريَّة فيه. ولكن ما معنى الحبّ؟
الحبُّ هو أوّل وصيَّة وأكبرها: "هذه هي الوصيَّة الأولى أَحبِبْ الربَّ إلهك… والثانية التي تشبهها: أَحبِبْ قريبك كنفسك". لا يمكن أن نحبَّ الله، الذي لا نراه، بينما نبغض أخانا الذي نراه. فالحبّ روح العالم ومصدر المسرّات الحقيقية. كتب القديس ترتليانس (155/160- 220م) عن روحانية الزواج على ضوء الإنجيل وخبراته الشخصيَّة ما يأتي: "ما أجمل هذا الاتّحاد بين مؤمنين: أملٌ واحد، نذرٌ واحد، نظامٌ واحد، عبادةٌ واحدة، أينما وُجِدَ الجسد الواحد وُجِدَتْ الروح الواحدة. الزوجان يُصلِّيان معًا، يصومان معًا يُعلِّمان بعضهما، يُقدِّسان بعضهما ويسندان بعضهما، يأتيان معًا إلى كنيسةِ الربِّ ومائدته، يشاركان بعضهما متاعبهما واجتهادهما وأحاسيسهما، لا أحد يداري شيئًا على الآخر أو يتفادى الآخر أو يزعجَ الآخر، يزوران المريض معًا ويعطيان الفقراء ويواسيان المتألمّين، يُرتِّلان معًا المزامير والصلوات، فالمسيح يسرّ عندما يسمعهما ويعطيهما السلام، فأينما وُجِدَ الاثنان يكون المسيح ثالثهما فلا يتركان المجال للشيطان أن يقترب منهما".
من الجنس إلى المطلق:
الفعل الجنسي المتبادل بين الزوجين، يجب أن يكون تتويجًا للغةِ الحبّ. فالحبّ الزوجي الحقيقي هو رغبة في إسعاد المحبوب، لا ليلة واحدة، ولا نهارًا واحدًا، ولا لوقت مُعيَّن، بل لمدى الأيام والسنين والعمر كلّه. الحبّ ليس أن ينظر اثنان، الواحد إلى الآخر، بل الحبّ هو أن يسير الاثنان في اتِّجاه واحد.
الحبّ الذي بين الزوج وزوجته هو إمتداد لحبّ الله للبشر، كما أنَّ الحبَّ ما بين الزوج وزوجته سيصبح إمتدادًا إلى أولادهما. هذا هو القصد الإلهي في الخلق "أن يجعل محبَّته تفيض على البشر وعلى كلِّ الأجيال القادمة، لأنَّ "الخلق أنشودة حبّ".
"الله محبَّة" هذا ما اختبره الإنسان من خلال علاقته بالله. أحبَّ الله العالم حبًّا عظيمًا فيّاضًا فكانت نتيجته خلق الإنسان الذي "نفخ في أنفه نسمة حياة" (تك 2/7)، "فخلق الله الإنسان على صورته ومثاله" (تك 1/27)، أي انتقل هذا الحبّ من الله إلى الإنسان الذي أصبح هو أيضًا يحمله في نفسه. وإذا كان الإنسان حيوانًا عاقلاً فهو أيضًا حيوان محبّ، لأنَّ مخلوقات الله الأخرى لا تتحرَّك إلاّ بغريزتها الجنسيَّة للحفاظ على النوع، أمّا الإنسان فإنَّه يتمتَّع بمشاعرٍ تفوّق مشاعر الغريزة وعواطف تعلو على الإحساس الجنسيّ البحت، فهكذا خلق الإنسان ليُحِبَّ ويُحَبَّ. هذا الحبّ الموجود بداخلنا ونحن مؤتمنون عليه، لذلك علينا أن نشاركه مع الآخرين كما شاركه الله معنا، والزواج هو أسمى صورة يتجلّى فيها الحبّ الإلهي، لأنَّ الحبّ الذي بين الرجل والمرأة يُثمر بالأطفال وبالتالي ينتقل الحبُّ الإلهي عبر الأجيال، والإنسان لا يستطيع أن يحيا بدون حبّ، إذ بالنسبة له، هو الحياة، به يُخرِج ما في صدره ويتَّجه به للآخر، هذا هو محور الحياة الزوجية، فالإنسان الذي يريد لحياته الزوجيَّة السعادة، عليه أن يتعلَّم كيف يحبّ، وكيف يعطي نفسه كليةً لهذا الحبّ.
الحبّ قبل الزواج يكون حبًّا متوهّجًا بنارِ الشوق والأحلام الوردية والآمال الكثيرة حتى يتخيّل المرء أنَّه يستطيع بهذا الحبّ أن يغزوَ العالم ويطير فوق السحاب، ولكنَّ الحبّ الزوجي هو شيء مختلف، لأنَّه منذ اللّحظة الأولى في حياة الزواج، يتحوّل هذا الحبّ المتوهّج إلى رغبة نحو السعادة الكاملة، وهذه السعادة لا تحدث بين يوم وليلة ولكنَّ على الزوجين أن يبنياها سويًّا وكلّ يوم يمرّ على زواجهما حجر يعلو بهذا البناء.
حبُّ الشريك الآخر:
الحبُّ خلاّق وأوّل ثمار هذا الحبّ هو خلق الزوجين معًا، فهما اللّذان اختارا كلّ منهما الآخر، وكان هذا الاختيار عن حبٍّ، وهو الذي يُحدِّد روح وشخصيَّة الزوجين ومستقبلهما معًا، ولا يأتي هذا إلاّ إذا فهم كلٌّ منهم الآخر فهمًا حقيقيًّا كاملاً، وبذلك يستطيعان أن يكونا معًا شركة متكاملة حتى الاندماج. فعلى الزوجين أن يتعلَّما مع مرور الأيام أنَّ الشخص الآخر هو أكثر من وجهٍ جميل أو جسد متناسق أو دم خفيف وما إلى ذلك، بل هو شخصيَّة مستقلّة تمامًا لها مقوّماتها المتمثِّلة في ماضي هذا الشخص، منذ الطفولة إلى الزواج مرورًا بالمراهقة، ثمّ حاضره المتمثِّل في حريَّته. الحبُّ الحقيقي يرى أنَّ الآخر مُتميّز وفريد له مقوِّمات وصفات غير موجودة عند الآخرين، لذا فهو يحبّه. فالزوج عندما يحبّ زوجته يحبّ شخصها ككلٍّ، بحسناتها وسيئاتها ويقبلها كما هي تمامًا كاليوم الذي قال فيه "نعم" أمام الكاهن في رتبة الإكليل وطبعًا هذا الكلّ ينطبق بالمثل على الزوجة، كذلك أهمّ شيء أنْ يعرف المحبُّ أنَّ الآخر مساوٍ له تمامًا كما أنَّ له كيانه وشخصيَّته وأفكاره وعواطفه، لذلك مِنَ الخطأ أنْ يحاول أحدهما فرض شخصيَّته على الآخر بعد الزواج، بل عليه أنْ يتقبَّله كما هو وكما أحبَّه وإلاّ إختلَّ التوازن بينهما. إذن ما هو الحبّ الزوجي الحقيقي؟
الحبُّ الزوجي الحقيقي حبٌّ مطلق لا يقبل شريكًا آخر، وعليه يبني الإنسان سعادته وحياته. فإنْ انهارَ هذا المطلق، انهارَ معه كلُّ شيء. فالمحبة الزوجية هي صورة وتجسيد لمحبَّة المسيح والكنيسة. إنَّه الحبّ الـمُضحّي، الحبُّ الذي يبذل ويعطي، والذي يبتعد عن الأنانيَّة والكسب ويهدف إلى العطاء. في هذا الحبّ يبقى كلا الطرفين على مستوى واحدٍ، مستوى العطاء، ليس هناك مالك ولا مملوك، بهذا الحبّ يعيش كلٌّ من الزوجين للآخر، ولا يتصوّر العيش بدونه، كلٌّ منهما مستعدّ للتضحيَّة في سبيل الآخر. وعلى هذه التضحيَّة تنشأ السعادة بما بها من المتعة الروحيَّة والرضى وكذلك المتعة الجسدية. الحبُّ الزوجي الحقيقيّ يرتكز على الحبِّ الإلهي وهو يستمدّ معالم طريقه وغناه من قوة المسيح الفدائية، ويقود الزوجين إلى الله بطريقة فعلية، ويساعدهما ويؤيِّدهما أبًا وأمًّا في مهمّتهما السامية.
جاء في تعليم المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني ما يلي: "أنَّ الزواج والحبّ الزوجي من تأسيس الخالق ويقوم على رضى شخصيِّ غير قابل النقض والتراجع… الله نفسه هو واضع الزواج… وفي طبيعة المؤسَّسة الزوجية والحبّ الزوجي إنجاب الأولاد وتربيتهم… والحبّ الزوجي الحقيقي يرتكز على الحبِّ الإلهي… ويقود الزوجين إلى الله…" (فرح ورجاء، العدد/48). وهكذا يكون الحبُّ المتبادل ما بين الزوجين والحنان والعزاء والشركة الحياتية والتفاهم والتضحيَّة، منبعًا للنعمة ولحضور المسيح والروح القدس في الزواج وفي البيت العائلي. حبُّ الزوجين يُغذّي حبَّهما لله ويُعبَّر عنه، لأنَّ مانح السرّ، هو هنا، ليس الكاهن بل الزوجان، وبما أنَّ نعمة السرِّ مستمرّة فإنَّ الزوجين يمنحان هذه النعمة الواحد للآخر في مظاهر حبّهما وبالتعبير عن حبِّهما المتبادل. فعندما تحبّ الزوجة زوجها، إنَّما تبحث فيه عن الله، وكذلك عندما يحبّ الزوج زوجته، إنَّه يبحث في هذا الحبّ عن الله. فهل يعرف الزوجان كلَّ هذا؟

 

عن Yousif

شاهد أيضاً

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة الاب أدّي بابكا راعي كنيسة مار أدّي الرسول في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.