أخبار عاجلة
الرئيسية / اخر الاخبار / العذراء مريم في طقس كنيسة المشرق

العذراء مريم في طقس كنيسة المشرق

تراثنا المشرقي

ليتورجيا كنيسة المشرق الكلدانية

العذراء مريم

في طقس كنيسة المشرق

المقدمة

حظيت مريم العذراء بمكانة مرموقة في حياة ابناء كنيسة المشرق الكلدانية والآثورية، حيث غطى ذكرها مساحة كبيرة في مختلف الرتب والطقوس، أوسع من ان تحتويها صفحات مقال في مجلة. إن كلَّ ما نطمح اليه في هذا المقال هو رسمُ الخطوط العريضة لمكانة العذراء في هذا الطقس العريق(1).

تعكس مكانة العذراء في ليتورجيا كنيسة المشرق منزلتها في الكتب المقدسة. انها مكانة متوازنة، فلا مغالاة في تكريمها، أي لا إفراط في رفع منزلتها الى حدّ تنافس فيه الله في التقوى والعبادة، ولا تقليل او انتقاص في شأنها، أي عدم التنكرّ لصفاتها الأساسية السامية.

يمكننا تحديد مكانتها بكلمات قليلة على النحو التالي:”ان مريم العذراء هي والدة المسيح، الرب المخلص “، لذا فإن شفاعتها قديرة لدى الله، وهي الى ذلك امّ لأخوة يسوع ابنها، لذا فإنها كلية الحنان والشفقة بنا نحن البشر.

يتكون بحثنا عن مكانة العذراء مريم في طقوس المشارقة من القسمين التاليين:

مكانة العذراء مريم في الصلاة الفرضية

مكانة العذراء مريم في رتب اسرار الكنيسة

في طبعات الكتب الطقسية الكلدانية أجريت بعض التغييرات على نصوص التراتيل منها تبديل عبارة “أم المسيح” بعبارة ” أم الله”، كما جرى تحوير في تعابير لاهوتية تتحدث عن سر تجسد المسيح، سنشير الى الاختلافات الموجودة بين طبعات الكلدان وطبعات الآثوريين.

مكانة العذراء مريم في الصلاة الفرضية

تتجلى منزلة العذراء السامية واضحة جلية من خلال الصلاة الفرضية التي يرفعها الكهنة والرهبان والراهبات والشمامسة وسائر المؤمنين في الكنائس الراعوية وفي معابد الاديرة، وذلك عبر مواسم السنة الطقسية.

نتقصى مكانة العذراء مريم في الصلاة الفرضية من خلال العناصر التالية:

السنة الطقسية

فترة البشارة

الاعياد المريمية

مكانة العذراء في بنية ساعات الصلاة

1 – مكانة العذراء في السنة الطقسية

تعكس منزلة العذراء مريم في السنة الطقسية الكلدانية المكانة التي منحها اياها الانجيل المقدس. إذ يرد ذكرها حينما تؤدي دوراً هاماُ خلال احداث حياة يسوع المسيح الارضية، أي انها تشارك يسوع ابنها في تنفيذ مخطط الله لخلاص البشر، لذا لا يمكننا فهم مكانتها السامية إلاّ ضمن إطار تدبير الخلاص.

قام البطريرك إيشوعياب الثالث الحديابي (649-659) بتنظيم التقويم الطقسي لكنيسة المشرق، فوزّع مراحل عمل يسوع الخلاصي عبر مواسم السنة الطقسية بحيث يحتفل المؤمنون بسر الخلاص كاملاً خلال السنة. فقسم السنة الى سبع فترات، تتكون كل فترة مبدئياً من سبعة اسابيع، واضاف اليها فترتين تتكون كل فترة منها من اربعة اسابيع، وضع الاول في بداية السنة والاخرى في نهايتها.

تبدأ السنة الطقسية بفترة البشارة / الميلاد التي تحيي ذكرى تجسد يسوع، الاله الكلمة من مريم العذراء، ثم تتوالى الفترات لتذكر بقية مراحل الخلاص، من عماد الرب، وتبشيره بالانجيل، موته وقيامته، والتطلع الى مجيئه الثاني، وتختم السنة بالتأمل بسر الكنيسة التي هي إمتداد لحضور يسوع في العالم.

ان ما يُلفت النظر في السنة الطقسية الكلدانية الحالية، هو ان للعذراء مريم ذكراً خاصاً في كل فترة من فتراتها، وذلك من خلال الاعياد المريمية المختلفة او من خلال المواسم الطقسية المقامة فيها، او من خلال الصلوات والادعية التي ترفع خلال ساعات الصلاة.

يظهر ذلك جلياً من خلال العرض السريع التالي لفترات السنة الطقسية:

– فترة البشارة/ الميلاد: عيد البشارة، عيد مريم العذراء المحبول بها بلا دنس، عيد الميلاد، عيد تهنئة العذراء بميلاد الرب يسوع، عيد تقدمة يسوع وتطهير مريم العذراء.

– فترة الظهور(الدنح) أي العماد: الاحد الرابع: ذكرى معجزة تحويل الماء خمراً بناءً على طلب مريم العذراء(يو2/ 1-12)

– فترة الصوم الكبير: موسم الكنيسة مريم الطاهرة( الموصل).

– فترة القيامة: عيد مريم العذراء حافظة الزروع.

– فترة الرسل: عيد حلول الروح القدس على التلاميذ بحضور العذراء مريم (اعمال1/14).

– فترة الصيف: عيد انتقال مريم العذراء.

– فترة ايليا/ الصليب: عيد ميلاد مريم العذراء.

– فترة موسى وفترة تقديس الكنيسة.

2– فترة البشارة/ الميلاد

تمتاز فترة البشارة/ الميلاد عن الفترات الطقسية الاخرى بتخصيصها مساحة كبيرة لذكر العذراء مريم، لذا فانها تستحق ان نتحدث عنها بصورة خاصة.

تبدأ السنة الطقسية الكلدانية بفترة البشارة، وتصادف عادة اما الاحد الاخير من شهر تشرين الثاني او الاحد الاول من كانون الاول من كل سنة. قوامها اربع آحاد، تسبق عيد الميلاد المجيد، هدفها اعداد المؤمنين لذكرى تجسد المخلص.

تتّسم فترة البشارة/ الميلاد هذه بطابع مريمي رائع، إذ تحتوي على نصوص إنجيلية وتأملات لاهوتية تشرح سر تجسد المسيح وسر والدته المجيدة. ولا فترة طقسية اخرى تعطي هذه الاهمية لذكر العذراء. ويظهر ذلك من خلال النصوص الانجيلية التي تُتلى على مسامع المؤمنين اثناء القداس، ومن خلال التراتيل والابتهالات التي ترفع اثناء ساعات الصلاة الفرضية.

النصوص الانجيلية:

تسرد قراءات الانجيل المقدس، التي تُتلى أثناء قداس الآحاد والأعياد، احداثاً هامة من حياة مريم العذراء، وذلك على النحو التالي:

1-الاحد الثاني من البشارة: بشارة الملاك جبرائيل للعذراء مريم بالحبل البتولي، زيارة مريم لنسيبتها اليشباع، الحوار بين اليشباع ومريم، نشيد “تعظم نفسي…”(لوقا 1/26-56).

2-الاحد الثالث من البشارة: ولادة يوحنا المعمدان (لوقا1/ 57- 80).

3- الاحد الرابع من البشارة: إعلان الملاك جبرائيل للقديس يوسف حبل مريم العذراء العجائبي والايعاز اليه بجلب العذراء الى بيته(متى 1/ 18-25).

4-عيد الميلاد المجيد: ميلاد يسوع المسيح، بشارة الملاك للرعاة، وعبارة لوقا”وكانت مريم تحفظُ هذا الكلام كله وتفكر به في قلبها”(لو 2/ 1-20).

5- الاحد الاول بعد الميلاد: زيارة المجوس للطفل يسوع مع مريم أُمه، هرب العائلة المقدسة الى مصر والعودة الى فلسطين(متى2/1-22).

6-الاحد الثاني بعد الميلاد: مراسيم ختانة يسوع، رتبة تطهير العذراء في الهيكل، وتقدمة يسوع، وعثور مريم ويوسف على يسوع وهو في الهيكل، فكرة عن سياق حياة العائلة المقدسة في الناصرة، وعبارة لوقا “وكانت امه تحفظ هذا الكلام كله في قلبها”(لوقا 2/ 21-54).

ب- التأملات اللاهوتية:

لا تشرح الصلوات والتراتيل التي تُؤدّى خلال فترة البشارة/ الميلاد النصوص الانجيلية التي تُقرأ ايام الآحاد، كل أحدٍ او اسبوع على حدة، بل تقدم خلال الفترة كلها تأملات لاهوتية عن سر التجسد، واتحاد الله الكلمة بالطبيعة البشرية، والحبل العجائبي، ودور العذراء مريم في سر التجسد، كما أنها تعبّر عن المشاعر البنوية التي تغمر أبناءَ كنيسة المشرق تجاه ام المخلص وامهم. فيما يلي بعض من هذه التأملات اللاهوتية والمشاعر البنوية:

1ً- اختار الله مريمَ من نسل ابراهيم لتلد المسيح

تُستهلُّ السنة الطقسية بصورة عامة، وفترة البشارة بصورة خاصة، بترتيلة نموذجية، تتسم بطابع صلوات المسيحيين الاولين، فهي تعبّر عن معان لاهوتية عميقة بكلمات قليلة، انها تقدم تأملاً سامياً بسر الكلمة المتأنس وبسر والدته القديسة.

تُرتّل هذه الترنيمة خلال صلاة المساء، عشية الاحد الاول من البشارة، وفيما يلي ترجمتها:

“إن الله(المولود) من الآب، لم يتخذ هيئة العبد(فيلي 2/7) من الملائكة (عبر1/5)، بل من زرع ابراهيم، واتى الينا في ناسوتنا بنعمته، ليخلص جنسنا من الضلال”(2)

هكذا تتحدث السنة الطقسية في بدء دورتها عن دور العذراء مريم في تدبير الخلاص من خلال عبارة “زرع ابراهيم”، التي تشير الى اياتٍ نبوية من العهد القديم، منها قول الرب لابراهيم ابينا “يتبارك بنسلك جميع الامم” (تك 22/18). ان العذراء مريم هي نسل او زرع ابراهيم، الذي منه اتخذ الله الكلمة جسداً بشريا ليخلصنا من الضلال، إذ لم يأتِ من أجل الملائكة بل من اجل البشر، كما يقول القديس بولس ” لم يقم لنصرة الملائكة، بل قام لنصرة نسل ابراهيم، فحق عليه ان يكون مشابهاً لأخوته في كل شيء…(عبرانيين2/16-17).

ً2- المسيح آدم الثاني والعذراء حواء الثانية

“المجد للآب والابن والروح القدس:… يا لحكمة الله، إن رحم حواء، التي قضي عليها أن تنجب بالآلام، أصبح معيناً يهبُ الحياة. فحبلت بدون زرع وانجبت عمانوئيل، وحررت هكذا جنسنا من الفساد…” (3)(جلسة صلاةالأحد الأول من البشارة).

“تجاوز آدم الأول بواسطة امرأة، وبواسطة العذراء تجدّد في المسيح من الفساد…” (4)(جلسة صلاة الاثنين الاول بعد الميلاد).

ً3- تستحق العذراء مريم كل اكرام لانها انجبت المسيح يسوع:

“الام التي انجبته تستحقُ البركات، الاذرع التي حملته تسأهل المديح، الركب التي ربّته تستحق الثناء…” (5)(مدراش صلاة الليل للاحد الاول بعد الميلاد).

ً4- ولدت العذراء مريم يسوعَ بقدرة الله:

“…حبلت(العذراء) من دون أن يعرفها رجل، وذلك بقوة الروح القدس. الذي خَلَقَ آدم من التراب، وابدع حواء منه بلا زرع، هو نفسه جعل سارة العاقر تلد(التكوين 17/21)، ومن بعدها رفقة (التكوين 25/21)، وهو الذي كشفَ للعذراء حالة اليصابات…” (6)(ترتيلة قدس الأقداس للأحد الرابع من البشارة).

ً5- يتكرر ذكر البشارة في كل لحن:

“…أنا جبرائيل، القائم للخدمة امام تلك السيادة الرهيبة، ارسلني الآب لابشّركِ ببشارة تُبهجُ العالم كله: انك ستقبلين حبلاً- معجزة، إذ ستخلقه قدرةُ العلي في أحشائك، وتلدين ابنه عمانوئيل، الذي سيصالح الكائنات السماوية مع الأرضية، فيحمده الجميع قائلين: “المجدُ لكَ، يا مخلص العالم” (7)(جلسة صلاة الأحد الأول من البشارة).

3– الأعياد المريمية

خصصت الليتورجيا الكلدانية أعياداً وتذكارات عديدة للقديسة مريم، تبرز دورها في مخطط الخلاص وتبيّن قدرة شفاعتها من أجلنا.

يمكننا أن نميّز ثلاثة انواع من الأعياد المخصصة بالعذراء مريم:

أ‌- الأعياد المريمية ذات الطابع المسيحاني.

ب‌- الأعياد المريمية الثلاثة القديمة.

جـ- الأعياد المريمية التي دخلت الكنيسة بعد اتحادها بالكرسي الرسولي الروماني.

أ‌- الأعياد المريمية ذات الطابع المسيحاني.

إنها الأعياد، التي تحتفل بها الكنيسة، لتُحيي ذكرى احداث هامة من حياة الرب يسوع الخلاصية، اشتركت فيها العذراء مريم إشتراكاً مباشراً؛ نخص بالذكر منها الأعياد الاربعة التالية:

1- عيد البشارة، الذي يُحتفل به في الأحد الثاني من فترة البشارة.

2 عيد الميلاد،(25 كانون الأول)

3- عيد الختانة.

4- عيد تقدمة يسوع.

1- عيد البشارة:

تحتفل الكنيسة الكلدانية بعيد البشارة نهار الاحد الثاني من فترة البشارة، ويصادف في مستهل شهر كانون الأول من كل سنة. يُتلى أثناء القداس نصُ الانجيل المقدس الذي يسرد بشارة الملاك جبرائيل للعذراء مريم بالحبل البتولي(لوقا1/26-38).

تطور هذا العيد في ليتورجيا كنيسة المشرق من يوم واحد واصبح شهراً واحداً، يشمل الآحاد الأربعة التي تسبق عيد الميلاد.

فيما يلي نموذج لاحدى الترانيم التي تُؤدّى خلال هذه الفترة، وتُحيي الذكرى العطرة:

“من وجه الرب، سيد الأرض كلها”(مزمور 97/5): حينما بَشرّ رئيس الملائكة جبرائيل البتول بولادة يسوع المجيدة، تكلم معها بمخافة كبيرة ورعدة قائلاً لها:

“السلام عليك، ايتها المرأة المملؤة عجباً

السلام عليك، إذ منك يُشرق محرر الكل

السلام عليك، إذ منك يولد الأمل والحياة

السلام عليك، إذ حُسبتِ أهلاً لسكنى ابن الله الكلمة

السلام عليك، إذ فيك يكتمل العهدان

السلام عليك، يا من ستلدين وأنت بتول كما تنبأ اشعيا

السلام عليك، ايها الشعاع الاكثر ضياءً من كل النيرات

السلام عليك، ايها القصر الذي اختاره الملك لسكناه

السلام عليك، لانه منك يُشرق مبهج البرايا، هللويا”(8)

2- عيد الميلاد المجيد

يحتفل ابناء الكنيسة الكلدانية بعيد الميلاد المجيد يوم الخامس والعشرين من شهر كانون الاول، ان الفروض المقامة عشية هذا العيد وصباحه حافلة بالتراتيل التي تشيد بأم الرب الطاهرة. نختار نموذجين منها:

“مَنْ رأى نعجةً حاملةً شبل أسدٍ(تكوين 49/9) ولا تخاف؟ مريم هي النعجة، والمسيح شبل الأسد، تُربّيه ولا تخاف. سبحانك يا ربنا، سبحانك يا ابن الله، الذي أكرمت مريم والدتك”(9)(من تراتيل السهرة).

“ايها المسيح الذي وُلدَ زمنياً في آخر الأزمنة من البتول، معين القداسة، لأجل خلاص جنسنا وتحرير الكائنات كافة، نطلب منك”.

“ايها المسيح الذي وُلدتَ من ابنة حواء، فأبطلت القضاء الذي ادان حواء، فسادت الحياة الجديدة والرجاء الصالح والخلاص على اولاد حواء كافة، نطلب منك”(10)(مناداة السهرة).

3- عيد الختانة

تحتفل الكنيسة الكلدانية بعيد الختانة في اليوم الأول من السنة الجديدة، ويمكن اعتباره عيداً مريمياً بسبب حضور العذراء مريم الى جانب ابنها في هذا السر، كما ان ذكرها حاضر في معظم الأدعية والترانيم التي ترفع فيه. نورد نموذجين من تراتيل جلسة الصلاة:

“قال الرب لي “انت ابني”: (مز2/7): وُلدَ الابن الأزلي غير المنظور من الآب، بدون زمن، جوهرياً ومنذ الأبد، وأشرق من الطوباوية مريم في آخر الأزمنة، وخضع لختانة الجسد ليُتم رموز (الآباء) الصدّيقين”(11).

“لأنه ذكر كلمته القدوسة لابراهيم عبده(مز105/42): حينَ بلغَ ابراهيم مئة سنة وُلدَ له وريث في بيته. وفي آخر الزمان أشرق مخلصنا من العذراء مريم، لخلاص آدم الذي بلي بالفساد، وهكذا اكتملت بالمسيح الرموز التي رسمها ابراهيم واسحق”(12).

4- عيد تقدمة يسوع

يرد عنوان هذا العيد في كتاب الفرض الكلداني على النحو التالي:”عيد دخول ربنا الى الهيكل، اذ حمله سمعان الشيخ على ذراعيه. ويُحتفل به في الثاني من شهر شباط، كل سنيّ العالم”(13). الا ان الكلدان يحتفلون به في مستهل شهر كانون الثاني.

يذكر المصلون العذراء مريم في تراتيل هذا العيد وادعيته، طالبين شفاعتها القديرة للمؤمنين. فيما يلي ترجمة لاحدى هذه الترانيم التي نرفعها في صلاة الجلسة :

” ولسانه ينطق بالحكمة(مزمور 37/30): تنبأ سمعان الشيخ عن يسوع الملك العظيم قائلاً: جُعل هذا لسقوط وقيام كثيرين في اسرائيل، ولكن ليس في الأمم، وعلامة للمخالفة، وسيجوز رمح الكرب والآلام في نفس امه”(14) (لوقا2/ 34-35).

ب‌- الأعياد المريمية الثلاثة القديمة

نجد في الطقس الكلداني ثلاثة أعياد مريمية يحتفل بها الكلدان والاشوريون على السواء الى يومنا هذا؛ وهذا مؤشر الى أصالتها. وهي الاعياد التالية(15):

1″- عيد العذراء الذي يلي عيد الميلاد.

2″-عيد العذراء- حافظة الزروع- خلال شهر ايار.

3″-عيد العذراء- خلال شهر اب.

ان ما يضفي على هذه الأعياد الثلاثة سحراً خاصاً هو طابعها الشرقي المحلي، إذ تعكس حياة المؤمنين اليومية واهتماماتهم المعاشية، وتتسم بطابع فلاّحي متكامل، على النحو التالي:

يُحتفل بالعيد الأول في نهاية شهر كانون الأول او في مستهل كانون الثاني، فيطلب المؤمنون فيه حماية امهم العذراء لزروعهم.

يقع العيد الثاني في 15 أيار، يرجو المؤمنون فيه من العذراء ان تحرس السنابل من الآفات.

يصادف العيد الثالث يوم 15 آب، يتضرع المؤمنون الى امهم لترعى وتحمي الحصائد والكروم.

ينسب تقليد كلداني تأسيس هذه الأعياد الثلاثة الى الرسل انفسهم، كما ورد في أحد الترانيم التي ترتل في فروض العيد الأول، فيما يلي ترجمته:

“رُشّت ارض افسس كلها بالندى حينما استودع القديس يوحنا العذراء مريم رسالة قُضي فيها بأن يُحتفل بتذكار الطوباوية العذراء ثلاث مرات في السنة: خلال شهر كانون الاول(للدعاء) من أجل الزروع، اثناء (شهر) أيار من أجل السنابل، وفي (شهر) آب من اجل الكروم التي يستخرج منها (خمر) السر. اذ تصون مريم فعلاً زروع الحنطة من فساد الرض خلال شهر كانون الاول، وتحميها من الحشرات وتسقيها بالمطر حينما تنمو وتنضج اثناء شهر ايار، اذ يصنعون من هذه الحنطة خبز الاوخارستيا، وتبارك(العذراء)، يوم عيد انتقالها الى السماء في شهر آب، الكرومَ التي يستخرج منها الخمر، وهذا يستخدم مع الخبز لذبيحة القداس”(16).

تقابل هذه الأعياد المريمية الثلاثة الاعياد اليهودية الثلاثة الكبرى. كانت الفلاحة سبباً في نشأتها: عيد الفطير في فصل الربيع، وعيد حصاد الغلال او الاسابيع في الصيف، وعيد المحصول او جني العنب في الخريف:

“ثلاث مرات تعيد لي في السنة، تحفظ عيد الفطير: سبعة أيام تأكل قطيراً، كما أمرتك في الوقت المحدد من شهر أبيب. لأنك فيه خرجت من مصر. ولا يُحضَر امامي فارغاً.

وتحفظُ عيد حصاد بواكير غلاتك التي تزرعها في الحقل وعيد جمع الغلة في نهاية السنة، عندما تجمعُ غلاتك من الحقل. ثلاث مرات في السنة يَحضُر جميعُ ذكرانك امام الرب الاله”(خروج 23/14-17؛ 34/ 18و 22).

ان ما يسترعي الانتباه في هذه الأعياد المريمية الثلاثة، هو ان لها لدى الآثوريين الصلاة الفرضية ذاتها، مع اختلافات بسيطة في نصوص بعض العناصر التي تتكون منها الصلاة الفرضية، وهي: مجدلة صلاة الجلسة ، المناداة الصلوات الكهنوتية التي تسبق فرض الصباح. أما لدى الكلدان، فنلاحظ ان لكل عيد من هذه الأعياد الثلاثة صلاته الفرضية الخاصة. كما ونلاحظ تطابقاً لدى الآثوريين والكلدان في عناصر صلاة العيد الذي يلي الميلاد المجيد.

1ً-عيد العذراء الذي يلي عيد الميلاد

تحتفل كنيسة المشرق بعيد العذراء بعد عيد ميلاد الرب يسوع المسيح مباشرة، لتبّين بصورة جلية دورها في مخطط الخلاص ولتظهر مكانتها السامية في سر التجسد، وأمومتها الإلهية.

يحمل هذا العيد في كتاب الفرض-طبعة الآثوريين-العنوان التالي “تذكار السيدة مريم والدة المسيح” ويقع في نهار الجمعة الثانية بعد عيد الميلاد وعيد الدنح(17).

يحتفل الكلدان بهذا العيد في اليوم الثاني من عيد الميلاد المجيد.له في كتاب الفرض-الطبعة الكاثولوكية- العنوان التالي: “عيد تهنئة والدة الله مريم”(18).يعكس هذا العنوان عاداتنا الشرقية التي تقتضي ان يزور الأهل والأقارب والأصدقاء الوالدة بمناسبة ولادة طفل جديد، مُقدِّمين التهاني على سلامتها وعلى الهبة السماوية التي منحها إياها الله بهذا المولود الجديد.

يؤكد كتاب “عرض الطقوس الكنسية” الذي يرتقي تاريخه إلى القرن التاسع الميلادي، وقد كتبه مؤلف مجهول، بان البطريرك ايشوعياب الثالث الحدياني(649م-659م) هو الذي قضى بأن يُحتفل بهذا العيد المجيد بعد عيد الميلاد لان تدبير الخلاص بدأ بمريم العذراء، وبان يُحتفل بعيد العذراء نهار الجمعة لان حواء خلقت في هذا اليوم، ولان العذراء مريم نقلت الى السماء في اليوم ذاته وفيما يلي اقوال المؤلف المجهول:

“السؤال: لماذا رسم ايشوعياب بان يُحتفل بتذكار السيدة مريم بعد الميلاد…

الجواب: لأن الأنبياء ذكروا الطوباوية السيدة مريم، ولأن تدبير ربنا بدأ معها، ولان ولادته بالجسد منها حصلت…ولان ذكرها يرد في بداية الإنجيل..

نقيم ذكرها يوم الجمعة لأن حواء أمها خُلِقت نهار الجمعة ثم خَطأَت… يجب الاحتفال بذكر مريم نهار الجمعة، لأنه يُظهر عِظَم منزلتها، وكما روي لنا بان انخذال حواء وسقطتها الأولى حدثا نهار الجمعة. كذلك نََقِصُّ أمجاد ابنة حواء، حيث انتصرت واجتازت هذا العالم نهار الجمعة، مُحاطة بجلال وتبجيل…

إننا ننسى مآسي الخطيئة الأولى بواسطة مريم، اذ أصبحت علة قيام آدم. حينما نحتفل بمريم، ننسى خطيئة حواء أمها”(19).

إذا نسب المؤلف المجهول اختيار تاريخ هذا العيد إلى البطريرك ايشوعياب الثالث، فهذا لا يعني بان هذا البطريرك، المجدد للطقوس، قد اخترعه من العدم. إذ يُنسَب إليه كذلك كتاب الفرض الإلهي ورتب القداس والعماد والغفران(20).فان هذه الرتب موجودة قبل زمانه بكثير، انما اقتصر عمله على تنظيم صلوات الفروض وتنسيق بنيتها،لذا يمكننا القول ان عيد العذراء مريم هذا، يرتقي تاريخه إلى ما قبل القرن الميلادي السابع.

يقدم كتاب “جنة النعيم جنة “، من القرن الميلادي العاشر، شروحا لقراءات الكتاب المقدس، بعهديه القديم والجديد، والتي تتلى خلال القداس عبر السنة الطقسية، وقد استقى تفاسيره من مصادر قديمة سبقته، فانه يذكر عيداً مريماً واحداً، وهو العيد الذي يحتفل به بعد الأحد الأول من عيد الميلاد(21).

تجدر الإشارة أن هذا العيد هو العيد المريمي الوحيد الذي تذكره مخطوطات الإنجيل الطقسي ومخطوطات كتاب الفرض الإلهي التي استنسخت خلال القرون الميلادية التالية: الحادي عشر، الثاني عشر والثالث عشر(22).

عن Yousif

شاهد أيضاً

أحلام البابا فرنسيس الأربعة لأوروبا: صديقة وعائلة ومتضامنة وعلمانيّة منفتحة

أحلام البابا فرنسيس الأربعة لأوروبا: صديقة وعائلة ومتضامنة وعلمانيّة منفتحة في رسالة إلى الكاردينال بييترو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *