أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / ما أحلى أن نجتمع معا

ما أحلى أن نجتمع معا

الآن وبعد أن أنقضت الزيارة المباركة لغبطة أبينا البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو والسادة الأجلاء أساقفة العراق المباركين لأبرشيتنا (أبرشية أستراليا ونيوزيلندة) المباركة والعزيزة، جعلتني أتذكر الترنيمة الجميلة والتي جعلتُ مطلعها عنوانا لمقالي هذا لأننا عشنا فترة الزيارة وكأن الروح قد أعد لها بعناية كون الزيارة جمعت نصف السينودس المقدس لكنيستنا الكلدانية مع شعب الله المؤمن والذي عانى الأمرين جراء الاغتراب وثمِل من مرارة الافتراق عن أرض آبائه وأجداده ليؤسس لهذه الأبرشية العزيزة، خصوصا عندما كانت كنيسة مار توما المحطة الأولى لآبائنا الأجلاء وكأني بتوما مُبشر المشرق مستمراً برحلته منذ ألفي عام وبرحلاته التبشيرية ماضيا قدما نحو أقاصي مشرق الأرض وذلك من خلال الآباء الذين حلّو بيننا مكملين ما بدأه رب المجد في فلسطين والذي سلمه لتلاميذه المباركين قائلا لهم: “اذهبوا وتلمذوا جميع الامم   وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.” (متى 19:28)، وكان توما من الذين استلموا الرسالة وقصد بلدان مشرق الشمس، وهكذا كان خلفائه اليوم مستمرين ربما من دون قصد أو قد يكون بتخطيط من الروح حينما شرعوا بأول رحلة إيمانية راعوية للبطريرك المنتخب حديثا قاصدين بلدان مشرق الشمس وكأنه نفسه توما منطلقا ومتسلحا بالروح المعزي والمعين، وشتان ما بين الأمس واليوم لأن توما أنطلق ومعه مار أدي ومار ماري، ولكن مار لويس اليوم أنطلق ومعه مار شليمون ومار ميخا ومار ربان ومار أميل ومار بشار وانظم إليهم مار جبرائيل ليكون عددهم ثلاثة أضعاف مرافقي مار توما، ومعهم كان معاونوهم من الكهنة وكل هذا أشارة لأهمية المهمة التي أوكلها الروح لهذه الأبرشية الفتية.

فبعد أن فعلت الأحداث فعلتها بشعب المسيح في أرض ما بين النهرين وما يجاورها دافعة أياهم للهجرة بعيدا … الأمر الذي بسببه أستقر عشرات الآلاف منهم في أقاصي الشرق من الكرة الأرضية ويؤسسوا لرحلة تبشيرية إيمانية لرسول المشرق توما واتباعه وخلفائه. فقد كنا في الأيام الماضية نعيش أياما كالتي عاشتها كنيسة كوخي الأولى ويحق لنا أطلاق تسمية كوخى على كنيسة مار توما الرسول بسدني لتكون كوخي الثانية، فقد كان منظرا سارا للناظرين إليه ولكل من يراقب تلك اللحظات المباركة التي التقى بها شعب المسيح وهو رغم برودة الجو والرياح القوية وقطرات المطر المنهمر، رغم كل هذا تحمل تأخر موكب غبطته المبارك والوقت ليلا لأن هذا الشعب كان يريد التعبير عن حبه لرسل المشرق؛ آباء الكنيسة وهم الذين قدموا كي يضرموا ويزيدوا حرارة الإيمان في قلوب وصدور وأفكار أبناء الكنيسة في أرض أستراليا، هذه الزيارة التي وضعت لمشروع البطريرك الجديد موضع التنفيذ مبتدئا بالخطوة الأولى في طريق الوحدة التي صلى من أجلها ربنا له المجدوخصوصا لتلاميذه “ولست انا بعد في العالم واما هؤلاء فهم في العالم وانا آتي اليك.ايها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين اعطيتني ليكونوا واحدا كما نحن.” (يوحنا 11:17) الذين لم يتركهم يتامى  بعد صعوده لأنه أرسل لهم المعزي “واما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الاب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يوحنا 11:26)، الروح الذي رتب لزيارة اليوم وجعلها لتكون في شهر العذراء مريم ووجهها أقاصي الأرض من جهة الشرق وكأن ألسنة النار قد وقفت على رؤوس جميع أخوتنا الذين استقبلوا الوفد المبارك وجلسوا معه واحتضنوهم واحدا واحدا وتبدلوا وأياهم القبل المقدسة.

إنه الروح الذي يعمل؛ فعلينا الاستمرار بالشعار البطريركي والتشبث بالأصالةوالوحدة ولا ننسى التجدد، لأن الجمود يقودنا نحو الموت بينما التجدد يخلق حركة ويدفع بالحياة نحو الازدهار، لذلك علينا أن لا نتشبه بغيرنا الذي يتحدث ويُشغل نفسه بالأسلاف ولا شيء غير السلف، لأن أبناء اليوم فيهم من يضاهي ذلك السلف وفيهم القديسين وممن يستحقون لقب الرسول والتلميذ الصالح ليسوع المسيح.

إذا لتكن رسالة المسيح هي هدفنا الأول والأسمى قبل أي شيء والباقي يُعطى لنا ويزاد، وأقصد هنا الشؤون الزمنية البحتة، وكما انطلق أبينا أبراهيم من أور الكلدانيين “فخرجوا معا من اور الكلدانيين ليذهبوا الى ارض كنعان.فأتوا الى حاران واقاموا هناك.” (تك 31:11)، ولم يتشبث ما أصبحنا نناديه بأبو الأنبياء بأصله وأرضه تلك أمام دعوة الله له لكنه أختار زوجة لأبنه أسحق من تلك الربوع حيث آبائه وأجداده كون الأصل يبقى ولن يستطع أحدا محوه، لكن المهم أن لا يكون الأصل حجر عثرة لدى أبناء اليوم لأننا يجب أن نعيش التجدد والأصالة وليكن عملنا بهدف أعلاء مجد الآب وبقوة خصوصا عندما نتحد مع كنائس المسيح الأخرى، لأن كنيسة المسيح ليست محصورة بشعب أو قومية أو طائفة لأنه قال تلمذو جميع الأمم وعمدوهم …

ومن يهتم بالأمور الزمنية أيا كانت قومية أو مادية؛ترك الكنيسة كي تحمل ثقل التبشير بإنجيل المخلص لجميع الأمم وعلينا جميعا صون الكنيسة كي لا تهتم بالأرضيات كونه مرضا من أمراض العصر ولكي لا يكون سببا للخلاف والفرقة، بل على العكس يجب أن يكون توجهنا الزمني في خدمة الكنيسة وعملها ورسالتها كي نزداد قوة كشعب بأي أنتماء نكون وكي تزداد حرارة الايمان لدينا لأننا لا نريد لأخوتنا أن يغربلهم الشيطان “وقال الرب سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة.” (لو 23:22)،لأن الشرير دائما يسعى كي يُفشل ما يبنيه أتباع يسوع، وأيضا يجب أن نكون حاملين لبشرى الايمان قبل أي شيء وفوق أي شيء “حاملين فوق الكل ترس الايمان الذي به تقدرون ان تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة.” (أف 16:6)، فأمور الدنيا مغرية جدا مع أنني على ثقة بأن يوم الدين سوف لن يسأل الله أولئك الذين سيكونوا عن يمينه أو عن يساره عن انتمائهم المذهبي أو الطائفي أو القومي، لأنه يكون على أساس الصالحين و الطالحين “ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي ابي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم.” (متى34:25)، وهكذا سيكون الخراف عن يمينه والجداء عن يساره (متى 33:25) أشارة لمن يرث المُلك المعد من أبد الدهور، وأيضا لمن سيكون السماء مصيره فإنه بكل تأكيد سوف لن يجد منازل لهذه القومية أو لتلك لأن الجميع سيكونوا معا لا فرق بين أبيض أو أسود ولا تفرقهم القومية أو الطائفية.

ونعود للمرنم الذي قال: ما أحلى أن نجتمع معا بالروح يقول الرب لنا، ما اجتمع باسمي اثنان معا، إلا وهناك أكون أنا… وبفحصنا لكلمات الترنيمة لن نجد أي فوارق تذكر لأن هذه هي رسالة الروح وعلينا السمو على كل ما من شانه ان يفرقنا من الاجتماع، ولهذا كان لاجتماع أيار من 2013 شكل عنصرة جديدة، ونحن نكتب ذلك لأن المهتمين بالزمنيات كثر ونخاف أن يفعل بنا الرب كما فعل ببناة برج بابل “هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على وجه كل الارض.فكفوا عن بنيان المدينة. لذلك دعي اسمها بابل.لان الرب هناك بلبل لسان كل الارض.ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الارض” (تك 7:11-9)، فأولئك الأسلاف كانوا ينشدون المجد الزمني، وذلك المصير لا نريده لنا بل نريد من الروح أن يمنحنا القوة كي نفهم ألسنة الآخرين ونعيش معا ونترك الماضي الذي فرقنا إلى كنائس وفرق ومسميات جميعها تقودنا نحو الضعف والانحلال وأصبحنا من جراء ذلك فرقا صغيرة لا يحترمها أحد، فاقدة للإرادة وتبكي على أطلال الماضي.

لنعمل اليوم كي نستثمر ثمار هذه الزيارة ومعانيها وعلينا عقد الحلقات النقاشية والدراسية بغية أستلهام كل معطيات الزيارة ووضعها في خدمة كنيستنا المباركة والتي كانت قد بوركت من قبل من قبل رب المجد عندما أصبح أحد تلاميذه الاثني عشر مبشرا لها وأيضا كونها تحمل أرث أبي الأنبياء أبراهيم وتحمل اسم عائلته وأرضه وأجداده. فهنا وقبل كل شيء علينا شكر الله على ما أفرزته العناية الإلهية لكنيستنا من فرصة كبيرة ورمزية وتاريخية، كانت فرصة لتبادل الخبرات ولتبادل المشاعر وللشحن بمعنويات جديدة لما تختزنه الذكريات مع غبطة أبينا البطريرك والسادة الأساقفة الأجلاء، فكانت المشاعر هي التي تتكلم قبل أن تنطلق الشفاه جعلت منا نتشبث أكثر بجذور كنيستنا وأصالتها، فالمحبة الخالصة هي التي كانت حاضرة وعاملة بين كنيسة أستراليا ونيوزيلندا وأسقفها الجليل وكهنتها والمؤمنين وما بين رعاتنا الزائرين الأجلاء. ليحفظ الله الجميع ويجعل روحه القدوس محركا ومنيرا ومقويا ومعزيا لجميعنا كي نجتمع معا دائما ويكون الاجتماع مفرحا ومثمرا.

الشماس عبدالله النوفلي

17 أيار 2013

عن Yousif

شاهد أيضاً

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة الاب أدّي بابكا راعي كنيسة مار أدّي الرسول في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.