الرئيسية / المقالات / السابع من الرسل: “أَبْطالٌ بالخَمْرِ وبمَزْجِ المُسْكِرِ”.

السابع من الرسل: “أَبْطالٌ بالخَمْرِ وبمَزْجِ المُسْكِرِ”.

السابع من الرسل:

أَبْطالٌ بالخَمْرِ وبمَزْجِ المُسْكِرِ.

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد السابع من موسم الرسل:

 

الأولى من سفر اشعيا (٥، ٨ ـ ١١) تقول: الويل للذين يظلمون، فان ظلمهم لن يطول. الله يُمهل ولا يُهمِل.

الثانية من الرسالة الأولى إلى اهل قورنثية (١٥، ٥٨ ـ ١٦، ١ـ ٤) تدعو الى الثبات على المبادئ مهما كانت التضحيات.

الثالثة من إنجيل لوقا (١٣، ٢٢ ـ ٣٠) تبرز أهمية اتباع يسوع بأمانة ونقاء.

تفسير نص القراءة الأولى (٥، ٨ ـ ١١) وتأوينه:

يضرب النبي اشعيا في بداية الإصحاح الخامس من سفره (اش ٥، ١ ـ ٧) مثَل الكرْم الذي أثمر حِصرِماً برّيّاً، بدلاً من العنب، وكيف كانت نهايته مأسوية. ويذكر الكاتب في نهاية المثَل الغاية منه، موضحاً بأنه يمثل بيت إسرائيل الذي انتهى به الأمر بالخراب والسبي: “لِأَنَّ كَرمَ رَبِّ القواتِ هو بَيتُ إِسْرائيل، وأُناسُ يَهوذا هم غَرْسُ نَعيمِه، وقدِ آنتَظَرَ الحَقَّ فاذا سَفكُ الدِّماء، والبِرَّ فإِذا الصُّراخ” (اش ٥، ٧).

بعد المثل يطلق النبي اشعيا ست ويلات لمرتكبي الرذائل والأعمال المشينة، أبرزها: ١. الاستغلال والجشع (اش ٥، ٨ ـ ١٠). ٢. السُكر والعربدة والإدمان (أش ٥، ١١ ـ ١٧). ٣. الخداع والسخرية (اش ٥، ١٨ ـ ١٩). ٤. تسمية الشر خيراً والخير شراً، وخلط المفاهيم عمداً (أش ٥، ٢٠). ٥. التفاخر والغرور، وادعاء الحكمة والتعقل (اش ٥، ٢١). ٦. البطولة بشرب الخمر والتفاخر بمزج المُسْكِرِ (اش ٥، ٢٢).

إن أحد الأسباب الرئيسية لكل ما آل إليه حال الشعب الإسرائيل من الانشقاقات والانفصال والسبي والدمار هو الجهل: “لِذلك جُلِيَ شَعْبي لِعَدَمِ المَعرِفَة، وأَصبَحَ خاصَّتُه مِن أَهلِ المَجاعة، ويَبِسَت عامَّتُه مِنَ العَطَش” (اش ٥، ١٣)، ورفض تعاليم الرب وحكمته: ٢٤ فلِذلك كما يَلتَهِمُ لَهيبُ النَّارِ القَشّ، وكما يَفْنى الحَشيشُ المُلتَهِب، يَكونُ أَصلُهم كالنَّتْن، وبُرعُمُهم يَتَناثَرُ كالتُّراب، لِأَنَّهم نَبَذوا شَريعةَ رَبِّ القُوَّات، وآستَهانوا بِكَلِمَةِ قُدُّوسِ إِسْرائيل” (اش ٥، ٢٤). نتيجة لتلك المعصية يأتي غضب الله: “فآضطَرَمَ غَضَبُ الرَّبِّ على شَعبِه، فمَدَّ يَدَه علَيه وضَرَبَه، فرَجَفَتِ الجِبالُ وصارَت جُثَثُهم كالزِّبلِ في وَسَطِ الشَّوارعٍ. ومع هذا كُلِّه لم يَرتَدَّ غَضَبُه، ويَدُه لا تَزالُ مَمْدودة” (اش ٥، ٢٥).

إذن الشعب كان غارقاً في الخطيئة ومغريات الدنيا والماديات التي صنع منها تماثيله الوثنية من الفضة والذهب. وما كان غزو أشور لإسرائيل إلا كطلقة رحمة لشعب نسى إلهه، خالقه ومخلصه ومحرره من العبودية.

الجدير بالملاحظة بأن الكاتب ينقد بشكل كبير ومطول موضوع شرب الخمر والتفاخر بمزج المسكر، وذلك في موضعين من هذا الفصل. الأول في (أش ٥، ١١ ـ ١٧)، والثاني كخاتمة للويلات الستة (اش ٥، ٢٢). حينما نقرأ الآية التي ينتقد بها اشعيا السكارى: “وَيلٌ لِلقائِمينَ مِنَ الصَّباح في طَلَبِ المُسكِرات المُتَأَخِّرينَ الى المَساء والخَمرُ تُلهِبُهم” (اش ٥، ١١)، قد يخطر على أذهاننا السؤالٌ الآتي: لماذا يبحث السكارى عن الخمر بالذات في الصباح الباكر وفي المساء؟ ربما لأن الجو يكون بارداً صباحاً ومساءاً، وبالتالي مناسباً لشرب الكحول. لكن ليس هذا السبب الرئيسي. وإنما طلب السكارى للخمر صباحاً ومساءاً دليلٌ على أن السُكر أصبح شغلهم الشاغل لدرجة اوصلتهم ليصبحوا عبيداً له، ويجعلوهٌ كوثنٍّ يعبدوهُ. على أية حال، انتقاد اشعيا بما يخص شرب الخمر موجهٌ بشكل رئيسي لملوك اليهود الذين تركوا العدل والمساواة، والتهموا بيوت الإيتام والأرامل. بالحقيقة، ينبغي على القادة والحُكام والملوك والرؤساء عدم شرب الخمر ومزج المسكر كي لا ينسوا وصايا الله وتعاليمه، وان لا يُحَرِّفوا أو ينسوا قضية الفقراء والضعفاء والبؤساء، وإنما يدافعوا عنهم: ٤ لَيسَ لِلمُلوكِ، يا لَموئيل، لَيَس لِلمُلوكِ أَن يَشرَبوا الخَمْر، ولا لِلعُظَماءِ أَن يَشرَبوا المُسكِرْ. ٥ لِئَلاَّ يَشرَبوا فيَنسَوُا الشَّرائعِ، ويُحَرِّفوا قَضِيَّةَ كُلِّ أَبْناءَ البُؤس” (أم ٣١، ٤ ـ٥). أما المظلومون والفقراء وذوو النفوس المرّة، فينبغي اعطائهم الخمر والمُسكر كي ينسوا آلامهم ومعاناتهم: ٦ أَعْطوا المُسكِرَ لِلمُشرِفِ على المَوت، والخَمرَ لِذَوي النُّفوسِ المرة. ٧ فيَشرَبوا وَينْسَوا شَقاءَهم، ولا يَعودوا يَذكُرونَ عَناءَهم” (أم ٣١، ٦ ـ ٧).

باختصارٍ مفيد، يدعونا هذا النص بأن نكون أبطالاً بمساعدة المسكين، وبصنع الخير، بدلاً من أَبْطالٍ بشرب “بْطَالة” الخَمْر ومَزْجُ المُسْكِرِ! لننال الطوبى: “طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمسْكِينِ. فِي يَوْمِ الشَّرِّ يُنَجِّيهِ الرَّبُّ” (مز ٤١، ١)، عوضاً عن الويل: “وَيْلٌ لِلأَبْطَالِ في شُرْبِ الْخَمْرِ، وَلِذَوِي الْقُدْرَةِ عَلَى مَزْجِ الْمُسْكِرِ” (اش ٥، ٢٢).

عن Maher

شاهد أيضاً

الصلاة تبني الكنيسة

الصلاة تبني الكنيسة المطران رمزي كرمو اسطنبول 03/12/2019 لا كنيسة من دون صلاة، ولا صلاة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *