الرئيسية / المقالات / الأول من موسى:  شَّعبٌ وعُشبٌ!

الأول من موسى:  شَّعبٌ وعُشبٌ!

الأول من موسى:

 شَّعبٌ وعُشبٌ!

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الاول من موسم موسى:

الأولى: من سفر اشعيا (٤٠، ١ ـ ٨) تنبئ بتدخل الله لنجاة شعبه.

الثانية: من الرسالة الثانية إلى اهل قورنثية (١، ٢٣ ـ ٢٤؛ ٢، ١ ـ ٥) يخبرنا فيها بولس عن عزمه على السفر الى قورنثية لمصالحة مؤمنيها.

الثالثة: من إنجيل متّى (٢٠، ١ ـ ١٦) تنقل لنا مَثَل الفَعَلة الذين استأجرهم ربّ الكرم، وتدعو الى الانفتاح والسخاء.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٤٠، ١ ـ ٨) وتأوينه:

انطلاقاً من هوية المتحدث يمكننا تقسيم هذه الآيات لثلاثة أجزاء، كما يلي:

الجزء الأول يتألف من آيتين (اش ٤٠، ١ ـ ٢) ونلاحظ فيه بأن المتكلم هو الله: يَقولُ إِلهُكم”. وكلمته موجهة لجماعة غير محددة حيث أن فعل الأمر الذي به يُستهل النص ويُكرر مرتين للتوكيد على أهميته هو بصيغة الجمع عَزُّوا عَزُّوا”. الجزء الثاني (اش ٤٠، ٣ ـ ٥) يبدأ بالإشارة للمتكلم الذي يوصف بأنه صَوتُ مُنادٍ” الذي يبدأ كلامه كجزء الأول بفعل الأمر وبصيغة الجمع: “أَعِدُّوا طَريقَ“. الجزء الثالث (اش ٤٠، ٦ ـ ٨) على منوال الجزأين السابقين يُستَهل بذكر المتكلم الذي يوصف بأنه صَوتُ قائِلٍ”. وكلمته موجهة لفرد واحد حيث يبدأ المتكلم بفعل الأمر، لكن هذه المرة بصيغة المفرد نادِ”. والنداء يلخص بأن الشعبَ كعشبٌ ييبسُ، أما كلمة الله فتبقى للأبد.

١. التعزية والمغفرة (اش ٤٠، ١ ـ ٢): المتكلم الذي هو الله ذاته يوجه كلامه لجماعة غير محددة. قد تكون جماعة الملائكة وجنود السماء أو الكهنة أو الأنبياء! نحن ببساطة نقول بأن كلمته موجهة أيضاً لكل قارئ وسامع تدعوه بأن يعزي الشعب ويشجعه ويزرع في قلبه الرجاء، ويزيد من حماسه لمواجهة جميع الصعوبات، والبدء من الجديد لأن الخلاص قادمٌ.

إذن التعزية هي بالخلاص الذي يحققه الله لشعبه المتمثل هنا بأورشليم التي تٌغفَر لها خطاياها: ” … وكُفِّر إِثمُها، ونالَت مِن يَدِ الرَّبِّ ضِعفَينِ عن جَميعِ خَطاياها” (اش ٤٠، ٢)، ويُحرر سكانها من سلاسل سبي بابل.

يشير اشعيا مراراً للتعزية التي يتلقاها المؤمن من الله، كما في هذه النصوص (اش ١٢، ١؛ ٤٩، ١٣؛ ٥١، ٣. ١٢. ١٩؛ ٥٢، ٩؛ ٦١، ٢؛ ٦٦، ١٣). ومن أجمل الصورة التي نجدها في الكتاب المقدس عن تعزية الله لأحبائه برحمته وحنانه الأبوي هي عن مسح دموعهم. فعلى سبيل المثال نقرأ في سفر اشعيا ما يلي:٨ ويُزيلُ المَوتَ على الدَّوام، وَيمسَحُ السَّيِّدُ الرَّبُّ الدُّموعَ عن جَميعِ الوُجوه، ويَرفَعُ عارَ شَعبه عن كُلِّ الأَرض، لِأَنَّ الرَّبَّ قد تَكَلَّم. ٩ فيُقال في ذلك اليَوم: هُوَذا إِلهُنا الَّذي آنتَظَرْناه وهو يُخَلِّصُنا، هُوَذا الرَّبُّ الَّذي آنتَظَرْناه، فلنَبتَهِجْ ونَفرَح بِخَلاصِه” (اش ٢٥، ٨ ـ ٩). وبنفس المعنى نقرأ في سفر المزامير هذه الآية الجميلة والمعزية: ٧ عودي يا نَفْسي إلى راحَتِكِ، فإِنَّ الرَّبَّ قد أَحسَنَ إِلَيكِ، ٨ لأَنَّه أنقَذَ مِنَ المَوتِ نَفْسي ومِنَ الدَّمعْ عَينَيَّ، ومِنَ الزَّلَل قَدَمَيَّ” (مز ١١٦، ٧ ـ ٨).

أما في العهد الجديد فالله يمسح دموع المضطهدين بسبب البرّ: ١٦ فلَن يَجوعوا ولَن يَعطَشوا ولَن تَلفَحَهمُ الشَّمسُ ولا الحَرّ، ١٧ لأَنَّ الحَمَلَ الَّذي في وَسَطِ العَرشِ سيَرْعاهم وسيَهْديهم إِلى يَنابيع ِماءِ الحَياة، وسيَمسَحُ اللهُ كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم(رؤ ٧، ١٦ ـ ١٧). والصورة ذاتها تُعاد مرة أخرى في الفصل ما قبل الأخير من سفر الرؤية:٣ وسَمِعتُ صَوتًا جَهيرًا مِنَ العَرشِ يَقول: «هُوَذا مَسكِنُ اللهِ مع النَّاس، فسَيَسكُنُ معهم وهم سيَكونونَ شُعوبَه وهو سيَكونُ ‹اللهُ معَهم›. ٤ وسيَمسَحُ كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم. ولِلمَوتِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآن، ولا لِلحُزنِ ولا لِلصُّراخِ ولا لِلأَلَمِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآَن، لأَنَّ العالَمَ القَديمَ قد زال»” (رؤ ٢١، ٤). كما يصف الإنجيلي يوحنا حُزن الرب يسوع العميق لموت صديقه لعازر وتضامنه الكبير مع الذين كانوا يبكون لفقدانه. وهكذا قبل أن يُقيم يسوع لعازرَ من بين الأموات يذكر كاتب الإنجيل الرابع بكاء يسوع في تلك الأجواء المحزنة، قائلاً:٣٣ فلَمَّا رآها يسوعُ تَبكي ويَبكي معَها اليَهودُ الَّذينَ رافَقوها، جاشَ صَدرُه وَاضطَرَبَت نَفْسُه ٣٤ وقال: «أَينَ وَضَعتُموه؟» قالوا لَه: «يا رَبّ، تَعالَ فانظُر». ٣٥ فدَمعَت عَيْنا يسوع. ٣٦ فقالَ اليَهود: «اُنظُروا أَيَّ مَحَبَّةٍ كانَ يُحِبُّه»” (يو ١١، ٣٣ ـ ٣٦).

أما على الصليب فقد ذرف يسوع الدموع والدماء من أجل تحقيق الخلاص للإنسان المتألم بسبب الخطيئة وإقامته من بين الأموات مثلما أقام لعازر. وكما وعد بأنه سيبعث المعزي بعد صعوده إلى السماء:١٦ وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، … ٢٦ وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يو ١٤، ١٦ ـ ٢٦).

ما أكثر انبياء الشؤم، وما أندر انبياء الرجاء! والرب يدعونا على لسان النبي اشعيا بأن نكون انبياء الرجاء والعزاء ومبشرين ببشارة الإنجيل، ومُعلني الخبر السار بتحقيق الخلاص الإلهي للبشرية. يعطي الرب لنا كأعضاء في الكنيسة مَهمة تعزية الشعب، آمراً: عَزُّوا عَزُّوا شَعْبي”. نعلم جميعاً، لا بل نرى بأعيننا كم من الناس يتألمون بعالمنا، وكم من الأبرياء يعانون بسبب شر الأشرار واطماعهم وانانيتهم واضطهادهم وظلمهم للفقير والضعيف واليتيم والغريب والأرملة. فهل يا ترى قمت أنت بمسح دموع إنسانٍ متألمٍ، لكيما يمسح الرب دموعك؟!

طريق الرّبّ (اش ٤٠، ٣ ـ ٥): المتكلم هنا يوصف بأنه “صَوتُ مُنادٍ”، ومَهمته تكمن بنقل كلمة الله التي بدأ بها النص: يَقولُ إِلهُكم … لِأَنَّ فَمَ الرَّبِّ قد تَكَلَّم (اش ٤٠، ١. ٥).

من الجدير بالملاحظة هنا بأن إعداد الطريق هو في البرية، وليس صَوتُ مُنادٍ” في البرية: “صَوتُ مُنادٍ: «في البَرِّيَّة أَعِدُّوا طَريقَ الرَّبّ …” (اش ٤٠، ٣)، كما يتبين من الجزء الثاني من الآية والذي يوازي بالمعنى الجزء الأول: ” … وآجعَلوا سُبُلَ إِلهِنا في الصَّحْراءِ قَويمة” (اش ٤٠، ٣).

أفعال الأمر التي استخدمت في الجزء الأول من النص تخص الكلام والوعظ: “عَزُّوا عَزُّوا … خاطِبوا …  ونادوها” (اش ٤٠، ١ ـ ٢). أما في الجزء الثاني فهي تخص العمل: “أَعِدُّوا …  وآجعَلوا” (اش ٤٠، ٣). إذن لا يكفي الكلام، وإنما ينبغي أن يتجسد بالعمل حيث أن أعداد الطريق في الصحراء ليس بالأمر السهل ويتطلب الكثير من الطاقات وتكاثف الجهود. فلا معنى للقول دون الفعل.

“طَريقَ الرَّبّ” (اش ٤٠، ٣) الذي ينبغي اعداده يشير قبل كل شيء لطريق العودة من سبي بابل. إنه الطريق نحو الحرية. وقد اختارت كنيستنا الكلدانية هذا النص من سفر اشعيا ليقرأ في الأحد الأول من موسم موسى، كون موسى هو ذلك القائد العظيم الذي دعاه الله ليعزي من خلاله شعبه ويحرره من عبودية مصر ويعدّ الطريق له عبر البرية ويقوده نحو أرض الميعاد، أرض الحرية. وهذا الحدث التاريخي يعيد ذاته بالخروج الثاني للشعب العبراني أي عودته من عبودية بابل إلى أورشليم (قارن: اش ١١، ١٠ ـ ١٦؛ ٥١، ٩ ـ ٢٣؛ ٥٢، ٩ ـ ١٥). فبعد احتلال اورشليم وتدميرها وسبي الشعب العبراني لبابل سنة ٥٨٦ ق.م.، يعلن هنا الخلاص الذي يحققه الله بتحرير شعبه مرة أخرى من العبودية سنة ٥٣٨ ق.م. وإرجاعه لأرضه (اش ١١، ١٢) عبر طريقٍ رحبٍ اُعّد في البرية التي تفصل أورشليم عن بابل. يصف اشعيا طريق العودة وكأنه تحول من صحراء قافرة قاحلة لجنائنٍ جميلة مزينة بالأنهار والأشجار: ١٨ أَفتَحُ الأَنهارَ على الرَّوابي الجَرْداء، والعُيونَ في وَسَطِ الأَودِيَة. أَجعَلُ البَرِّيَّةَ غُدْرانَ مِياه، والأَرض القاحِلَةَ يَنابيعِ مِياه. ١٩ أَجعَلُ في البَرِّيَّةِ الأَرْزَ، والسَّنْطَ والآسَ وشَجَرَ الزَّيتون، وأَجعَلُ في البادِيَةِ السَّرْوَ والدَّرْدارَ والبَقْسَ جَميعاً” (اش ٤١، ١٨ ـ ٢٩؛ قارن: ٣٥، ٢. ٤. ٨ ـ ٩؛ ٤٢، ١٥ ـ ٢٥).

واليوم يدعو الله كل واحد منا لإعداد الطريق نحو الحرية والخلاص، كما دعا من قبل موسى واشعيا ويوحنا المعمدان وكل الأنبياء والرسل وأرسل ابنه يسوع المسيح. ولكن قبل إعداد الطريق للآخرين ينبغي على الإنسان أن يتحرر هو نفسه من قيوده وسلاسله ليستطيع أن يساهم في تحرير الآخرين. وبهذا الخصوص يرى أحد الحاخاميين بأن كل إنسان ينبغي أن يخرج من عبوديته كما خرج الشعب العبراني من عبوديته في مصر، قائلاً: “ينبغي على المرء في كل جيل أن يعتبر نفسه وكأنه هو شخصياً قد خرج من مصر” (Mishnah Pesahim 10,5).

“طَريقَ الرَّبّ” (اش ٤٠، ٣) في الكتاب المقدس يشير بشكل خاص للتوراة وكل التعاليم الإلهية التي تتلخص بمحبة الله والقريب. ومن دون سير الإنسان وفقها لا حرية ولا خلاص له. كما يمكن تفسير “طَريقَ الرَّبّ” (اش ٤٠، ٣) بأنه طريق التوبة ونيل المغفرة التي أُشير إليها في الجزء الأول من النص (اش ٤٠، ٢). وفعلاً بهذا المعنى تقتبس الأناجيل الأربعة هذه الآيات من سفر اشعيا في سياق كرازة يوحنا المعمدان الذي يدعو للتوبة وإعداد الطريق للرب (متّ ٣، ١ ـ ١٢؛ مر ١، ١ ـ ٨؛ لو ٣، ١ ـ ١٨؛ يو ١، ١٩ ـ ٣٤).

يُعدّ طريق الرب بالتواضع والخدمة كُلُّ وادٍ يَرتَفع”، وليس بالتكبر والتشامخ “وكُلُّ جَبَلٍ وتَلٍّ يَنخَفِض”، وبالعدل والمساواة وتسهيل الأمور وتقويمها، وليس بالغش والانحراف والتحايل وتعقيد الأمور: والمُنعَرِجُ يُقَوَّم، ووَعرُ الطَّريقِ يَصيرُ سَهلاَّ”. وكل ذلك في النهاية هو لمجد الله، وليس للمجد الباطل: ويَتَجَلَّى مَجدُ الرَبِّ، ويُعايِنُه كُلُّ بَشَر …” (اش ٤٠، ٥).

فيا ترى هل نحن نُعدّ طريق الرب ونفتحه ونسهله، أم نغلقه ونعقده! هل نبني الجسور أم نهدمها؟ هل نفتح الأبواب أم نغلقها؟ هل نساهم في تعزيز قيم الحرية وكرامة الإنسان وحقوقه أم نفضل استعباد الآخر لمصالحنا الخاصة؟! إنها أسئلة أساسية، وسنُدان على مواقفنا تجاهها!

كلمة الرّبّ (اش ٤٠، ٦ ـ ٨): فعل الأمر نادِ” (اش ٤٠، ٦) هنا موجه للفرد، بعد أن كان قد وجه في البداية للجماعة ونادوها” (اش ٤٠، ٢). وهنا يجدر الملاحظة بأن الجذر “ناد” يستخدم أربع مرات مما يشير لأهميته (اش ٤٠، ٢. ٣. ٦). وعليه مسؤولية اعلان كلمة الله وتعزية الشعب تقع على عاتق الكل، وكل فرد بشكل شخصي بغض النظر عن مكانته ومنصبه وأصله!

قد يرى البعض هنا نوعاً من التناقض أو الاعتراض على ما جاء في الآيات السابقة! فالتأكيد في (اش ٤٠: ١ ـ٥) كان بالدرجة الأولى على التعزية والخلاص، لكن هنا يأتي نداءٌ ليشدد على زوال كل بشر وفناء الشعب الذي يُعدَّ كالعشب اليابس وجماله كزهر البرية الذاوي والذابل. بالحقيقة الكتاب المقدس وخاصة في سفر المزامير يؤكد دائماً على ضعف الإنسان وزواله: ١٥ الإِنسانُ كالعُشْبِ أَيَّامُه وكزَهرِ الحَقْلِ يُزهِر، ١٦ هبَت علَيه ريحٌ فلَم يَكُنْ ولم يَعُدْ يَعرِفُه مَوضِعُه” (مز ١٠٣، ١٥ ـ ١٦؛ مز ٨، ٤؛ ٢٢، ٦؛ ٩٠، ٥ ـ ٦؛ أي ٧، ١ ـ ١٠؛ اش ٥٣، ٦). لكن يُراد بهذا الحديث في سياق النص التوكيد بشكل خاص على زوال أعداء شعب الله. على عكس شعب الله الذي يشار له بصريح العبارة شَعْبي” (اش ٤٠، ١)، “الشعب” (اش ٤٠، ٧) العدو الذي لم تحدد هويته في نصنا، يشير إليه اشعيا في مكان آخر ويصفه أيضاً بالعشب ويدعو المؤمن بأن لا يخافه وأن يتعزى بالله خالقه: ١٢ أَنا أَنا مُعَزِّيكم فمَن أَنتَ حتَّى تَخافَ مِن إِنْسانٍ يَموت، ومِنِ آبنِ آدَمَ يَصيرُ كالعُشْب ١٣ وقد نَسيتَ الرَّبَّ صانِعَكَ الَّذي بَسَطَ السَّمواتِ وأَسَّسَ الأَرض وما زِلتَ تَفزَعُ كَلَّ يَومٍ مِن غَضَبِ المُضايِق حينَ يَستَعِدُّ لِلتَّدْمير فأَينَ غَضَبُ المُضايِق؟” (اش ٥١، ١٢ ـ ١٣). ومن جهة أخرى يصف الكاتب أبناء شعب الله بالعشب، لكن بالمعنى الإيجابي، قائلاً: “وتَنظُرونَ فتُسَرُّ قُلوبُكم، وتُزهِرُ عِظامُكم كالعُشْب، وتُعرَفُ يَدُ الرَّبِّ أَنَّها مع عَبيده، ويَغضَبُ على أَعْدائِه” (اش ٦٦، ١٤). وبالتالي لا يوجد تناقض، وإنما تكامل لمخطط الله الخلاصي الذي يعلن في (اش ٤٠، ١ ـ ٥). فالمتكبرون والطغاة الذين وصفوا بالجبال والتلال التي ستنخفض بقوة الله: “وكُلُّ جَبَلٍ وتَلٍّ يَنخَفِض” (اش ٤٠، ٤) يوصفون هنا بالعشب والزهر الزائلين: “… كُلُّ بَشَرٍ عُشْبٌ، وكُلُّ جَمالِه كزَهْرِ البَرِّيَّة” (اش ٤٠، ٦)، “… وأَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنا فتَبْقى لِلأَبَد” (اش ٤٠، ٨)، ومن يؤمن بها يثبت.

وهذا ما يجري التوكيد عليه في بقية الآيات من هذا الفصل بالرجوع لموضوع دينونة الأعداء وفنائهم (قارن: اش ٦٦، ١٥ ـ ١٧) حيث نقرأ على سبيل المثال ما يلي: “… ١٥ ها إِنَّ الأُمَمَ تُحسَبُ كنُقطَةٍ مِن دَلْوٍ وكحَبَّةِ تُرابٍ في ميزان ها إِنَّ الجُزُرَ كذَرَّةٍ يَرفَعُها ١٦ ولُبْنانَ غَيرُ كافٍ لِلوَقود وحَيَوانَه غَيرُ كافٍ لِلمُحرَقَة. ١٧ جَميعُ الأُمَمَ أَمامَه كلا شَيء تُحسَبُ لَدَيه أَقَلَّ مِنَ العَدَمِ والخَواء … ٢٣ يَجعَلُ الزُّعَماءَ كلا شَيء ويُصَيِّرُ قُضاةَ الأَرضِ كخَواء. ٢٤ يَكادونَ لا يُغرَسون ولا يُزرَعون ولا يَتَأَصَّلُ في الأَرض جِذرُهم حتَّى يَهُبَّ علَيهم فيَيبَسوا وتَرفَعَهمُ الزَّوبَعة كالقَشّ” (اش ٤٠، ١٢ ـ ٣١). الفصل يُختَتم بالتأكيد على أزلية الله والقوة التي يعطيها للذين يتكلون عليه: ٣٠ الفِتْيانُ يَتعَبونَ ويُعيَون والشُّبَّانُ يَعثُرونَ عِثاراً. ٣١ أَمَّا الرَّاجونَ لِلرَّبّ فيَتَجَدَّدونَ قُوَّةً، يَرتَفِعونَ بِأَجنِحَةٍ كالعِقْبان، يَعْدونَ ولا يُعْيَون، يَسيرونَ ولا يَتعَبون” (اش ٤٠، ٣٠ ـ ٣١) ويعتني الله بهم كاعتناء وتعزية الأم لثمرة بطنها: “كإِنسانٍ تُعَزِّيه أُمُّه، كذلك أَنا أُعَزِّيكم، وفي أُورَشَليمَ تُعَزَّون” (اش ٦٦، ١٣) ويرعاهم بحنانه ومحبته وعطفه، ويهتم خاصة بالطرف الأضعف والأصغر والأكثر حاجة للعون والحماية: “يَرْعى قَطيعَه كالرَّاعي يَجمَعُ الحُمْلانَ بِذِراعِه، ويَحمِلُها في حِضنِه، ويَسوقُ المُرضِعاتِ رُوَيداً” (اش ٤٠، ١١). أما الأشرار فيزولون من أمامه كالعشب الذي ييبس، والزهرة التي تذبل (اش ٤٠، ٧ ـ ٨)، والقَشّ الذي ترفعه الزَّوبعة (اش ٤٠، ٢٤)، والثوب الي يأكله العث، والصوف الذي يقرضه السوس (اش ٥٣، ٨)، والعُصافة التي تذروها الرياح (مز ١، ٤)، وكالشوك الذي تلتهمهُ النار الحارقة في طرْفة عينٍ (مز ١١٨، ١٢).

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح  الكاردينال لويس روفائيل ساكو الحريةُ هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *