الرئيسية / المقالات / الثاني من تقديس الكنيسة: آخر وصية إلهية لموسى هي تقديس الكهنة

الثاني من تقديس الكنيسة: آخر وصية إلهية لموسى هي تقديس الكهنة

الثاني من تقديس الكنيسة:

آخر وصية إلهية لموسى هي تقديس الكهنة

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الثاني من موسم تقديس الكنيسة:

الأولى: من سفر الخروج (٤٠، ١ ـ ١٦) تروي خبر اقامة خيمة العهد.

الثانية: من الرسالة إلى العبرانيين (٨، ١ ـ ٨) تؤكد على أن المسيح هو الحبر الأعظم والوسيط الأوحد في العهد الجديد.

الثالثة: من إنجيل متّى (١٢، ١ ـ ٨) تنقل حادثة السنابل، مُشددة على أن الشريعة ليست هدفاً، بل هي لأجل الإنسان ولخدمته، وليس لاستعباده.

تفسير نص القراءة الأولى (خر ٤٠، ١ ـ ١٦) وتأوينه:

 

بعد تجديد العهد واستلام موسى لوحا الشريعة (خر ٣٤)، يُسرَد في (خر ٣٥ ـ ٤٠) بناء المقدس، وتُذكر تفاصيل بما يخص العبادة وتقديم الذبائح. وفي مطلع الفصل الأخير من سفر الخروج (خر ٤٠، ١ ـ ١٦) يأتي كلام الله لموسى ليوجهه بما يخص نصب المقدس وتقديسه. إذن المقطع كله هو تعليم موجه من الله لموسى كما يتضح من بدايته وختامه: ١ وكلَّمَ الرَّبُّ موسى قائلاً … ١٦ فَعَمِلَ موسى بِكُلِّ ما أَمَرَه الرَّبُّ به، هكذا عَمِل” (خر ٤٠، ١ ـ ١٦).

يعكس هذا التعليم الإلهي أهمية الطقوس في حياة الجماعة المؤمنة، ويتّم التوكيد فيه على تفاصيل دقيقة وعلى الترتيب والنظام. فكل ما في المقدس له مكانه ومعناه. والغاية من كل ذلك هي تقديس المؤمنين لذواتهم، كما يتضح من تكرار جذر كلمة “قدس” في النص لثماني مرات والتشديد عليها (خر ٤٠، ٩. ١٠. ١١. ١٣). إن كلمة الطقس بحدّ ذاتها تعني الترتيب والنظام، وتشير لاهوتياً للنظام في العبادة والصلاة لتعكس صفاء الضمير والراحة الروحية، والانسجام بين ما في القلب وخارجه، والرهبة والخشوع في مكان العبادة حيث حضور الله، وتطبيق ما يعبر عنه المؤمن بممارسته الطقوس المقدسة في تفاصيل الحياة اليومية، والتطابق بين الجانبين الطقسي والعملي. كما يعكس الطقس نظام الطبيعة التي خلقها الله، وتدبيره الخلاصي للبشرية.

يجدر الملاحظة بأن آخر وصية يوجهها الله لموسى حسب سفر الخروج هي تقديس هارون وبنيه ومسحهم كهنةً: ١٣ وأَلبِسْ هارونَ ثِيابَ القُدْس وآمسَحْه وقَدِّسْه لِيَكونَ لي كاهِناً، ١٤ وقَدِّمْ بَنيه وأَلبِسْهم قُمصاناً، ١٥ وآمسَحْهم كمَا مَسَحتَ أَباهم لِيكونوا لي كَهَنَة، وتكونُ لَهم مِسحَتُهم كَهَنوتاً أَبَدِيّاً مَدى أَجْيالِهِم” (خر ٤٠، ١٣ ـ ١٥). إذن الكهنوت هو من الله (قارن: عب ٥، ٤) ومسحته أبدية (قارن: مز ١١٠، ٤) وغايته تقديس الذات والآخر. من خلال تكريس موسى لهارون وبنيه وجعلهم كهنة للأبد يضمن استمرارية أداء العبادة لله، وديمومتها على مدى الأجيال.

يقارن كاتب الرسالة إلى العبرانيين بين موسى ويسوع في سياق حديثه عن الكهنوت، ويؤكد بأن يسوع هو عظيم كهنتنا، قائلاً: ١ لِذلِك، أَيُّها الإخوَةُ القِدِّيسونَ المُشتَرِكونَ في دَعْوةٍ سمَاوِيَّة، تَأَمَّلوا رَسولَ شَهادَتِنا وعَظيمَ كَهَنَتِها يَسوع، ٢ فهو مُؤتَمَنٌ لِلَّذي أَقامَه كَما «كانَ شَأنُ موسى في بَيتِه أَجمع». ٣ فإِنَّ المَجْدَ الَّذي كانَ أَهْلاً لَه يَفوقُ مَجدَ موسى بِمِقْدارِ ما لِباني البَيتِ مِن فَضْلٍ على البَيت” (عب ٣، ١ ـ ٣). كما يشدد الكاتب في الرسالة عينها بأن يسوع هو عظيم الكهنة الذي قدم ذاته مرة واحدة ذبيحة من أجل خلاصنا: ٢٦ فهذا هو عَظيمُ الكَهَنَةِ الَّذي يُلائِمُنا، قُدُّوسٌ بَريءٌ نَقِيٌّ ومُنفَصلٌ عنِ الخاطئين، جُعِلَ أَعْلى مِنَ السَّمَوات، ٢٧ لا حاجَةَ بِه إِلى أن يُقَرِّبَ كعُظَماءِ الكَهَنَةِ كُلَّ يَومٍ ذَبائِحَ لخَطاياه أَوَّلا، ثُمَّ لِخَطايا الشَّعْب، لأَنَّه فَعَلَ ذلِكَ مَرَّةً واحِدة، حينَ قَرَّبَ نَفْسَه” (عب ٧، ٢٦ ـ ٢٧؛ قارن: عب ٩، ٢٨؛ ١٠، ١١ ـ ١٢).

وإذ نحن نحتفل بالأحد الثاني لتقديس الكنيسة لنشكر الربّ على اختياره وتكريسه كهنةً لكنيسته مستعدين لإعطاء ذواتهم بأكملها له ولشعبه. ولنصلي من أجلهم كيما يقتدوا بالمسيح عظيم كهنتنا، ويكونوا أمناء لدعوتهم. ويخدموا مذبح الربّ والجماعة المسيحية بكل أمانة وإخلاص، ولا سيما من خلال الاحتفال الافخارستي، عاملين مع كل المؤمنين حسب وصيّة الربّ يسوع القائل: “اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي” (لو ٢٢، ١٩).

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح  الكاردينال لويس روفائيل ساكو الحريةُ هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *