أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / ثلاثية: الكتاب المُقدس وانا والكورونا (التاج)

ثلاثية: الكتاب المُقدس وانا والكورونا (التاج)

ثلاثية: الكتاب المُقدس وانا والكورونا (التاج)

المطران روبرت سعيد جرجيس

اختصاص في الكتاب المُقدس

أسئلة كثيرة تُطرح علينا هذه الأيام حول وباء “الكورونا” الذي أعلنته مُنظمة الصحة العالمية “جائحة”. هذا الاسم الذي أُطلق على الفايروس المُسبب للمرض والذي يعني “التاج او الاكليل”، بسبب شكله الشبيه بالتاج، والذي قد أثار هلعاً وخوفاً في كل انحاء العالم بسبب انتشاره السريع، مُسبباً نسبة وفيات تجاوزت احيانا 2.5-10%، ونسبة شفاء تصل أحيانا إلى أكثر 90% من بين المُصابين.

أسئلة علمية كثيرة، يسألها العامة في بحثهم عن السبب والوقاية والعلاج، ويَجِدّ فيها الدارسون لايجاد السبُل والكيفية التي ممكن ان يوقفوا من خلالها، الانتشار السريع لهذا المرض. وهناك كمّ أقل من الأسئلة تتناول الجوانب الاقتصادية التي يطرحها أصحاب الاختصاص ومن هم في محلّ المسؤولية ليُقدموا توقعاتهم حول المسار الاقتصادي للعالم، وتأثيره على النمو البشري. ومن ثم أسئلة يُثيرها الواقع الاجتماعي، عن الانسان الذي اخضعه الملك الجديد (الكورونا = التاج)، فغدت حياته مقاسات جدران الغرف التي تُحيطه، وأنواع مُختلفة من المعقمات وأساليب مُختلفة مِنَ العُزلة بعيداُ عن أي نوع من التواصل والتماس الجسدي، لان الاخير عُدَّ سبباً للمرض ومُدعاة للخوف، فصار الانسان كائنا مُغلقاً في بوتقته الشخصية، بعيداً عن العلاقة الاجتماعية، التي تُميز الكائن البشري (راجع تك 2/ 18)، فما هو مستقبل هذا العالم الذي خلقه الله ليكون جماعة؟ والذي استطاع الأسلوب التكنولوجي الجديد، أن يجعل منه خلية صغيرة خاضعة لوسائل التواصل الاجتماعي، فيصافح ويتكلم ويبتسم، بل ويبكي من خلال الانترنيت وامام الشاشات الصغيرة، مُبتعدا عن أي تواصل انساني حقيقي.

واقل من كل ذلك، تأتي مجموعة من الأسئلة الدينية، يترأسها السؤال عمّا إذا كان هذا المرض هو عقاب إلهي للجنس البشري الذي قرر الابتعاد عنه؟ او هو نتاج لخطيئة الانسان الذي عَدّ نفسه مركزاً للعالم، ومحبته لذاته اساساً لكل شيء، واضعاً الله على احدّ رفوف مكتبه؟ وهل يُجيب الكتاب المُقدس عن حادثة وباء الكورونا الذي نتحدث عنه اليوم؟  وهل يتحدث عمّا إذا كان الانسان سيتجاوز هذا التحدي الجديد ضد هذا التاج الجديد، الذي دخل العالم لسبب او لآخر كي يغدو كالالهة التي يُستمع اليها، ويُبحث عنها في كل مكان، ويُخاف منه؟

يتكرر مُصطلح “وباء”، (49) مرة في الكتاب المُقدس (العهد القديم) كترجمة للكلمة العبرية “RBD”. منها (16) مرة في نبؤة إرميا (14/ 12؛ 21/ 6. 7. 9. 10؛ 24/ 10؛ 27/ 8. 13 وهكذا)، و(12) مرة في نبؤة حزقيال (5/ 12/ 12. 17؛ 6/ 11. 12؛ 7/ 15 وهكذا)، و(3) مرات في سفر المزامير (78/ 48. 50؛ 91/ 6). وتعني الـ “طاعون دّبليّ”، او الـ “شرير” بسبب الاعتبار القديم بأن السبب المُباشر للمرض هو امتلاك الشيطان للإنسان، فلفظة “د-ب-ر” (أي الوباء) هي اسم روح شرير، كما في مز 78/ 50[1]، الذي ممكن ان يُترجم بطيغتين: “شَقَّ لِغَضَبِه طرِيقًا. لم يَحفَظْ مِنَ الموتِ نُفوسَهم وأَسلَمَ إِلى الوَباءِ (او إلى الشرير) حَياتَهم“. وهو أحد أكثر الامراض الحمية إثارة للرعب في قديم الزمان، والذي كانت اعراضه تتضمن الحُمَّى الشديدة وارتعاش، واعراض ذات الرئة ونزيف في الاغشية المُخاطية، ويتأكد التشخيص عندما تتضخم الغُدد الليمفاوية لتظهر الدبل المُميزة بعد حوالي 24 ساعة من العدوى، والتي بعدها يموت الشخص. لكن الطبعة السبعينية تُترجم غالبا هذا المُصطلح بكلمة: “qa,natoj” والتي تعني “موت” (خر 5/ 3؛ تث 28/ 21؛ 2اخ 6/ 28؛ وكذلك في رؤ 6/ 8 إذ يُترجم المُصطلح إلى “طاعون”). كما ويُميز مُصطلح الـ “RBD” ان حروفه “د–ب–ر”، في اللغة العبرية، هي ذاتها حروف لفظة “RBD'” والتي تُترجم إلى “كلمة او قول او وصية او تعليم او رسالة”، والاختلاف كامن في الحركات فقط. لذا فالـ “وباء”، في العهد القديم، مُرتبط بالـ “وصية” من الجانب اللغوي، أما بِحسب فكر تثنية الاشتراع فهو مُرتبط بالنتائج السلبية، التي تنكشف في حال عدم تطبيق ما يوصيه الله من اجل الشعب وخلاصه، وهذا هو سبب ربط “الوباء” بأحدى صور العقاب الذي يوقعه الله على شعبه بسبب اهماله السلوك في الوصايا (خر 5/ 23؛ لا 26/ 25؛ تث 28/ 21)، كما انه ذات السبب لكثرة تكرار كلمة “وباء” في نبؤتي إرميا وحزقيال، اللذان كانا يُقيمان دعوى الله ضد الشعب المُرتدّ. وبهذا الخصوص نجد المُصطلح (فيما قدّ يكون اول ذكر له)، في الحديث بين موسى وهارون وفرعون مصر: “قالا: ((إِلهُ العِبرانِّيينَ وافانا، فدَعْنا نَذهَبُ مَسيرةَ ثَلاثةِ ايامٍ في البَرِّيَّة ونَذبَحُ لِلرَّبِّ إلهِنا، لِئَلاَّ يُصِيبَنا بِطاعونٍ أَو سَيف))” (خر 5/ 3). ويُقدمه الكاتب المُقدس بشكل واضح في ثت 28/ 21 وهو الفصل الرائع الذي يروي مجموعة البركات واللعنات، في ختام سفر التثنية: “يُلصِقُ الرَّبُّ الوَباءَ بِكَ إِلى أَن يَفنِيَكَ مِنَ الأَرضِ الَّتي أَنتَ داخِلٌ إِلَيها لِتَرِثَها“، وغالباً ما كان “الوباء” مُصاحباً “للسيف والجوع”، لأن الحرب والحصار يؤديان إلى المجاعة، والمجاعة تُهيء لأنتشار الأوبئة (ار 14/ 12…)، لان فيها تنقص المياه وتقلّ مقاييس النظافة. أما من يحيا السلام الداخلي مع الله، فحتى وإن كان بوسط العالم إلا انه لا يُصيبه رُعب العالم لانه ليس من العالم (راجع يو 15/ 9؛ 17/ 14-16)، بل يقرأ ما يحدث في تاريخه بعيون ربنا يسوع المسيح، في العهد الجديد، الذي من خلاله اكتملت صورة الله وعمله، كونه “سيد التاريخ” وهو “الله محبة” فقط (1يو 4/ 8)، بما في ذلك ستتغير نظرتنا وتكتمل، حتى فيما يتعلق بالوصايا: “لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل” (متى 5/ 17)، وقرائتنا ستتجدد لكل تفاصيل العهد القديم، وبما في ذلك قرائتنا للوباء الحالي الذي ممكن ان نقول عنه التالي:

  1. الوباء او ما يُنسب إلى عقوبة الهية، هو بالحقيقة نِتاج قرار انساني حرّ، لكنه خاطيء، يُصيب الجماعة حين لا تعمل ما يجب أن تقوم به، للخير العام (راجع إحصاء داود في 2 صم 24/ 13-15). فالوباء بعمقه قد يكون وباء الانانية الإنسانية التي لا تُريد لفرعون مصر ان يُطلق الشعب كيما يذبح لالهه، ولا تريد للإنسان ان يتعاون مع أخيه الانسان للوصول معاً إلى مخرج سريع للوباء الحالي، بل فقد غدى الكل فرعوناً جديداً يُريد استثمار الحدث الحالي (كثرة شعب إسرائيل المذكور في خر 1/ 9) لفائدة مُعينة وخاصة ومحدودة من دون التعاون مع الآخرين في اكتشاف الحلّ الجذري الذي ممكن ان يُخلص الكل ويستفاد منه الكل بأقل وقت ممكن وبأقل خسائر بشرية ممكنة. لذا فـ “كورونا” كشفت الستار عن مقدار الانانية التي يختبرها عالمنا اليوم.
  2. الوباء هو دعوى للرجوع إلى العلاقة الصحيحة، بكل ابعادها: العامودية مع الخالق والافقية مع الآخر. فالانسان لا يمكن ان يحيّا بدون العلاقة فهو “كائن علائقي”، لذا فيجب ان يُحافظ على شروط العلاقة ومساحتها المتباينة، كيما تستمر العلاقة بشكلها الصحّي ويستمر السلام. فحينما يذكر ربنا يسوع المسيح علامات الدينونة (لو 21/ 11) وفيما بينها يذكر “الوباء”، loimo,j” (الذي قد يكون الطاعون المنوه إليه مُسبقاً)، ويُعاد الذكر في سفر الرؤيا. فهو دعوة لاعادة العلاقة التي انتابها خدش بالماضي، ومحاولة لألتئام الجروح التي خلقتها سلوكيات غير مُرضيّة، مع الله اولاً لانه اب الجميع وخالق المسكونة والقدير (2مك 3/ 22) على كل شيء، فتعود الثقه في منّ له حق الحياة. الدعوة تتجه ايضاً نحو عودة العلاقة بين افراد العائلة الواحدة، التي تلتقي اليوم من جديد في المنزل الواحد، فلا يكون الافراد مُجبرين على البقاء مع الزوج والابن والاخ والام والأب بل يختاروا هذه النعمة ويستغلوها إلى أقصاها، لان كذا فُرص قد لن تتكرر بالمُستقبل. فعائلتي، قد تكون الكيان الوحيد ممن وهبني الكثير ولم يطلب مني ان أرد له العطاء، فالعائلة هي تجسيد لمجانية الله في حياتي، فلماذا لا ابتهج بلحظات بقائي معها؟ بل لربما وَجَبَ عليَّ التفكير في عائلتي البعيدة، لان نعمة وسائل التواصل اليوم، تجعلنا نعيد لمّ الشمل من جديد ونحتفل اللحظات السعيدة التي قضيناها معاً.
  3. الوباء هو دعوة لصحوة الضمير: يترجى الملك سليمان الله بصلاته في 1مل 8/ 23-53 (راجع 2اخ 6-7)، كيما يُصغي لصلاة الاخرين الذين يصلون ايضاً في المكان المُقدس، ويدعو الاخرين الذين إذا اساءوا لبعضهم البعض ورجع المُسيء إلى قلبه، فعليهم بالغفران والرحمة. كما يدعوهم إلى الاعتراف بالخطأ ومواقف أخرى مُعتمدة على وقفة مهمة للضمير يسميها: “وخز الضمير” (1مل 8/ 38). فالملك يطلب من الله، ان يستمع من السماء لكل مَن لا يزال ضميره حياً، ويلتجأ من جديد إلى الله، رافعاً اليه يديه مُصليا ومُعترفاً بتواضع بصُغر حجمه، أمام فواجع قدّ تصيبه كيما يتدخل الله بمراحمه ويُزيل ما نشره الانسان بشرِّه وبقلة وعيه.
  4. الوباء هو دعوة لقراءة مُجددة وكاملة للحقيقة وبعيون مستحدثة، والاستماع بتأن لها وباذان صاغية، لأن منابر الحقيقة اليوم، قد لا تنقل الحقيقة بالكامل، ومن بين هذه المنابر، هي وسائل التواصل بكل اشكالها والاعلام التي هي سيف ذو حدين، لمن يعتبرها المصدر الوحيد للحقيقة، ليخضع بشكل كامل لها ولتصوراتها وتوجهاتها، او ممكن ان يَرذلها بشكل كامل بسبب موقف وحالة. وهذا هو خطور التعامل مع كذا وسائل سمعبصرية، إذ أثبتت أن لها القابلية على اخضاع العالم لتصوراتها، واغراقه في دواماتها الكبيرة، كما يحدث اليوم في هيجان وسائل التواصل الاجتماعي، الذي غدت احياناً مصدراً للرعب والهلع، وخصوصاً للمسكين الذي لا يعرف مساراً غيرها للوصول إلى الحقيقة، وكأن لا وجود الحقيقة إلا بين أحضان هذه الوسائط، غير مُدركاً بان الحقيقة، بشرياً، تبقى غير مُطلقة وكل هذا الوسائل هو وسائط للوصول إلى وجه من أوجه الحقيقة التي يجب عليه ان يصل إليها من مُختلف المنابع، وهذا ما ساعدنا فيه اليوم “كورونا” لنعمل قراءة مُجددة للعالم الذي ستنتهي منه ازمة “كورونا” عاجلاً ام آجلاً، ولكنه قد يعود من جديد إلى نقطة الصفر وكانما شي ما لم يحدث؟
  5. الوباء هو دعوة للعودة إلى الالتزام بالشرائع والقوانين التي وضعت لحمايتنا وحماية احبائنا. فعلى سبيل المثال، كان يُطلب من المريض بالبرص (مرض جلدي عضال عسير العلاج ينتشر ببطيء)، ان يعزل نفسه ويُقيم منفرداً، خارج المُخيم (لا 13/ 46)، ويبقى بالعزل حتى يتأكد الكاهن (الطبيب والقاضي في حينها) بانه شُفيَّ بالكامل من مرضه، فيسمح له بالاختلاط مع الجماعة (راجع شفاء الابرص في متى 8/ 1-4 ولو 5/ 14 وعلاقته بلاويين 13-14)، وذلك خوفا من انتشار المرض، واصابة كل العائلة والاقرباء والاحباب. واليوم هناك من لا يُريد ان يلتزم بالإجراءات الوقائية كونه يعتبر ان الخطر لا يمسه بشكل شخصي او لكونه مُتكل بشكل عاطفي لشي او لآخر. ان وباء كورونا هو وباء التعامل مع الضعف الإنساني امام الالتزام بشريعة الحفاظ على الاخر كما احافظ على ذاتي: “احبب قريبك كنفسك” (متى 22/ 39)، فكيف يمكن ان تقول إنك تُحب الله الذي لا تراه وانت لا تُحب الانسان قريبك الذي هو امام عينيك كل يوم؟ (1يو 4/ 20).

وفي الختام، اود ان أقول، ان الفايروس الذي تغير مرات عديدة ليتأقلم مع التحديات التي يواجهه بها الانسان، ممكن ان يكون مثالاً لنا، لنتغير كيما نواجه التحديات التي يُسببها هو لنا. فحادث بسيط أجبر الانسان عليه، قد يُصبح مُدّعاة لنهاية كل وزناتي إن شئت ذلك، وقرئته بصورته السلبية فقط، لكنه قد يغدو حافزاً لحياة أخرى وبابعاد أقوى كما يفعل فايروس كورونا معنا اليوم.

[1] بولس الفغالي (الخوري)، المُحيط الجامع في الكتاب المُقدس والشرق القديم، المكتبة البولسية، جمعية الكتاب المُقدس، 2003، مرض، 1179.

عن Maher

شاهد أيضاً

جواب على رد سيادة الأسقف مارعبديشوع اوراهام

جواب على رد سيادة الأسقف مارعبديشوع اوراهام صاحب السيادة، قرأت ردك الذي يحوي عدة مغالطات: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *