أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الحلقة الثالثة أبطال في زمن الأوبئة الاباء الدومنيكان مثالا

الحلقة الثالثة أبطال في زمن الأوبئة الاباء الدومنيكان مثالا

الحلقة الثالثة

أبطال في زمن الأوبئة

الاباء الدومنيكان مثالا

الأب سمير بطرس الخوري / إينشكي

 

 وهنا أعود لأذكر بكلام البابا فرنسيس وأبينا البطريرك ورعاة الكنائس، بدعوتهم الكهنة بأن لا يتركوا المصابين بفيروس الكورونا،وذلك بأن يحملوا إليهم القربان والعزاء والرجاء بزيارتهم مع أخذ الحيطة. إذ قام الكثير من الكهنة خاصة في ايطاليا برفع القربان ” يسوع المسيح ” دمه وجسده، اي حياته وحبه ورحمته وساروا مُزيحينه ورافعينه في الشوراع، وكم كان الفديو الذي انتشرمؤثرا إذ كان الناس ينحنون ساجدين من بعيد، أو برش الماء  المقدس و بحمل القربان  للكثيرين من المصابين جنبا إلى  جنب مع الأطباء والممرضين الذين سقط منهم ولا يزال يسقط ويستشهد حبا بالإنسان.  وقصة الكهنة الإيطالين الذين كانوا أطباء قبل أن يُصبحوا كهنة، أرتدوا رداء الطبيب الأبيض ( رمز فعل الخير) وهو لون الدومنيكان فوق الرداء الأسود ( لون الحكمة) لحين، ليجسدوا انهم أطباء الروح والجسد؛ هذا الجسد الذي به صار يسوع المسيح بشرا ومن أجله مات ليرفعه ويُدخله المجد الإلهي.  قد تكون هذه الأزمنة فرصة لنسلط الضوء على غيرهم من الأبطال القديسين، كالقديس فرنسيس اكسافيروس الذي ذهب إلى القاصي الهند واليابان حتى الصين ليبشر ويرافق المرضى هناك وليبقى مع المصابين بالبرص والطاعون المتروكين ومات هناك بعد إصابته. قلتها وأكررها بقوة، لكل حرب ومعركة ابطالها، والحرب التي يخوضها العالم اليوم جنودها رجال ونساء، أبطال من أطباء وممرضين وعلماء ورجال دين وسياسين وأصحاب قرار. ولا ننسى من ابطال عصرنا الام القديسة تريزا ام الفقراء، والاخت إيمانويل “مادلين” سانكان والأب بيرغرويس، الذين أنقذوا الاف الأطفال والشباب من فايروس الفقر والظلم الأجتماعي والتهميش، واليوم كم من أطباء لم يعودوا إلى منازلهم منذ أسابيع، يعرفون انهم كل يوم معرضين بأن يلتقطوا الفايروس، انهم أمام الموت الأحمر ويستطيعوا أن يهربوا وهناك من هرب فعلا، ولكن يواجهون الموت وكأنهم كالمسيح الذي كان صاعدا إلى أورشليم ويعرف بأنه سيُصلب. وهذا كان حال الأباء الدومنيكان، إذ نقرأ عن العديد منهم كيف مرضوا وأبوا العودة الى بلدهم الأصلي وفضلوا البقاء هنا ، لا بل حتى الموت هنا.

وهنا أناشد المسؤولين الكنسين وخاصة الأباء الدومنيكيان، أن يسعوا الى أن يُقام نصب وتمثال تذكاري خاصة في كوردستان وشمال العراق لشهداء الرسالة والخدمة ،حيث قاموا بأعمال جبارة وعظيمة وكثيرا من الأباء ماتوا وهم يعالجون أخوة لهم مسلمين ويهود، مسيحين وأكراد،كالأب بولدو سولديني الطبيب الذي ذاع اسمه في المناطق الجبلية، وقد خدم في منطقة العمادية وزاخو نحو 20 سنة وتوفي في زاخو 1779. هناك من استدعوه و قضى أشهر لمعالجة اغاوات أكراد لينالوا بعدها الشفاء من الطاعون وأمراض خطير وهذا ما جعل أحد أغوات العمادية أن يمنح لهم دير مارعوديشو في ديري لسنين عديدة، كما يذكر الأب الدومنيكي يعقوب ريتوري في كتابه، وكانوا في وقتها معظمهم من الأباء الدومنيكيان الإيطالين من إقليم فلورسنا الإيطالية.

وقد وصل عدد الأباء الدومنيكان الفرنسين خلفاء الإيطالين أكثر من 80 راهب، وقد نحتاج مقالات عديدة لكي نسلط فيها الضوء على جهد وتضحيات هؤلاء الأبطال في خدمة وعلاج الجميع بدون استثناء مسيحين ومسلمين بالرغم من كل المخاطر ونكران الجميل الذي كانوا يتلقونه، وبنوا مستشفا كبيرا ومدارس واهتموا بشكل كبير بالتعليم والتثقيف، ولقد أسس الأباء الإيطاليين مدرسة وتم تسليمها إلى الأباء الفرنسيين ولقد كان لهذه المدرسة أثر كبيرعلى النهضة العلمية في الموصل لكونها لم تكن مقتصرة على تعليم أبناء المسيحيين فقط بل دخل فيها أبناء المسلمين أيضا “. ولا ننسى دورهم كما ذكرت سابقا في استقدام راهبات فرنسيات لكي يهتموا بتعليم البنات، وهنا بدأت ارساليات الراهبات الدومنيكيات وراهبات التقدمة رسالتهم بشكل كبير في العراق ، ففتحوا المدارس والمستشفيات، كمستشفى الراهبات الذي لا زال يقدم خدماته في بغداد، ففي سنة 1942سلم راهبات التقدمة رسالتهم في إدارة المستوصف والمدرسة في الموصل الى الراهبات الكترينات، بعد خدمة 70 سنة وثم توجهوا الى بغداد وأماكن أخرى لفتح رسالات أخرى بالإضافة إلى فتح معاهد التمريض في بغداد والبصرة، الذي تخرج منه مئات الممرضات الماهرات .

ان غاية مقالاتي هذه وسببها هو الظرف الذي نمر نحن فيه لا في العراق وحسب بل في العالم كله بسبب فايروس كرونا، ونحن لا زلنا في العراق لم يصل نقطة الذروة،  ونصلي لكي لا يصل ، لأني اريد ان اشحن الهمم وان نتكاتف جميعا، على كافة المستويات العلمية والروحية والاجتماعية والإنسانية والسياسية، لكي نتصدى لهذا الفايروس ونمنع انتشاره ونكسر سلسلة أنتشاره، وخاصة إذا ضل معنا الى فترة أطول .

ان قصص وشهادة هؤلاء الأبطال يجب أن تُلهمنا الشجاعة والحكمة وتشحن الهمم، فنعرف كيف نتصرف ونستخدم أمكانياتنا بشكل أفضل، اكيد في وقتهم كانت البلاد تخلو من مستشفيات وأطباء وظروف ومستلزمات صحية وهذا كان السبب بأن يتخصص الأباء الدومنيكان في مجالات طبية وأن يتنشأوا تنشأة قاسية لكي يستطيعوا أن يكونوا مرسلين في المناطق الجبلية والتي تخلوا من المؤسسات الصحية، أما اليوم فلنشكر الرب فهناك أطباء ومستشفيات وصيدليات ووزارة الصحة وجهود عالمية لمواجهة الأوبئة، وان كانت في بلدنا هذه المؤسسات ليست بالمستوى المطلوب خاصة في بعض المناطق. لذلك هنا ليعرف كل واحد دوره ويساعد من موقعه، فنحن اليوم كرجال دين وكابناء الإنسان، نقف مع المسيح الذي اصطف مع الذين كانوا يحتاجون إلى تطهير جسدي لكي يشجعهم وينالوا التطهير على يد يوحنا بالماء، فنشجع الناس أن يتبعوا تعليمات الأطباء والحكماء ووزارة الصحة، من غسل اليدين والتعقيم المستمر والابتعاد عن عاداتنا اليومية الغير صحية التي كنا قد تعودنا عليها، وكابناء لله ، نتوجه مع المسيح إلى الله ونُشجع الناس على الصلاة والتأمل وقراءة كلمة الله والصوم، حبا بالله وليس خوفا من الفايروس ونتعمذ روحيا بنار الروح القدس المطهرة والمنقية وبالكلمة، من خلال عيش كلام الله في حياتنا. فمحبة الله ونيل رحمته هي أساس كل شفاء ودواء لكل داء. فالمسيح كان يتقصد أن يغفر الخطايا اولا وثم يشفي داء الجسد. هذه الأوقات هي فرصة ان نشكر الله على نعم كثيرة لم نكن نعرف قيمتها، كنعمة الصحة والتحرك بحرية، ونعمة اللقاء مع الاهل والأحبة والجلوس معا. فرصة ان نقوي مناعة أجسادنا بمحبة الله وبعضنا، وهكذا يزول الخوف والهلع من كل شيء ،فالمناعة النفسية مهمة جدا،  فلا نقلق بما سناكل ونشرب ونقع في آفة الشراء والتخزين المتطرف، وهنا فلنتذكر كلام ربنا ومعلمنا يسوع المسيح الذي يدعونا أن نتأمل طيور السماء والطبيعة، فلن يموت أحدا من الجوع، فالرب يُدبر كل شيء، ناخذ الحيطة والتدبير ونتسوق ولكن باعتدال وبثقة المؤمنيين بخبزنا كفافنا اليوم، وبأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.  ونطلب ملكوت الله أولا، اي ان يملك الله خالقنا هو على صحتنا وحياتنا، فاليوم نحن بحاجة إلى خبز المحبة والتضامن وليس الأنانية والنرجسية وتجربة تحويل كل شيء حتى الحجر إلى خبز، أوا ليس هذا الجري بدون تفكير إلى اكل كل شيء وعمل كل شيء من دون تفكير هو سبب هذا الفايروس وغيره من الآفات. فتدبير الأنسان يجب أن يتناغم مع التدبير الألهي. خوفي من أن يخلق هذا الفيروس أمراض نفسية ستبقى معنا وهو يزول .

لقد أشتهر الأباء الدومنيكان بالوعظ أيضا،فكانوا بيد يُداون الأنسان في جسده ونفسه وبأخرى ينورون الأنسان في عقله وقلبه. فكم من مواعظ وكتب طُبعت في مطبعة الأباء الدومنيكان والتي لا زلت أحتفظ ببعض منها. ومن هنا نعودة الى الكرازة التي كانت الأباء يطبقونها في حياتهم وسلوكهم مع المتألمين. فكانوا يجعلون صفحات الأنجيل فلما يتصويريا من خلال حياتهم اليومية، تلك الصفحات المليئة بلحظات تُوثق لنا تقرب المسيح من ناس مصابين باوبئة وأمراض معدية، فيجسد محبته للإنسان بحركات اليد من لمس ومسك وبركة، فهذا الابرص وذاك الأعمى وتلك المرأة المنزوفة وغيرهم من كانت حياتهم الأخلاقية قد صنفتهم ووضعتهم في خانة الزناة والسراق أو الخطأة (وخاصة أنه في الفكر القديم كانت الأوبئة والأمراض المزمنة تُعتبر لعنة وعقاب من الله) ، فكان يسوع يقبلهم لأنهم كانوا يأتون طالبين الشفاء والغفران ويُعلنون حاجتهم،قد لم يكونوا فعلا مستحقين، ولكن كانوا  فعلا محتاجين إليه ويسوع كان يقرأ حاجتهم. لذلك يسوع يُعلن أنه هناك فرح في السماء يإنسان واحد يُعلن حاجته للشفاء الروحي وللتوبة، أكثر من تسعة وتسعين لا يُعلنون حاجتهم، بل يعتقدون بأنهم كاملين.اكيد المسيح ابن الله والمخلص، لم يكن يحمل معقما ولا يلتزم بشروط الوقاية فيضع مسافة بينه وبين المريض، بل على العكس كان لمسه أو لمس هدب ثيابه كفيلة بأن تشفي أو حتى التقرب منه، لا بل أكثر ” كلمة واحدة ” وعن بعد كانت تشفي كما حدث مع قائد المئة لأنه كان حقا ” أبن الله”. ولكن كان يدعو نفسه ب ” ابن الإنسان ” لكي يُشجع كل انسان بأن الإيمان هو الذي يخلص ويقوي، وكان يقولها لمن ينال الشفاء ” إيمانك خلصك”. ولكن اكيد الحياة وطبيعتها في زمن المسيح ليست كاليوم، وان كان على الصليب قد قال لصالبيه ” اغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يعملون ” فاليوم سيقول لنا نحن الرعاة من قداسة البابا وحتى أصغر كاهن وراهبة ومسئول:” لن اغفر لكم لأنكم تعرفون ما تعلمون ” ، فيسوع هو المسيح ” أبن الله” وكان يعلم مايفعل ويعلم أنه لا خطورة بالأقتراب، لأن كان لديه سلطان ألهي على المرض والخطيئة والأرواح الشريرة . المسيح  من المذود وحتى الصليب  سعى أن يجسد ال ” عمانؤيل”  لكي يكون قريب منا ويمنحنا ” الحياة”  بمحبته وغفرانه، لكي نعيش فرحيين، أمنين  ولسنين عديدة ، فهو الذي قال ” جئت لكي يكون لكم الحياة ” و” يكون فرحكما كاملا” ، ولقد أعطى للكنيسة هذا السلطان ” سلطان الحل والشد”،سلطان الشفاء الجسدي والروحي وطرد الأرواح الشريرة”ولكن بحكمة ومعرفة، فالشياطين تؤمن بالله، ولكن الفايروسات لا تميز ولا تؤمن، وهذا ما يجعلها تنتشر وتصيب المؤمن قبل الكل. المرض الجسدي يبدأ من داخل الأنسان ولا يُعدي وأما الفايروس فُيصيب الأنسان من الخارج، لذلك الوقاية مهمة.واليوم كل الإجراءات التي تقوم بها الكنيسة تناغما مع المؤسسات الصحية والحكومية هي لكي تخلص الإنسان وتنقذه، ففي الزمن الذي كان الكاهن والراهب هو الطبيب الروحي والجسدي وأدراكا منهم لقيمة الأنسان في كل أبعاده، بدأت الكنيسة نفسها برهبانها واساقفتها أن تنشيء جيلا من الأطباء والممرضين لكي يقفوا جنبا إلى جنب مع الكهنة والرهبان ليخففوا من ألم الإنسان ومعناته بسبب الأمراض. وكم من كهنة ياتون من عوائل فيها الطبيب والصيدلاني والمدرس والممرض.  وكم كنت مندهشا عندما سمعت لتفسير شعار الطب والصيدلة، وهو كأس يلتف حوله حية: فكثيرا من العقاقير والأدوية تُستخرج من سم الحية، ولكن أليست تذكرنا بتلك الحية التي رفعها موسى في البرية وكل من كان قد لدغته الحية ينظر إليها فيخلص، اوا ليست رمزا  للمسيح الذي رُفع على  الصليب وهو الذي قال عن نفسه ” كما رفع موسى الحية في البرية ، هكذا سُيرفع ابن الإنسان “. هذه كانت الغاية الروحية من رفع البابا للصليب العجائبي في ساحة كاتدرائية القديس في روما التي تمد ذراعيها المفتوحتين نحو العالم من خلال طريق المصالحة .

لقد قاد الكثير من الرهبان والراهبات، إخوة وأباء فرنسيين وإيطاليين، عظماء العالم الى مدن حيث يموت فيها الناس بسبب الأوبئة والفق، الى أكواخ الزبالين وأحياء المنبوذين كالأم تريزا والأخت إيمانويل، والأب بيير، وهنا في هذه الأيام الصعبة والمظلمة التي قد تطول الى شهور، فرصة أن نقرأ حياتهم وسنندهش من هذه القامات،التي أسطاعت أن تنير ظلمة العالم وأن ترفع معاني الصليب في مختلف المجتمعات، لكي ينالوا الشفاء من فايروسات الفقر والجوع والمرض. ونحن في زمن طريق الألام ودرب الصليب متجهين نحو القيامة، اليس نحن نعيش فرصة أن نرى الصليب والمصلوب بأعين الأيمان وننال نعم ذاك الفداء العظيم الذي تحقق على صليب العالم ولا يزال يتحقق على مذبح الكنيسة والعالم بكشل روحي، في ذبيحة يرفعها الكاهن كل أحد وكل يوم يجعل خلاص المسيح حاضرا لكل إنسان. إن معاني الصليب وحدها فقط ممكن أن تنقذ العالم. لنكتشف إذا هدفنا الحقيقي في هذه الأزمنة لكي نعرف كيف نجاهد ونكافح.

يقول أحد الحكماء ” لا يجيد المرء الكفاح إلا في سبيل الأهداف التي يصوغها ويرفعها لنفسه، والتي بها يلتهب” .

 

عن Maher

شاهد أيضاً

تذكار مار ماري الجمعة 31 تموز 2020

تذكار مار ماري الجمعة 31 تموز 2020 إعلام البطريركية كما هو معلومٌ ان ماري الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *