أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / مرور 46 سنة على خدمتي الكهنوتية (1 آيار 1974 – 1 آيار 2020)

مرور 46 سنة على خدمتي الكهنوتية (1 آيار 1974 – 1 آيار 2020)

مرور 46 سنة على خدمتي الكهنوتية (1 آيار 1974 – 1 آيار 2020)

اتقدم بالشكر العميم لله تعالى على نعمة الكهنوت ونعمة الحياة. وكذلك أشكر أهلي وكل الذين رافقوني خلال خدمتي في الموصل وكركوك وبغداد. أعتذر عن كل إساءة الى أي شخص جازماً بأنها لم تكن مقصودة، واغفرمن كل قلبي لجميع الذين انتقدوني! كما أتعهد بأن اُكمل ما بقي لي من شوط الخدمة كما يريدني الله وتريدني الكنيسة، ولن أكفّ عن الدفاع عنها وعن الحقيقة.

واطلب صلاتكم جميعاً  

بهذه المناسبة أود نشر هذا الفصل عن سيرة حياتي وهو مقتبس من “كتاب لا تنسونا”، الذي صدر في بغداد عام 2020 وهو عبارة عن حوار صحفي بالفرنسية ترجمه الى العربية المطران يوسف توما مشكوراً.

بارك الرب الجميع وحماهم 

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

 

الفصل الثالث

البطريرك لويس ساكو، سيرة حياة في العراق

س/ منذ ولادتك عشت عن كثب مآسي واضطهادات تحمّلها مسيحيو العراق. عائلتك هاجرت عدة مرات، وانت بنفسك مارست الخدمة في المدن الأكثر خطورة في العراق: الموصل، كركوك والآن في بغداد. وقد شاركتَ في تجديد الكنيسة الكلدانية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني بصفتك كاهنا، مديراً للمعهد الكهنوتي، اُسقفاً واليوم بطريركاً. فتاريخك هو حقاً عراقي ومسيحي بامتياز. هل يمكنك أن تحكي لنا من أين جاءت عائلتك وفي أي جوّ ولدتَ.

 ج/ جاءت عائلتي من منطقة حدودية هي حاليا في تركيا، على حدود العراق. من عام 1915 إلى عام 1925 حدث ما تسمّونه أنتم بالمذبحة الأرمنية، والذي فعلياً كان يخصّ بصورة عامّة المسيحيين: الارمن ولكن أيضا الكلدان والسريان. كل هؤلاء الناس قتلوا وطردوا من منازلهم. في عام 1925 وأُجبِرت عائلتي على ترك قريتها مع مسيحيين آخرين، وفي ليلة ليلاء غادر كل السكان. في ذلك الوقت كان شمال العراق تحت حكم الانتداب البريطاني. ففتحت زاخو (وهي مدينة في شمال كردستان العراق) لهم أبوابها فاستُقبل المسيحيون في زاخو، وهي مدينة في شمال كردستان العراق فتحت لهم أبوابها. من هناك صعدت عائلتي مع آخرين إلى قرية اسمها سطفلانيه، لا تزال في الشمال، واشترى أبي بيتاً صغيراً وأخذ يعمل هناك.

ولدتُ في هذا المكان في عام 1949. كانت كل القرية كانت مسيحية وابي كان المختار، وشيئاً فشيئاً بدأت هذه الجماعة تنمو ً وصارت الحاجة إلى القيام بأعمال زراعة وبناء، وكانوا يستأجرون عمالاً مسلمين للعمل. هؤلاء المسلمون تزوجوا وأخذوا ينجبون اطفالا. وبما أن لدى المسلمين أطفالٌ أكثر من المسيحيين بسبب تعدد الزوجات، فبدأوا يشكلون نصف ابناء القرية. في عام 1954 حين حدث صراع خطير بين المسيحيين والمسلمين فأرادوا، أن يحتلّوا القرية ويطردوا المسيحيين. وكان أبي رئيسا للمسيحيين فدافع عنهم، كان عمري خمس سنوات، لكنني أتذكر أننا وقفنا على سطح منزلنا مع أطفال آخرين، كنا على مرتفع نلقي الأحجار على “هؤلاء الاشرار”. بعد ذلك مع الأسف حدثت المأساة وصارت الاشتباكات في الشوارع ومن بيت إلى بيت، وحدث اقتتال عنيف أدّى إلى ضحايا منهم ابن عمي، ورئيس العشيرة المناوئة (المسلمة) مع جرح أربعة أو خمسة منها جروحا بليغة. المسيحيون إذن ربحوا المعركة على وجه التقريب، لكن الشرطة جاءت بعد ذلك واوقفت ابي بتهمة القتل، واتذكر أننا كنا خائفين جداً، فاجتمعت العائلة كلها حول والدتي، واتت الشرطة للحماية لكي تمنع الانتقام. أودع أبي في السجن لحوالي سنة، ولكن زوجة الرجل المسلم الذي قتله والدي جاءت وأعطت شهادتها، كانت امرأة حكيمة فقالت في المحكمة: “هذا الرجل لم يعمل سوى أنه دافع عن نفسه، ولم يكن هو الذي بدأ بإطلاق النار، لقد كان دفاعا  مشروعا عن الذات”، فاطلق سراح أبي وجرت محاولة مصالحة في القرية بين المسيحيين والمسلمين، ولكننا كنا قد فقدنا الثقة. فتفرق المسيحيون في أنحاء العراق. وذهبت عائلتي إلى الموصل وبقية المسيحيين ذهبوا إلى زاخو وبغداد.

س/ كلمنا عن عائلتك؟

 ج/ نحن عائلة كبيرة زوجة أبي الاولى توفيت وكان لديه اربعة اولاد: ابنان وابنتان، ولكن ابي تزوج امي وكان لهم سبعة أولاد: ابنان وخمس بنات، أنا بكر هذا الجزء الثاني من الاخوة. اخي الاصغر مني توفي على اثر نوبة قلبية في تركيا قبل 10 سنوات، قبل سقوط النظام كان قد انطلق مع عائلته لأنه كان يخاف من البقاء في العراق. ثم عندي اخت راهبة نحن دخلنا في نفس اليوم؛ انا الى المعهد الكهنوتي وهي إلى الدير، هي تسكن روما منذ 40 عامًا وهي رئيسة جماعتها هناك. بقي لديّ اُختان في العراق اثنتان في سهل نينوى.

س/ في عام 1956 هذه العائلة الكبيرة وصلت إلى الموصل؟

 ج/ كان أبي حرًا طليقا. فتابعنا مجرى حياتنا الطبيعة في الموصل. كنا نقيم في حي مسيحي قرب كنيسة مسكنته. كان أبي شماسًا يعرف الليتورجية الكلدانية جيدًا، وكان يتمتع بصوت رخيم وهو الذي كان يخدم قداس مطران الموصل. وفي عام 1959 حدثت ثورة في الموصل قام بها العقيد عبدالوهاب الشواف، وهو من أنصار القومية العربية أراد أن يقوم بانقلاب ضد الدولة، ضد رئيس الوزراء في ذلك الحين عبدالكريم قاسم متّهما إياه بالشيوعية. وخلال عدة ايام كانت حرب اهلية، فاستغلّ الجميع تلك الفوضى لتصفية حساباتهم، خاف المسيحيون جدًا، وكان للمسيحيين مشاكل كثيرة لأنهم كانوا يتهمونهم أيضا بأنهم شيوعيون. كان عمري 10 سنوات، عندما دعا المطران أبي لكي يحمي المطرانية، فذهب للحال إلى هناك. واندلعت حرب شوارع، فكان جماعة الشواف يتنقلون من بيت إلى آخر ويقتلون الناس. الحكومة المركزية قصفت الموصل لكي تسحق هذه المحاولة الانقلابية، كنا نحن صغارا واتذكر الناس معلقين مشنوقين في شوارع الموصل. وأتذكر خصوصا أنه كان هنالك رجل ارمني غني اتهموه بالشيوعية فشنقوه عاريًا في الشارع. في ذلك الوقت خاف مسيحيو الموصل جدًا، ومن جديد هربوا نحو بغداد او نحو زاخو. بقيت عائلتي وكان أبي يوازن بين الخطر المؤقت وما يعدّه خطيرًا جدًا. كثيرٌ من المسلمين قتلوا في هذه الثورة التي أيقظت الحزازات وسمحت بأشكال الانتقام. منذ طفولتي، اذن اصطدمت بمشاكل الهجرة والعنف، وهذا أثر فيّ، وفي الوقت عينه كان المسيحيون والمسلمون يعيشون معا سوية، ففي المدرسة كنا في نفس الصفوف ولم يكن هنالك مشاكل. هذا ايضا لم أنسه قط.

س/ كيف دخلت معهد الموصل الكهنوتي؟

 ج/ عندما كنت صغيرًا كان لدي رغبة بأن اصبح كاهنا لأنني تأثرت بمثال خوري رعيتي التي كنت كل يوم أقصدها مع أبي للقداديس. هذا الرجل كان بالنسبة إليّ نموذج الشخص التقي والمحترم فأردت أن أتشبه به. وبالفعل، عندما صرت كاهنا بعد بضع سنوات أصبحت معاونا له؟

في عام 1963 في عمر 14 سنة طلبت اذناً من أبي لأدخل في معهد الصغار. رفض في البداية، لأنه كان يفضل أن اُكمل دراستي إذ كنت متفوقاً، فذهبنا عند المطران مع اخي الاصغر مني وقدّم للمعهد الكهنوتي بدلا مني، لكني بدأت بالبكاء وبالصراخ بحيث لم يستطيعوا أن يرفضوا دخولي أنا.

المعهد الكهنوتي كان يديره آباء دومنكيان فرنسيون. من الغريب أن ما بقي في الذاكرة وعلق فيها أنني لدى دخولي كان شعري طويلا، فقام احد طلاب المعهد، وكان حلاقا، بقص شعري. الصعوبة الكبرى في البداية ان كان ممنوعا علينا أن نتكلم بالعربية، كان يجب الكلام فقط بالفرنسية، ولكن كيف العمل في الايام الاولى؟  كانت هناك زاوية في الحوش حيث الطلاب الجدد يمكنهم التحاور بالعربية. في البداية بكيت كثيرا لأنني لم اكن استطيع التحدّث بالفرنسية، كان ذلك صعبا جدًا، سيّما وأن الذي كانوا يفاجئونه يتحدث بالعربية يعطونه علامة تحذير (signal)، وفي المساء يحرَم من أكل الفواكه، وإذا ما تكرّر ذلك كان عليه أن يبقى راكعا في غرفة الطعام. بالواقع هذه التربية القاسية لم تكن سيئة فقد قوّت شخصيتنا، وجعلتنا عصاميين وناضجين. والنتيجة كانت أنه بعد عدة أشهر أخذنا ندبّر حالنا باللغة الفرنسية.

لم تنته مشاكلي، فبعد السنة الأولى كدت أترك المعهد، بسبب حادثة معيّنة كسرت معنوياتي. في احد الايام، ومثل كل أربعاء و يوم أحد، كان المعهد الكهنوتي كله يذهب للتنزّه في تلة بقرب برطلة (جبل دانيال). كان الوقت شتاء، وتحوّلت تلك النزهة إلى معركة بالثلج. مع الاسف انزلقت رجلي وانكسر كتفي. في المعهد الكهنوتي كان الجوّ بارداً لم يكن هنالك تدفئة، فزوّدونا بمعاطف ثقيلة (عسكرية)، كان طلاب المعهد يركضون في الصباح لكي يتدفأوا، ولكن بما أني كنت معاقا ولا يمكنني اللحاق بهم، وكنت صغيرا، تفاقم عندي الحنين إلى البيت. وهنا بدأت أيأس فأردت ترك المعهد. ذهبت لألتقي بمرشدي الروحي اشكو له حالي قائلا: “أبتِ أنا بردان وذراعي مكسورة وهذه ليست حياة، أريد أن أرجع إلى البيت…”. حينئذ شجّعني على تحمّل صعوباتي لأن الرب دعاني إلى المعهد الكهنوتي، تأثرت بكلماته وبقيتُ.

س/ كيف حدث أن جاء الدومنيكان إلى هناك ليهتموا بالمعهد الكهنوتي في الموصل؟

 ج/ في عام 1750 طلب البابا بنديكتوس الرابع عشر من دومنيكان اقليم روما أن يؤسسوا رسالة في بلاد ما بين النهرين. وفي أواسط القرن التاسع عشر سلمت هذه الرسالة إلى الدومنيكان الفرنسيين الذين في عام 1878، وتحقيقا لأمنية البابا ليون الثالث عشر، افتتحوا معهدا كهنوتيا لتنشئة الاكليروس الكلداني والسرياني الكاثوليكيين، فقبل ذلك الوقت لم يكن لهؤلاء أي تنشئة لاهوتية او رعوية رصينة.

في ستينيات القرن العشرين، كنا في المعهد الكهنوتي تسعون طالبا، كان يسود جوّ خاص فيه، فينادونك برقمك مثل العسكر، رقمي أنا كان 83، فكنت أسمع دائمًا “83، 83″، اسمي “لويس” لم يكن “لويس” يستعمل، وهذا أمر صعب أن لا تُنادى باسمك! اليوم لا يتجاسر أحد أن يفعل ذلك! في الليل كنا ننام في القاعات والشتاء كان باردا جدًا لكي ندفئ أقدامنا كنا نفركها بقوّة، بحيث كانت الشراشف تتمزق، وكنا نغتسل صباحاً بالماء المجمّد، بالرغم من كل صعوبات هذه الحياة كنا سعداء، وعدد قليل من الصغار تركوا حياة المعهد الكهنوتي خلال تلك الفترة.

كان قسم الصغار يستمر لمدة خمس سنوات، فيها كنا نتعلم الأدب واللغات، الكلدانية، الفرنسية والعربية، إلى جانب الرياضيات وعلم الاجتماع. وفي السنة الخامسة كنا نتعلم اللاتينية، كنت أحب هذه اللغة. ومنطق التصاريف كان يبدو لي سهلا وكنت دائما الاول فيها!

بعد ذلك، في عام 1968 دخلت في معهد الكبار لسنتين من دراسة الفلسفة وأربع سنوات للاهوت. والبسونا الغفارة (السوتانة) وقصوا شعرنا. ولكن المجمع الفاتيكاني الثاني كان قد بدأ. وتابعنا كل المناقشات من خلال قراءتنا لمجلة الحياة الكاثوليكية (La Vie Catholique) او الوثائق الكاثوليكية (La Documentation Catholique) او مجلة باري ماتش (Paris Match)! كنا نحب الاطلاع ونتشوّق لمعرفة كيف ستتطور الامور في الكنيسة. وعندما دخلت في معهد الكبار، كان المجمع الفاتيكاني الثاني قد انتهى منذ ثلاث سنوات، ولكن الكهنة بقوا يحتفلون بالقداس ظهرهم إلى الشعب، وكان إيقاع القداس عندنا: اسبوع بالطقس اللاتيني وآخر بالسرياني وثالث بالكلداني. ولكن في احد الايام، حولنا المذبح من مكانه لكي يحتفل بالقداس الوجه نحو طلاب المعهد. هكذا الامر بالنسبة للغفارة (السوتانة): كنت أول تلميذ في المعهد يلبس البنطلون! فدعاني مدير المعهد إلى مكتبه وسألني: “ماذا هذا الذي تفعله؟ هل ستبقى بهذا البنطال؟”. أجبته بابتسامة: “ولم لا، هكذا سيمكنني أن اتحرك وأن أركض!”.

س/ في غضون ذلك الوقت كان النظام في العراق غير مستقر، منذ سقوط الملكية في عام 1958. وكانت مجموعة من العسكر تتنازع على السلطة مع حزب البعث. وفي عام 1968 على اثر انقلاب بعثي ثانٍ، صار زمام السلطة أكثر فأكثر بيد صدام حسين. هل كان لكل هذا انعكاساته على تنشئتكم في المعهد؟

 ج/ نعم تمخّضت عن ذلك نتائج مباشرة على واقع الحال. ففي عام 1973 صدر أمر بإلزام كل طلاب المعهد أن يقوموا بالخدمة العسكرية، فأغلق المعهد. لكنني انا ما كنت اريد الالتحاق بالجيش، ولذلك مع احد طلاب المعهد الذي كان من قره قوش ذهبنا لإجراء معاملات دفع بدل اعفاء. في ذلك الوقت كان المبلغ 100 دينار – اي ما يعادل 350 دولارا. لكن ما كنت أملك فلساً. كنا عائلة كبيرة وواحد فقط من اخوتي كان يعمل في ذلك الوقت. كان إذن مبلغ 100 دينار ضخما جدا. به يمكنك أن تشتري بيتا صغيرا، وكان اهلي يريدون أن يقترضوا ذلك المبلغ لكي يدفعونه عني، وبالصدفة وجد أخي الأصغر مبلغ 100 دينار في الشارع فبحث عند الجيران اذا كان احد قد أضاعه فلم يجد، وبفضل ذلك استطعت أن اؤدي ثمن الخدمة العسكرية واعفى، بينما تم رفض ملف الطالب الآخر الذي كان معي.

وطوال السنة اللاحقة بقيت لوحدي في المعهد الكهنوتي في الموصل لكي انهي دراسة اللاهوت وفي عام 1974 رسمت شماساً رسائلياً على يد مطران زاخو في كنيسة الآباء الدومينكان، والتحقت بأبرشية الموصل. الكهنة في معهدنا الكهنوتي كانوا دائما يرسمون يوم 7 حزيران او في نهاية شهر حزيران في عيد الرسولين بطرس وبولس. أما انا فقد اخترت يوم الاول من ايار، عيد العمال، لأنني كنت أتمنى أن اصير كاهنا عاملا. إذ كنا نقرا الأخبار في الصحف عن هؤلاء الكهنة (العمال). فكنت احاول أن اجرّب حظي ككاهن عامل في العراق، وعندما ذهبت لألتقي بمطراني واقول له انني اريد أن أتلقى الرسامة في الاول من ايار، رفض في البدء، ولكن عندما بيّنت له بأن الاول من ايار كان قبل كل شيء عيد مار يوسف العامل حين ذاك قبِلَ.

في يوم رسامتي حضر عدد كبير من الناس، اكتظت بهم الكنيسة صباحا في ذلك الوقت الاستثنائي، إذ كان اختيار الرسامة في مثل ذاك اليوم سابقة من نوعها. وقد طلب مني المطران أن اعدّ الموعظة، وامام ذلك الجمهور شرحت ماذا يجب على الكاهن أن يكون بحسب رأيي. قلت قبل كل شيء: الكاهن خادم انه ليس كاملا إنه أيضا انسان، لديه ميول وعيوب، ولكن بنعمة الله كل شيء ممكن، اريد منكم أن تصلوا من اجلي، انا اكرس نفسي لكم، وسوف افعل كل ما بمقدوري  لأكون راعيا صالحا واخدمكم من كل قلبي. كان عمري 25 سنة.

س/ خلال تنشئتك في معهد الصغار الكهنوتي ثم في قسم الكبار، هل شعرت في لحظة ما بصورة خاصة بقوّة دعوتك إلى أن تصبح كاهنا؟

 ج/ باعتقادي إن رغبتي في البداية بأن اصبح كاهنا عازبا كانت تنبع نوعا ما من أمر عاطفي فعندما دخلت إلى معهد الصغار كنت يافعا وكنا نتربى على طريقة احادية، كان ممنوعا علينا أن نكلم البنات في الشارع، حتى اختي لم يكن في استطاعتي أن اسلم عليها عندما التقي بها في الشارع. عندما تتربى بهذه الطريقة ستمضي في طريقك بلا أن تنظر يمينا ولا يسارا. انا اتبعت سكة القطار، من دون أن اطرح على نفسي اي تساؤلات. قبل أن اتقبل الرسامة عشت مشهدا صرت كل مرة أتذكره اضحك في قرارة نفسي واجده غريبا: دعاني مدير المعهد وطلب مني إن كنت اعرف شيئًا عن الزواج او الحياة الزوجية. بالطبع كان ذلك يهمني! فبدأ يشرح لي مستخدما أحد التشابيه: هنالك زهرة وهنالك نحلة تأخذ حبوب اللقاح وتضعه على زهرة اخرى…، وهكذا هي العلاقة بين الرجل والمرأة في الزواج. على اثر هذا الاستعراض سألني: “هل فهمتَ؟”، فقلت له: “كلا”، فأخرجني من غرفته من دون أن يعطيني تشابيه اخرى او شروحات قائلا: “اذهب”! في تلك الفترة لم يكن هنالك اي تربية عاطفية، او تربية جنسية في المعهد الكهنوتي. برأيي هذا يخلق مشكلة كبيرة. لأن على الكاهن بالضرورة أن يلتقي بأناس لديهم مشاكل زوجية وجنسية، ينبغي إذن أن يكون هنالك تنشئة متكافئة رصينة، وعندما أصبحت مديرا للمعهد الكهنوتي استدعيتُ حالا طبيبا لكي يشرح لطلاب المعهد هذا الأمر بصورة علمية.

بعد دعوتي تعيّنت في كاتدرائية الموصل في مسكنته، وبعد شهر من ذلك كان هنالك فتاة شابة تسكن في بيت قريب منا، جاءت الي تطلب مني استعارة كتاب وقالت لي: انا معجبة بك، انت شاب وانت تحتفل بالقداس الخ… في تلك اللحظة لم انتبه إلى ذلك، ولكن بعد يومين اعادت اليّ الكتاب وقد وضعت فيه رسالة كتبت فيها: “انا احبّك جداً، هل تريد أن تتزوجني ونؤسس عائلة؟” هذا ما وضع فيّ اضطراباً، وارسلت إليها شخصا لكي تأتيني، فجاءت وقد احمر وجهها من الحرج، فقلت لها: “انا مكرّس، لقد أعطيت حياتي للجميع، لا أستطيع فعل ذلك. ويجب أن تكوني عاقلة وتبحثي عن شاب أحسن منّي للزواج. انا اقول لكِ بصراحة، لا أستطيع فقد اعطيت ذاتي، لا تنتظري مني شيئاً ابداً”. وحينئذ بدأت تبكي، فهدأتها وقلت لها: “لا تهتمي لنبقَ اصدقاء أنت قلت لي ما كان في فكرك، لكن هذا الذي تطلبينه مستحيل. ذلك لن يصير” في الأخير وفي تلك اللحظة بدأت فعلاً اُفكر بدعوتي، فانا قد اتّخذتُ قراراً وبقيتُ أميناً، والكهنوت هو اختياري ولم اندم عليه.

بعد ذلك ذهبت للدراسة في الخارج، وعندما عدت جاءت تلك الانسة وقدمَت لي بطاقة الدعوة لزواجها وطلبَت مني أن أباركه، وفعلا ذهبتُ.

س/ في الكنائس الكاثوليكية الشرقية وخاصة في الكنيسة الكلدانية، الرجال المتزوجون يمكنهم أن يُرسموا كهنة لماذا انت اخترت العزوبية؟

 ج/ اني احترم الكهنة المتزوجين، ولكن الزواج لم يكن دعوتي، وعندما كنت مديرا في المعهد الكهنوتي كنت أخيّر طلاب المعهد  بين الزواج او البقاء على العزوبية، وهذا ايضا ما حاولت حقاً تحسينه من ناحية تنشئتهم الانسانية. وفي هذا الشأن، أرسلت آنذاك بطلب احد الآباء اليسوعيين الفرنسيين، أصبح فيما بعد مطرانا في قسنطينة في الجزائر Paul Defarges  وهو حاليا رئيس اساقفة الجزائر العاصمة،  وهو مختص معروف في هذا المجال. طلبت منه أن يأتي وينظم دورة تنشئة حول علم النفس. انا دخلت في المعهد الكهنوتي وكنت صغيرا. أما الآن فلم يعد هنالك قسم للصغار، وكلهم شباب بالغون، عندما يدخلون المعهد الكهنوتي، بعضهم من أنهى الجامعة، فهذا لا يمنع انه علينا أن ننشئ الناس بشكل سليم حول الحياة العاطفية وحول حقيقة الزواج.

س/ هذا الموضوع عن رسامة اناس متزوجين كان دائما يثير النقاش في فرنسا حيث لا يسمح بذلك. هل تعتبر أن الكاهن العازب والكاهن المتزوج يشتركان في الدعوة نفسها؟

 ج/ انه موضوع نظام في الكنيسة. وهي نفس الدعوة إلى الكهنوت. لكن بعض الرجال لديهم دعوة إلى العزوبية وبعض الاخر لا.  بالنسبة اليّ، إنهما مسألتان مختلفتان. بعضهم يشعرون بالدعوة إلى أن يصبحوا كهنة ولكن لا يجدون أنفسهم مستعدين للبقاء عزابا، فلماذا نمنعهم. في الكنيسة الاولى حتى القرن التاسع الميلادي، لم تكن العزوبية مفروضة. وفي الكنائس الشرقية تقليد رسامة رجال متزوجين باق الى اليوم.

 على أنه بالمقابل ليس ثمة مجال بأن يتمكن الكاهن الاعزب من الزواج، لأنه لا يستطيع أن يغير حالته بعد أن يكون قد تلقى الرسامة. إلى جانب هذا، لا يمكن البتّ أن الكهنة العزاب افضل من الكهنة المتزوجين ولا العكس. باعتقادي ان البتولية-العزوبية هي اختيار وهي دعوة خاصة. ويتوجب على الكنيسة أن تقبل كلا الحالتين: اذا كان لاحد ما، الموهبة لأن يبقى عازبا هذا امر جيد، ولكن بالنسبة إلي، ليست الدعوة إلى الكهنوت مرتبطة بالعزوبية. وباعتقادي إن الكنيسة في الغرب، سوف تتدرّج، مع الزمن، نحو هذا الاتجاه بسبب قلة الكهنة والثقافة المتغيرة.

س/ لنعد إلى الموصل حيث كنت كاهنا شابا وكاهنا مساعدًا في الكاتدرائية مسكنته. وإذا بك وبنحو سريع جدا، تذهب لكي تدرس في الخارج.

 ج/ في عام 1979 قدمت إلى أسقفي طلبا بالذهاب لدراسة علم آباء الكنيسة في روما، وكان أسقفي رجلاً تقياً وابوياً. في البداية لم يكن يريد أن يدعني اسافر لأنه كان مريضا و كنت اهتم به كثيرًا وخلال الليل، كثيرا ما كان يطلبني فيقول: لويس تعال، راسي يؤلمني، معدتي تؤلمني، ماذا يجب أن أفعل الخ… فكنت اعتني به، وأعدّه بمثابة أب، لأن ابي كان قد توفي في عام 1977 على اثر مرض السرطان. واخيراً سمح لي أن أسافر إلى روما؛ وقد توفي بعد ذهابي ببضعة أشهر.

 قضيت ثلاث سنوات ونصف في روما وحصلت على الماجستير ثم الدكتوراه. لدى اقامتي خلال تلك الدراسة، لم تكن أجواء اوربا تشكل أي صدمة لديّ، لأني كنت قد جئت من قبل إلى روما خلال السنة المقدسة 1975، وانتهزت تلك الفرصة لزيارة باريس ولندن. وفي غضون أسابيع أخذت اتعلم الايطالية بطريقة Assimil بعنوانها الواعد “الايطالية بلا عناء” وازاء ذلك إلى جانب دروسي في علم الآباء في الجامعة، قمت بعمل ماجستير في علم الإسلاميات.

في روما تشكل لدي عدد من الاصدقاء وقد بقي الأمر عالقا في ذاكرتي: في أحد الايام في عام 1981 كنت أعود من الجامعة مع كاهن كلداني (المرحوم الاب حنا شيخو) وذهبنا إلى ساحة القديس بطرس، في ذلك الوقت لم يكن هنالك حواجز ولا موانع. كان يوم الاربعاء صباحًا اتذكر انني قلت لذلك الكاهن إن هذه الساحة هي خطيرة جدا يمكن لأي شخص أن يأتي ويطلق النار على البابا.  وعدنا إلى الكلية التي كنا نسكن فيها. في الساعة الرابعة عصرًا كانت هنالك مقابلة عامة للبابا مثل كل ايام الأربعاء. طرق الأب حنا الباب وقال لي شغّل التلفاز لأن البابا  أُطلِق عليه النار. صدمت من ذلك، وكنت ارى البابا في سيارة الاسعاف، وكان هناك دم يسيل وهو يقول: لماذا؟ لماذا فعلوا هذا الشيء بي؟ ويا للمفاجأة كيف أنه في ذاك الصباح عينه راودني الحدس بما حدث.

بعد سنتين في عام 1983 صارت لي الفرصة بأن التقى بالبابا عن كثب لأقدّم له أطروحتي التي كان يدور موضوعها حول الكريستولوجيا (مفهوم المسيح) في كنيسة المشرق، معتمدا على دراسة وثيقة غير منشورة لأحد آباء الكنيسة في القرن السابع. واتذكر انه كان يجب على أن أضع غلافاً ابيض مع شعار الكرسي الرسولي. في المقابلة شرحت للبابا انني كنت على وشك العودة إلى العراق. في تلك الفترة كانت الحرب الايرانية العراقية والبلد في اضطراب شديد. فسألني البابا، عمّا سأعمل في العراق، وفي أي خورنة سوف أمارس خدمتي الكهنوتية. فحكيت له انني على أغلب الظن سوف يأخذوني إلى الجيش، وهذه المرة لن استطيع الإفلات من النفير العام. فكان للبابا ايضا حدسه تجاهي إذ أجابني: كلا انت سوف تذهب إلى المعهد الكهنوتي، وكان على حق فلم اعمل اي خدمة عسكرية، بل عُيّنت بعد بضع سنوات مديرًا للمعهد الكهنوتي.

س/ في العراق، كل الشباب من عمرك كان يتم تجنيدهم للذهاب إلى الحرب كيف استطعت أن تتجنب ذلك؟

 ج/ الامور كانت معقدة، بل اكثر معقدة من المرة السابقة حين توفر لي أن أدفع البدل. بعد اطروحتي طلب اسقفي قائلا لي: لا تخف لقد حصلنا على إعفاء من الخدمة العسكرية ومنحني إجازة شهر، لكي أعود بعدها إلى العراق. في الأحوال الاعتيادية، كل الذين لديهم شهادة دكتوراه كان لديهم سماحا خاصا، اذ كانوا يعتبرون أن حامل شهادة الدكتوراه يمكنه أن يفيد البلد اكثر مما لو يحمل السلاح، ولكن الذي حصل، أن جامعة الفاتيكان التي درست فيها لم يكن معترفا بها في العراق، لذلك امروني بالالتحاق بالعسكرية، ومن ثم أن أذهب إلى الحرب، فلم اعفَ منها. حينئذ قررت أن اذهب لأقابل صدام حسين فأطلب منه هذا الإعفاء مباشرة. وكان هنالك مسيحي يعمل في القصر (كامل حنا) حصل لي على موعد للمقابلة. فذهبت لابسا الغفارة (السوتانة) ودخلت في مكتب صدام وكان البروتوكول يتطلب أن لا أتكلم إلا إذا دعاني إلى ذلك، وأن اكتفي بأن اجيب على الاسئلة. سألني إذن، فشرحت له حالتي، فوقّع على طلبي، وفي لحظة كنت اغادر قال لي: “صلّ من أجلي”. لقد ترك عندي انطباعا، في الواقع كان سليبا. كان رجلا ضخما وهالني أن أجد جلد وجهه اسمر، خلافا لما كان لي من انطباع، وشعرت أن الرجل كان قد يوضع له المكياج لدى ظهوره على شاشة التلفاز. كان جبينه يحمل تجعدات. وعندما خرجت من صالة الاستقبال، سألني الناس كيف وجدت الرئيس فأجبت بكل سذاجة: وجدته صعبًا! فأستوقفوني للحال منبهين: لا تقل ذلك، فهذا الكلام خطير… والحال كنت لتوّي عائدا من روما، ولم أكن واعيا بشأن الضغط والخوف اللذين كان يمارسهما على أبناء الشعب.

 لم تنته مشاكلي عند هذا الحد، فطوال بضعة أشهر لم يكن لدي اخبار بخصوص هذه الخدمة العسكرية الاجبارية، حيث ان استثنائي منها لم يكن يُفعّل بعد. وفي احد الايام، تلقيت خبرًا بأن مؤتمرا ينظم في احدى الجامعات الهولندية، وطلبت أن أسافر بصفتي مختص بآباء الكنيسة. كان العراق آنذاك بلدا مغلقا، فحتى لو أن الحصار لم يكن قد بدأ بعد، كان ينبغي الحصول على سمة خروج من البلد. وإذا بي خلال يومين أحصل من السلطات على جواز السفر والتأشيرة. لم اصدق عينيّ اذ كان ذلك بعكس كل القوانين لأنه في العادة كان ينبغي أن اقوم بالخدمة العسكرية للحصول على ذلك الجواز! ذهبت إذن بأسرع ما يمكن إلى هولندا مع كاهن آخر (المرحوم الأب يوسف حبي) وخلال المؤتمر التقيت بالعالم أنطوان غيومون Guillaumont وهو مستشرق من السوربون في باريس؛ وشرحت له أن لديّ معضلة في شهادة الدكتوراه إذ لم يكن معترفا بها في العراق. فطلبت منه ان كان ممكنا أن أسجل في السوربون لكي أعالج هذا الموضوع وأحصل على المعادلة المطلوبة. قبل الرجل في الحال فاتصلت بمطراني لأقول له إنني لن أعود، وطلبتُ منه إجازة لسنة واحدة. وهكذا ذهبت إلى باريس في نهاية عام 1984. وخلال تسعة أشهر كتبت أطروحتي وقدمتها، ولكن كان ينبغي علي انتظار ستة أشهر قبل أن أدافع عنها. لذلك ذهبت إلى إحدى الخورنات في ألمانيا كبديل لكاهن كان قد ذهب إلى بلاد الارساليات بصفة fidei donum (حرفيا “عطية الإيمان” أي بحسب رسالة البابا بيوس 12 لعام 1957 يمكن للكاهن أن يبشر في بلاد الرسالة – المترجم). كنت في السابق قد درست الألمانية في روما في معهد غوتة (Goethe Institute)، وخلال شهر واحد كنت قادرا على أن أقوم بالقداس وأعمل موعظة بالالمانية. بعد ذلك قدمت أطروحتي وحصلت عليها بدرجة امتياز. ثم عدت إلى العراق ومعي شهادة الدكتوراه المعترف بها من قبل الدولة، وهكذا حصلت على استثناء من الخدمة العسكرية. وعدت إلى خدمتي في رعية ام المعونة الدائمة في الموصل وأصبحت مسؤولا عنها. في عام 1997 عينت مديرًا للمعهد الكهنوتي حيث بقيت طوال أربع سنوات.

س/ في تلك الفترة ماذا كانت التحدّيات الرعوية التي كانت تواجه الكنيسة الكلدانية؟

 ج/ في المعهد الكهنوتي غيرت كل شيء. كان الطلاب يعيشون في شظف عيش شديد، والحال أردت أن يتربّوا على الكرامة لأنني كنت أخاف من حرمانات كبرى تجعل منهم كهنة محرومين وغير متوازنين. بحسب رأيي من الأفضل أن نربي  طالبي الكهنوت على المسؤولية. ففي اليوم الذي وصلت فيه وفي ساعة الغداء اعطوني قطعة خبز وبطاطا وطلبوا مني اذا كنت اريد شيئًا آخر فأجبت كلا، كلا، اعطوني مثل ما تعطون لطلاب المعهد. ومنذ اليوم الثاني أعدت ترتيب المائدة على شكل بوفيه مفتوح بحيث تكون فيها خدمة حرة (self service) وكان الجو قد أصبح عائليا. وطلاب المعهد كان لديهم حرية أكبر ومسؤولية أكثر وفي السنة التالية لوصولي كان هنالك 65 طالبا في حين كانوا 30 في ما سبق. كنا نذهب إلى الرعايا ونزور القرى لكي نشجّع على الدعوات لدى الشباب وفي الوقت عينه كان لدي مسؤولية رعية مرتبطة بالمعهد الكهنوتي، فالمتطلبات الرعوية كانت تقتضي تغيير الليتورجية والعقليات. فبعد ثلاثين سنة من المجمع الفاتيكاني الثاني كانت الكنيسة في العراق كما لو لم يكن هنالك مجمع. كما لو أن ذلك لا يعنيها.

غيرت مكان المذبح للاحتفال بالقداس ووجهي إلى الشعب، كما كان قد حدث قبلًا في المعهد حين كنت طالبا. تذمر الناس من ذلك في البداية. ثم ترجمتُ نصوص الليتورجية إلى العربية، لان الناس في ذلك الحي لم يكونوا يفهمون الكلدانية. كان هنالك حالات تشكٍ وشيئا فشيئا امتلأت الكنيسة. بعد ذلك لم نعد نستطيع أن نحتفل بالقداس في تلك الكنيسة  لكثرة الناس فصرنا ننتقل إلى الساحة. الناس كانوا يأتون من خورنات أخرى لان طلاب المعهد كانوا يرتلون وكان القداس مفهوما ومشوقا. ثم كنا نعرض الكثير من النشاطات التي تعجب الناس.

أما في الموصل فكانت الحالة هادئة، قبل سقوط صدام، والمدينة لم تكن بعد قد غرقت في  الفوضى التي عرفتها لدى السقوط منذ عام 2003، وما تلاه من مداهمة  “الدولة الاسلامية” واستيلائها عليها. حتى وقتذاك لم يكن هنالك اي مشكلة بين المسيحيين والمسلمين. وكانت النساء قلما تتحجّب. نساء القرى كنّ احيانا محجبات اذ كان ذلك ضمن الملابس التقليدية مع عدا ذلك، فإن المسيحيات والمسلمات يلبسن بناطيل الجنس (Jeans) والتيشيرت (T-shirt) كان يمكنهن حتى لبس الميني جوب. وهذا ما يصعب علينا اليوم تخيّله.

س/ في عام 1999 توفي مطران الموصل وكان هنالك سينودس جمع كل اساقفة الكنيسة الكلدانية لكي يُعَّين خلفٌ له. وتصوّر الكثيرون أنك ستخلفه، لكن هذا لم يحدث، لماذا ؟

 ج/ إبان ما سُمّي بذلك المجمع الشهير كان البطريرك روفائيل الاول بيداويد قد عيّنني خبيرًا مع اثنين من الكهنة (الأبوان يوسف حَبي وبطرس حداد). كانت مهمتي أن أقوم بكتابة تحليل عن التحديات التي تواجه الكنيسة الكلدانية. لم أبخل بالانتقاد، وركزت على الإصلاح الليتورجي الذي لم يتم في كل مكان. كما أن تنشئة الإكليروس والرهبان والعلمانيين لم تكن في الواجهة، وبالتالي كانت الامور كما لو لم نكن معنيين بالمجمع الفاتيكاني الثاني.

بعد هذا العمل الفكري دخل السينودس في قلب الموضوع، أعني باختيار أسقف جديد لأبرشية الموصل ومعاون بطريركي جديد1. كان البطريرك تحت تأثير معاونه الذي لم يكن يشاركني الرأي في تحليلي عن الكنيسة. لذلك طلب من الاساقفة بشكل مكشوف ألا يصوتوا لي لأن تعليمي ليس ارثوذكسيا واني متجدد! كيف وانا استاذ في كلية اللاهوت لماذا لم يقولوا ذلك من قبل؟  ثم دفع البطريرك ليقنع الاساقفة بأن لا بديل له (عني) في إدارة المعهد الكهنوتي. وهذه كان حجة منه.

هذه الأخبار كان الاساقفة ينقلونها إلى وتؤثر علي، وقد كتبت رسالة شديدة اللهجة إلى البطريرك مبديا فيها دهشتي وتعجبي. وبيّنت أن كان يجب منذ البداية أن تقولوا لي أن السينودس كان يريد أن يبقيني مديرا للمعهد الكهنوتي إذا كان هذا صحيحا، لم اكن افهم أسلوب هذا السينودس. حاول عدد من الكهنة أن يدفعوني للتخفيف من نبرتي، فذهبت كي اقابل البطريرك الذي قال إنه يحترمني جدا فسألته: لماذا هذه اللغة المزدوجة إذن؟ فقال انه مستعد أن يعطيني رعية إذا كنت أريد، ولكنني قاطعته وعدت إلى المعهد الكهنوتي في بغداد من دون أن أنتظر نهاية السينودس.

في المعهد الكهنوتي احتفلت باليوبيل الفضي لمرور 25 سنة على رسامتي الكهنوتية. ثم أخذت وقتا كافيًا لكتابة رسالة حقيقة للبطريرك لكي اشرح له واندد بالمصالح الشخصية والأكاذيب التي تسود الكنيسة. وفي نهاية السنة الأكاديمية 2000 – 2001 ارسل اليّ رسالة  بترك ادارة المعهد والذهاب الى اي رعية أختارها. أعدت الرسالة قابلاً ترك المعهد ومفضلاً العودة إلى الموصل. ونشرت رسالة مفتوحة عما جرى. فقام ثلاثون من الكهنة بمحاولة التدخل لتغيير قرار البطريرك. كل طلاب المعهد كتبوا له رسالة في نفس الاتجاه، ولكن عندما جاء بالرغم من كل شيء إلى المعهد الكهنوتي لكي اسلم له المعهد، قلت له اني اطيع قراركم. وقلت لطلاب المعهد أوصيكم أن تبقوا امينين لدعوتكم انا سوف اذهب إلى هذه الرعية التي يرسلوني اليها، ولكن أنتم ابقوا في المعهد الكهنوتي، سوف يأتي مدير آخر وعليكم ان تطيعوه، ثم رجعت إلى الموصل لكي اتسلم رعية ام المعونة التي كنت فيها سابقا.

في الأشهر اللاحقة أصاب البطريرك روفائيل مرض خطير اتصلت به مرتين في بغداد لكي اسال عن صحته، ولأقول له انني اُصلي من أجله. وفي عام 2002 عقد سينودس جديد لكي يجدوا اُسقفا على كركوك وهناك قدّمني البطريرك بنفسه ودعم انتخابي لردّ الاعتبار.

س/ كيف صار تعيينك مطراناً لكركوك؟

 ج/ بعد التقصي الذي يقوم به الكرسي الرسولي، استدعاني السفير البابوي إلى بغداد لكي يعلن لي رسميا ان البابا صادق على انتخابي رئيس اساقفة كركوك. وفي تلك الفترة لم اكن ابدا اعرف الحالة التي تمر بها هذه المدينة. قال لي: ادخل إلى المصلى (الكابيلا) وصلّ قليلا لكي تعود وتقول لي موافقتك. لكنني فضلت أن اعود إلى الموصل لكي افكر واصلي واطلب النصيحة من أشخاص عديدين. قالوا لي ان البطريرك يريد أن يعيدك إلى مكانك ويصلح الخطأ الذي ارتكب بحقك،  فاقبل هذه المهمة الجديدة الاسقفية. وبعد بضعة اشهر توفي البطريرك. فطلب الكرسي الرسولي مني متى يجب اعلان اسمي كأسقف منتخب جديد، فعيّنت تاريخ  14 ايلول 2003. وفي هذا الصدد، حدثت مفارقة هي أشبه بالنكتة الفكهة. ففي اليوم الذي كان محددا لإعلان انتخابي أسقفا، كنت في فرنسا في لقاء مع منظمة Raoul Follereau في مدينة باري لي مونيال Paray-le-Monial وخلال الغداء الذي يسبق القائي كلمتي جاءني كاهن ماروني (الاب منصور لبَكي) لكي يحييني ويطلب مني شيئا عن نبذة حياتي ليقّدمني اثناء المحاضرة، فقصصت عليه مساري الأكاديمي. تعجب مني قائلا: “لماذا لم تصبح بعد أسقفا؟”، فأجبته مبتسما: “بعد نصف ساعة سوف يعلن الفاتيكان الخبر!”، وعندما قام الشخص الذي نظم هذا اللقاء، بتقديم مداخلتي في ذلك المؤتمر، شرح أمام الحاضرين في القاعة قائلا: “بعد دقائق سوف يعلن الاب لويس رئيسا لأساقفة كركوك”، وبدأ يوزع عليّ كلمات مثل “سيادتكم”،  والكل أخذ يصفق! وقد تمّت الرسامة يوم 14 تشرين الثاني 2003 ، لم يكن هنالك من بطريرك، إذ كان روفائيل بيداويد قد توفي. من الناحية القانونية والعادية لم يكن ذلك ممكنا، لكن البابا يوحنا بولس الثاني كان قد اعطى سماحا بذلك.

س/ ما معنى هذه الرخصة الاستثنائية، الم يكن بإمكانك أن تنتظر انتخاب بطريرك جديد؟

 ج/ بالضبط هذا صحيح. والحال أنه كان قد عقد سينودس في بغداد، لاختيار بطريرك جديد خلفاً للبطريرك الراحل بيداويد، ولكن الاساقفة لم يتفقوا على اسم البطريرك المقبل. وبعد خمسة عشر يوماً انتهى السينودس بدون نتيجة. فالأسقف الجديد كان في امكانه أن يغيّر الأمور من خلال إدلائه بصوته ويقوم بفك العقدة. في الشهر التالي، الذي عقب رسامتي الأسقفية، ذهبت إلى روما للمشاركة في السينودس الجديد. كان المطران اودو مطران حلب في سوريا والمطران دلي وهو المعاون السابق للبطريرك روفائيل بيداويد قد حصلا على أصوات متعادلة، وبحسب القانون يأتي الذي رُسم اُسقفاً قبلاً هو الذي يقع عليه الاختيار، ولهذا أصبح المطران دلّي بطريركا2.

س/ بعد هذا السينودس تسلمت مهاما جديدة كمطران كيف كانت الخطوات الأولى في كركوك؟

 في خطاب تنصيبي شرحت للناس أني مطران لا للمسيحيين فقط ولكن للمسلمين ايضا، إذ احمل الجميع في صلاتي وفي قلبي. فالمطران منفتح على الجميع مثلما كان المسيح. والتقيت بكل مسؤولي المدينة، وشيئا فشيئاً عقدت علاقات مع المحافظ ومع مجلس المحافظة ومع السلطات الدينية ومع علماء الدين المسلمين، سنّة وشيعة، عربا وكردا وتركمان. وفي كل سنة كنت ادعو بين 200-300 شخصية إلى مأدبة إفطار تقام مساء احد ايام  شهر رمضان. هذا النوع من العلاقات مع المسلمين كان جديدًا جدا في كركوك. باعتقادي إن ذلك حمى المسيحيين. وطلبت بصورة خاصة من الأئمة أن يكون خطابهم معتدلا تجاه المسيحيين في خطابات الجمعة وكثيرون منهم فعلوا ذلك.

كان لدي ايضا مهمة أن أعطي دفعاً جديداً للأبرشية فسلفي كان شخصا مسناً ولم يكن هنالك كهنة عديدون لذلك قمت برسامة اربعة كهنة وأتيت براهبات دومنيكيات فتحنَ ديراً وأسستُ مدرسة وعيادة ومكتبة كبيرة.

س/ ما هي المكانة التي اعطيتها للعلمانيين؟

 ج/ في الموصل حيث كانت خورنتي الاخيرة، أسّسنا مجلسا خورنيا وكان لنا مجلس أبرشي، وقد قمت بتطبيق ذلك في ابرشية كركوك بعدئذ. وركزت كثيرا على التنشئة، فأقمت فرق صلاة واقتسام وتفكير للشباب: “ماء الحياة” للمراهقين، وفريق “عمّاوس” للطلاب وللموظفين الشباب، على مثال تلميذَي عماوس. أعطيتهم مهمّة اكتشاف المسيح في الكتاب المقدس وممارسة الضيافة والخدمة والتغذي بالاوخارستيا. كذلك شكلت فريقا يُدعى “ابناء وبنات العهد” الذي ضمّ حوالي 80 شابا وشابة. وتشكل فريق للعائلة، وفريق آخر للاهوت من أجل العلمانيين.

خلال هذه السنوات في كركوك، حاولت أن اطبق المجمع الفاتيكاني الثاني في الأبرشية وأن اشجع العلمانيين في الكنيسة، فرسمت شماسين انجيليين في كل رعية، واقترحت أن يقوم الناس بالقراءات خلال القداس، وكنت دائمًا اتنقل بثوب كهنوتي بسيط Clergyman وكان ذلك جديدا بالنسبة إلى المطران،  ولم يوجه اليّ اي انتقاد بسبب ذلك، فكنت اذهب بين ابناء ابرشيتي كصديق، وعندما كنت آتي إلى دروس التعليم المسيحي كان الاطفال يسمّونني “عمو” او “ابونا” ولا يقولون “سيدنا” قط، فـ “ابونا” أجمل بكثير في نظري.

س/ هل هذا التجدد في ابرشية كركوك اثر في ابرشيات كلدانية اخرى؟

 ج/ اتمتع بطبيعة ثورية وفعلا لدى كل سينودس كنت ادفع الاساقفة إلى إجراء تجديد للكنيسة. فنحن ديانة تجسد والتجسد حالة غير منتهية اذ بلا انقطاع يجب أن نجدد تجسد الإنجيل بحسب كل زمان ومكان. وعلى الليتورجية ايضا أن تتجدد، اذ كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “الليتورجية هي من اجل الانسان وليس الانسان من اجل الليتورجية” أن دراساتي في علم آباء الكنيسة والتاريخ القديم ساعدتني كثيرا على تفهم ذلك. وقد نشرت العديد من المقالات والكتب حول هذا الموضوع، لكن هناك من ينتقدني من داخل الكنيسة الكلدانية وهم لا يستسيغون كل ما افعل.

س/ ماذا كانت مواضيع هذه الانقسامات الداخلية؟

 ج/ كنا نجتاز فترة حساسة، فالبطريرك عمانوئيل دلي كان مُسناً ومُتعَبا جداً، ولم يعد قادرا على إدارة الكنيسة، وكان ضعفه يولد تناحرا وتوترات. كان بعض الكهنة يريدون ان يصيروا اساقفة، وبعض الاساقفة يريدون أن يصبحوا البطريرك المقبل، ويبحثون عمّن يسندهم من دون أن يكون لديهم -بحسب اعتقادي- الصفات المطلوبة لهذه المهمة. وقد فشل الإجماع بينهم خلال انعقاد سينودسين. كانت غايتهم تعيين أساقفة جدد، سينودس في القوش وسينودس في عنكاوه/ شمالي العراق. وقد طلبنا عدة مرات من البطريرك أن يقدم استقالته، لكن الفاتيكان لم يقبل بذلك. وكان السبب أننا لم نكن نحن على اتفاق بيننا حول اختيار نوعية الاساقفة الجدد. من جهتي كل ما كنت اتمنّاه هو أن نحظى بأساقفة ذوي كفاءة لكنيسة العراق، لكي تقف على قدميها، لأن كنيستنا كانت نوعًا ما مُتعَبة. فطلبنا من جديد أن يقدّم البطريرك استقالته، لكنه رفض، وفي الاخير قام الكاردينال ساندري، رئيس مجمع الكنائس الشرقية، نوعاً ما بإجباره على أن يفعل ذلك في شهر كانون الثاني 2013، فدُعينا إلى روما من قبل الكرسي الرسولي لنختار بطريركا جديداً.

س/ كيف جرت الأمور في هذا السينودس الذي اختارك بطريركا؟

 ج/ كل اساقفة الكنيسة الكلدانية جاءوا الى روما. قمنا برياضة روحية وكل واحد منا شرح نظرته عن الكنيسة. وجرت الأمور في خمس جلسات للتصويت. وكنا فريقين متعارضين. وكانت الأصوات منقسمة، الغالبية كانت ضدي لأن من يريد التغيير يخيف الاخرين؛ وهذا افهمه. ثم بدأت الاصوات تتجه نحوي اكثر فأكثر وهناك اسقف آخر رجل جيد كان لديه صوتان اكثر مني، وامام السينودس تقدمت الى رئيس السينودس (الكاردينال ساندري)  وقلت له انا  اتنازل عن اصواتي لزميلي، فشكرني وذهبنا بعد ذلك إلى النوم. في اليوم التالي أعلن زميلي انه يتعذر عليه القبول بمهمة البطريرك لأنه يعتبر نفسه متقدمًا في السن، وانه لم يكن يريد أن يغادر ابرشيته لكي يقيم في بطريركية بغداد، ثم اجرينا جولة انتخابية اخرى وهناك فزت بغالبية مريحة (11 صوتاً من مجموع15).

طلب مني الكاردينال ساندري ان كنت أقبل أن أصبح بطريركا. حينئذ وقفت امام جميع الاساقفة، وقلت لهم اذا كنتم تريدون أن تساعدوني وان نتعاون معا كفريق واحد لخير كنيستنا، أقبل، وإلا اختاروا واحداً آخر. هكذا قبّلتهم جميعًا واحدًا بعد الآخر، ثم جاؤوا لكي يقدموا إليّ الخضوع فقمتُ باختيار اسمي لويس روفائيل ساكو، ووقعت المحضر. بعد يومين ذهبنا لإعلان شركتنا مع البابا بنديكتوس السادس عشر. وبحسب البروتوكول كان عليّ ان اُلقي خطابا والبابا كذلك، لكن البابا كان متعبا جدًا لهذا السبب لم نفعل. أنا من جهتي لم اكن مرتاحا، إذ كنت ألبس غفارة (سوتانة) حمراء وهي تتعلق بمنصبي الجديد في الكنيسة، وكان ذلك يزعجني جدًا، وعندما دخلتُ مع الاساقفة قلتُ للبابا بنديكتوس: “لا أشعر بالارتياح في هذه الغفارة الحمراء،  فبدأ يضحك وبأسلوبه الذي ينم عن روح فكاهة أجابني: “بيانو بيانو” أي “على مهلك”، شيئا فشيئًا ستتعوّد على ذلك. وقد شجعني كثيرًا وكانت اختي الراهبة ترافقني، وعندما رآها البابا قال أنا أيضًا كان  لدي أخت راهبة، تهتم بي. كان لقاءً أبويًا من جانبه إلى حد كبير، لم أكن أعرف أني كنت آخر شخصية استقبلها البابا بنديكتوس، إذ بعد أسبوع من ذلك، وأمام دهشة الجميع وقع على قرار انسحابه للتقاعد!

س/ كيف مرّ لقاؤك الاول مع البابا الجديد فرنسيس؟

 ج/ جئت إلى روما لمناسبة تنصيبه. وفي اول خطاب مهم له تكلم عن اليهود، لكنه لم يذكر المسلمين بكلمة؛ بالنسبة إلي كان ذلك أمرا خطيرا فطلبتُ مقابلته واستقبلني خلال عشرين دقيقة، وشرحت له أنه لا بد من الكلام عن المسلمين، لأن بالنسبة إلينا يمكن أن يكون لسكوته عنهم نتائج سلبية، قلتُ له نحن نحيا بين المسلمين، ماذا سيقولون إن الكنيسة ترحب باليهود وتهمل المسلمين؟ هذا سوف يضعنا في حالة حرجة! طبعا لم يكن لديه أي معرفة  بهذه المشكلة، فأكد لي أنه سوف يصلح الامور. في اليوم التالي، خلال خطابه أمام السلك الدبلوماسي ذكر هذا. هذه هي المرة الاولى التي يلتقي فيها بأحد الشرقيين ويتكلم عن تحديات الشرق، وكان يجهل الكثير عن كنائسنا ولديه رغبة بمعرفة المزيد عنا، لقد كان لطيفا جدًا وكان يصغي، وصفتُ له آلام المسيحيين العراقيين، فقال لي لنصل كلانا الصلاة الربية (ابانا الذي في السماوات…) من اجلك ومن اجل العراق.

س/ منذ طفولتك في تلك القرية في شمال العراق حتى تعيينك بطريركا شاهدت سقوط انظمة سياسية عديدة واجتزت عدة حروب، في كل هذه التقلبات التي هزّت بلدك ماذا فقد العراق؟

 ج/ إن ما ضاع هو وحدة العراق. اليوم البلد مدمّر بالصراعات بين مختلف الجماعات داخل الشعب، وهي تحت تأثيرات آتية من عقلية الانقسام الطائفي  والديني والانغلاق. فانا لم اتعرف على مثل هذا العراق، وانما عرفت عراقا منفتحا. صحيح كانت هنالك حروب قاتلة ولكن الشعب لم يكن لديه مثل هذه الحواجز الاجتماعية والنفسية. المسيحيون والمسلمون كانوا يشعرون بالانتماء إلى الوطن الواحد، ولكن بعد سقوط النظام تبدّل كل شيء، وجاء العنف والتهميش والانقسامات. هذه المحاصصة تجرحني شخصيا، لذلك حاولت دائما أن اعمل للمصالحة، وان ادفع نحو الحوار بين مختلف الفرقاء، من خلال لقاءات ومحاضرات وارسال رسائل والإدلاء بالكثير من التصريحات. فالناس يحترمون من يحاول أن يضع التوازن من خلال المحبة، وبيّنت تضامننا مع الجميع شيعة وسنة، والقليل الذي عندي اعطيته، واساعد الكل من دون استثناء… وعندما كان السنّة هم المتضررون خلال توترات الرمادي والفلوجة، قمت بإعطاء المساعدة لأكثر من 1000 عائلة لاجئة ولعدة مرات. لذلك فإن حضور المسيحيين مقيّم ومحترم من قبل جميع الناس، من ذوي الارادة الصالحة في العراق. وهذا هو دورنا أن يكون لدينا الشجاعة لقول الحقيقة، يمكن أن نقول الاشياء بشكل صريح عنيف او بشكل دبلوماسي وفي كلتا الحالتين يجب أن نقول الحقيقة حتى مع اعلى سلطات الدولة.

س/ عندما رسمت بطريركا خلال الاحتفال في بغداد كان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حاضرا، وكذلك اسامة النجيفي رئيس البرلمان، وهما خصمان لدودان لم يكونا يكلمان بعضهما بعضا، وكان انقسامهما سببا للكثير من المشاكل والصراعات في العراق، كانا جالسين في الصف الاول فقط كرسي واحد يفرّق بينهما، بماذا فكرتَ في تلك اللحظة؟

ج/ كنت اريد أن انزل من المنبر وأقول لهما: تعاليا وتصالحا. في تلك اللحظة جاءتني تجربة أن اذهب واجلس على ذلك الكرسي الفارغ بينهما، وأن أقول لهما: إنه لأمر مخجل! أنتما مسؤولان، وعليكما أن تضعا حدًا لهذا الزعل، وان تتصالحا، ولكنني قلت لنفسي لعلهما سوف يرفضان، وهذا قد يعقّد الامور. لذلك قررت أن أعدّ الارضية لهذا الهدف على أن في موعظتي خلال قداس التنصيب، دعوت إلى المصالحة بين الشيعة والسنة، وقلت ان البلد في خطر. كما قلت أنه لا ينبغي البحث عن الانتقام، مشددًا على ذلك، إذ على الرئيس أن يكون راعيًا وأبًا للكل، وأن يبحث عن مصلحة شعبه وان يغفر وفي النهاية،  قال المالكي في كلمته ان هذا البطريرك مختلف، إنه “غير شكل”؛ و اقترح ان يكون ما قلته ورقة طريق للمصالحة والسلام في العراق.

في العشرين من آيار 2018 تمت تسميتي كاردينال من قِبل البابا فرنسيس وارتديتُ القبعة الكاردينالية في 28 حزيران 2018 ، إذ كانت هذه نقطة مضيئة في تاريخ كنيستنا.

______________

  1. موضوع الاب كمال وردة ” لماذا لم أصبح اُسقفاً”:

 اني احترم الاب كمال وردة، ومعجَب بصوته. ان ما اشار اليه عارِ عن الصحة. في 1999 حضرتُ السينودس الكلداني الذي عقد في سيدة الجبل بلبنان، بصفة خبير الى جانب الابوين المرحومين يوسف حبي وبطرس حداد، ولم اشترك في جلسات الانتخاب.

  اني زعلت من مثلث الرحمات البطريرك بيداويد بسبب ازدواجية تقييمه في هذا السينودس: مرة قال ان الاب ساكو هو افضل كاهن، ومرة اخرى قال ان تعليمه غير كاثوليكي، ولم افهم لماذا. فغضبت من هذا الكلام، خصوصاً انى كنت مديراً للمعهد الكهنوتي واستاذأ في كلية بابل، فلماذا لم يقولوا لي ذلك كما قالوه للاب كوب، وبعده تراجعوا عما قالوه واستمر في التدريس!! على اثره كتبتُ للبطريرك باني انسحب من ادارة المعهد، لكنه الحَّ هو الاساقفة الاخرون علي بالبقاء لان المعهد كان في اوج ازدهاره. بعده قررت العودة الى بغداد قبل اختتام السينودس. وعلمتُ من بعض الاساقفة خبرانتخاب الاب كمال والاب حبي للاسقفية. وبعد أشهر علمنا ان الكرسي الرسولي لم يصادق على السينودس بكامله، ليس بسببي، لاني كنت كاهناً بسيطاً، انما السبب كان في انقسام الاساقفة وقلة حظوة البطريرك لدى الكرسي الرسولي، وهذا كان السبب ايضاً  في اجهاض أول سينودس عقده البطريرك بيداويذ بروما. عندما عاد البطريرك الى بغداد كتبتُ له رسالة شخصية شديدة اللهجة. بعده ندمت عليها وذهبت الى غبطته وركعت امامه وطلبت المعذرة. في النهاية اعفاني من ادارة المعهد وعدت الى ابرشيتي الموصل. وعندما التقيت الأب كمال في ملبورن لدى زيارتي الراعوية لها عام 2014، سألني الاب كمال عن ذلك، لربما كان احد الاساقفة قد همس في اذنه اني المسؤول عن عدم ترقيته،  فقلت له بصراحة اني اعتذر اذا كنت اسأتُ اليك، وقلت له سوف اعود واطرح اسمك. وهذا ما فعلته مرتين خلال بطريركيتي، لكنه لم يحصل على الاصوات المطلوبة! وعندما كنتُ مطراناً لكركوك، اذكر ان اسمه  طرح اكثر من مرة ولم يحصل على الاصوات… هذه هي الحقيقة!  

اني  لم اطَّلع على كتابه وانما سمعت عنه. مع هذا لا احمل اي حقد على الاب كمال واتمنى له كل خير. اذكر اني انتخبت لابرشية البصرة عام 1995  بتعادل الاصوات مع كاهن آخر، ففاز هو بسبب اسبقية الرسامة، وقبلتُ القرار بطيبة خاطر. انشاء الله ستنشر يوما ما اعمال المجامع الكلدانية ويطلع عليها القراء..

  1. سينودس القوش 2007. من المؤسف ان المصاف الاسقفي الكلداني كان منقسماً في تلك الحقبة. في سينودس القوش 2007 كنا سبعة أساقفة، قدمنا طلباً الى مثلث الرحمات البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي في رسالة موجهة اليه وموقعة بتأجيل السينودس من اجل فسح المجال لاعداده إعداداً جيداً، لكنه أصر على انعقاده. كان عدد الاساقفة المشاركين في السينودس 11، ونحن السبعة  قاطعنا السينودس  حرصا على الكنيسة، وخصوصا نحن أعضاء فيه.  فشل هذا  السينودس. بعده اشتركنا في كافة السينودسات وتحمل كل منا مسؤوليته الضميرية. وانا شخصيا استقبلت غبطته في كركوك بكل ترحاب، وعقدنا نحن أساقفة العراق جلسة برئاسته لدراسة الجوانب المالية للابرشيات. وبالرغم من اعتراضي على تدبيره للكنيسة، كنت اتصل به دوما اسأل عن صحته وعن وضع الكنيسة والكهنة المخطوفين ومعبراً عن استعدادي للمساعدة.

اذكر أننا في مجمع إنتخاب البطريرك الجديد بروما (كانون الثاني 2004) وكان قد مرّ على اسقفيتي نحو شهرين، وعند فوز البطريرك دلي، اجتمعنا لتهنئته، قلت له: “سيدنا، انت الان رأس وأب الكنيسة الكلدانية، ولست بعد المطران دلي، اعمل كل ما تقدر عليه لجمعنا وتوحيدنا من اجل الكنيسة وازدهارها!! رحمه الله بواسع مراحمه. هذا كل ما كان وجعل منها بعض النقاد قصة!!!

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

(كلما يحدث للمؤمن يوؤل الى خيره وخلاصه)

(كلما يحدث للمؤمن يوؤل الى خيره وخلاصه) رمزي كرمو / مستشفى زاخو  سمحت لي فرصة …

4 تعليقات

  1. فؤاد بوداغ _كاليفورنيا_ساندياكو Fouad Bodagh 6195189482

    سيدي عالي المقام غبطة ابينا البطريريك الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو الكي الطوبى
    يسعدني ويشرفني ان أتقدم بالتهنئة القلبية الخالصة بمناسبة مرور 46 عاما على الخدمة الكهنوتية المعطاءة والمضحية لخدمة الراعي والرعية
    سيدي صاحب السيادة
    بكل فرحِ وسرور نقف لك اليوم حباً وتقديراً وتعظيماً وعرفاناً وثناءاً لدورك الكبير الذي أديتهه بكل تفاني واخلاص وامانة وصدق في توجيهات سيادتكم السديدة وقيادتكم الحكيمة ورعايتكم الأبوية للمؤمنين في جميع أنحاء العالم من تفقد وزيارات مكوكية حرصاً منكم على أبناءكم المؤمنين ،
    سيدي المفدى
    تواصلكم وحرصكم الدائم على متابعة الشوؤن الكنسية وخدماتكم الجليلة إنما سيتذكرها جيلا بعد جيل ومرحلة بعد مرحلة وزمن بعد زمن
    لقد كانت بحق مسيرة الأيمان المُشرفة نبراسا وعلماً نعتز بهاجميعاً
    وفي الختام يسعدني جدا ان أتقدم بالتقدير والعرفان لشخصكم الكريم داعين وطالبين وراجين من ربنا يسوع المسيح وإمنا العذراء مريم ان تحفظكم وترعاكم وتسدد خطاكم وان يمدكما بالصحة والعافية والعمر الطويل وان تبقى لنا ذخراً وبارك بكم سيدي صاحب السيادة

    • اخي العزيز فؤاد
      اشكرك جزيل الشكر. اسأل الله ان يحميك ويسعدك.
      عزيزي فؤاد انا لكل الناس واحب ان اخدمهم من كل قلبي.. لكن الناس لا رضى ابدا. المهم ربنا يرضى. مرة اخرى اشكرك والرب يباركك
      لويس ساكو

  2. فؤاد بوداغ

    تحية وتقدير
    هل تم الغاء تعليقي المعنون الى غبطة ابينا البطريريك بمناسبة مرور 46عام

    • الاستاذ فؤاد. شكرا على رسالتك الطيبة والمشجعة. لا نعلم ماذا حصل لتعليقك الذي قرأنه. شكرا مجددا . السكرتارية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *