أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / شيرين: ناسكة قديسة في كنيستنا من القرن السابع

شيرين: ناسكة قديسة في كنيستنا من القرن السابع

شيرين: ناسكة قديسة في كنيستنا من القرن السابع

كتب حياتها شاهد عيان

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

تقديم

كنت قد نشرت مقالا عن الناسكة شيرين في مجلة نجم المشسرق العدد 17 لسنة 1999 ص 78-81، والآن اود ان أعود اليه بمناسبة تذكار سهدونا عرّابها (10 تموز)، للتعريف بهذه القديسة شبه المغمورة في تاريخنا. من الجدير بالذكر أننا أدخلنا مجموعة من قديسي وقديسات كنيستنا في التقويم الطقسي لسنة 2020  ليُخلد ذكراهم العطرة. اتمنى ان يقرأ رهباننا وراهباتنا قصة هذه الناسكة القديسة.

شیرین اسم فارسي – كردي يعني الجميلة – الطيبة، نعرفها بواسطة كتاب “السيرة الكاملة للراهب – الأسقف سهدونا” المتوفى نحو سنة 650. فهو يذكر انها كانت تعيش في كوخ قريب من ضيعته “هلمون – حلمون” التابعة للمقاطعة الكنسية (بيت نوهدرا) وكانت أمه صديقة  لهذه الناسكة، وتتردد اليها لتستنير بارشاداتها. وهو نفسه، عندما كبر وترهب ودرس العلوم اللاهوتية في مدرسة نصيبين، كان يزورها باستمرار ويسترشد عندها.

ورد خبر الناسكة شيرين في التاريخ  السعردي، في سياق شفاء (ابن يزدین) رئيس أمناء الملك کسری برویز (628-590): “کشف له سيدنا المسيح لذكره السجود، خبر إمرأة نخريطة (ناسكة) مقيمة في بعض الجبال، فصار اليها وتبرَّك بها. وذكر إن قميصها كان من كولان البردي، وغذاءها من عقاقير الجبل” (ص 139-138). كما جاء في كتاب الرؤساء (ص42-41) خبرها المعاصر لسهدونا ما يلي: “حينما صعدتُ الى الجبل لاُناجي الله. وجدتُ إمرأة قديسة كانت قد نسجت لها قميصاً من الأعشاب، وكان طعامها من عروق (الأشجار) والأثمار … وكان مار پهب معتاداً على زيارة هذه الطوباوية بين الفينة والفينة، وقد احس بقوة شفاعتها وقال عنها: إنها كانت في العالم، ولكنها لم تكن من العالم، فلم اُلاحظ قط أنها رفعت عينيها لترى وجهي، لان منظر الله كان قد سبی عقلها”.

ونظراً لأهمية  سيرة  هذه الراهبة الناسكة من كنيستنا المشرقية، قمت بترجمة خبرها الى العربية عن  السريانية “السيرة الكاملة” لسهدونا  وهو شاهد عيان.

  1. لماذا نتكلم عن الرجال فقط، ولا نتأمل في طبيعة الجنس اللطيف، ونكتشف جمال الفضيلة المتجلى في هؤلاء النسوة القديسات، اللائي وطئن بأقدامهن الخطيئة والشيطان (تكوين10/3). إني أخجل من نفسي عندما أقارن ضعفي بسيرتهن. انه ضروري أن نُظهِر هذا الجمال لتمجيدهن ولخزينا.
  2. من بين كل هؤلاء، يكفينا مثالٌ واحدٌ: الطوباوية شيرين، الشبيهة بالسميع التي استجاب لها الله. نزعت شهوة الجسد من خيمتها، وأستأصلت شوکتها، وبطحت العدو الخفي الذي يحارب القديسين، بعبادتها الجلية وصلواتها الخفية، ولصقت رأسه بالأرض واخزته جداً. [إبليس] الذي ظفر بالمرأة الأولى [حواء] وغرس فيها الضلال، أدانته هؤلاء النسوة بفضل مولود البتول (المسيح) الذي قوَّى طبيعتهن.
  3. كانت هذه المرأة الشيخة قد قاربت الثمانين من عمرها عندما تعرفتُ عليها. ويصعب علي أن أصف ما عاشته منذ شبابها حتى بلوغها هذا العمر. إننا نحتاج الى سفر خاص لكتابة سيرتها كاملة، وهذا ليس الهدف الذي رسمناه لبحثنا، إنما نحتاج الى شاهد نقدمه للجميع كدليل على السيرة الكاملة، شاهدٍ نُظهر جماله  للقراء. اليكم بعض تفاصيل حياتها، نعزز بها روايتنا، تماماً كما سبق وفعلنا مع القديسين الرجال… وبكلمات قليلة نحثّ على الإقتداء بهم.
  4. كانت شيرين تقدم شهادة رائعة لكل من يقصدها، وبذلك تخلق فرصة لتمجيد الله بأعمالها العجيبة. كان الجميع يحترمونها الى حد كبير. كل رؤساء الرهبان معاصريها، والناس القديسين الذين تكلمنا عنهم أعلاه ، كانوا يأتون من بعيد للسلام عليها، ولطلب صلاتها، لأنهم كانوا يعدّونها اُماً مباركة، جديرة بالإنعامات الإلهية. وعندما كانت تخرج مرة في السنة لزيارة جيرانهال کي تتبارك هي ايضاً منهم كما تتطلبه وصية المحبة، كانوا يحيطونها بهالة من الوقار، ويخدمونها کتلاميذ نشيطين، متيقنين أن الله قد عظّمها.
  5. رذلت هذه القديسة الناسكة العالم كلّه من أجل محبة الله، مُعتبرةً إياه نفاية كي تربح المسيح (فيليبي 8/3)، مُبعدة عنها كل شيء حتى تكون مكرَّسة له بالكامل وبمحبة مطلقة. سلكت في الزهد سلوكاً ثابتاً تاماً. وما كان يصعب على المتمرسين في الفضيلة، كان يسهل عليها لأنها كانت تعيش الكمال منذ البداية، وطبعت صورة الله حيّة في نفسها.
  6. لاشت آهواء النفس كلها بواسطة جلد قاس، وقضت على شهوة البطن التي تعصى على الكثيرين. ولم تكن تهدي معدتها الا وجبة بسيطة من الطعامن تتناولها مرة كل أربعة أيام، وأحياناً مرة في الاسبوع، تسند بها جسدها، وليس استجابة للشهوة.  تقوم هذه الوجبة على رغيف مصنوع من العدس، تعدُّه مساءً مع بعض الخضر المطبوخة وماء للشرب. وبالرغم  من هذا الطعام البسيط، كان ينعكس على وجهها بهاء مدهش، بنعمة الروح الذي كان يغذيها الى درجة أن من كان يشاهدها كان يتصور انها كانت  تتنعم بطعام فاخر.
  7. إختارت شیرین بجدارة نمط “آل دانیال” (دانیال 81-15). مثلهم كانت النعمة تقوِّيها، فكان وجهها يتلألأ نوراً وجمالاً وصحة أكثر من سائر الناس. ومن حسن حظي، شاهدتها واقفة تصلي لفترات طويلة، وقد انهكتها السنون. وحدها تقدر أن تقيس نعمة الروح التي كانت تقوِّي إرادتها. أما أنا الذي كنتُ أتردد اليها مراراً لتَلَقّي بركاتها، فكنتُ شديد الإعجاب بالاعمال الشاقة التي كانت تقوم بها بسهولة.
  8. كانت تُسرع الى الصلاة، وتبقى يقظة في صلاة “الفرض” الطويلة، ولا أبالغ إذا قلتُ: إن هذا كان شغلها الشاغل: تلاوة المزامير، وصلاة التنهدات، إذ كانت تقضي معظم الليل في الصلاة وترتيل المزامير، وتنصرف في النهار الى قراءة الكتاب المقدس، وممارسة حياة الأبرار والقوانين الموضوعة لتنشئة الأخلاق وغرس تقوى الله في النفس.
  9. كم كانت هادئة وطيبة، طاهرة وبسيطة للغاية، سخيّة بمحبتها وصداقتها مع كل من يقصدها، حاضرة دوماً لاستقبال الزوار، جاهدة للتخفيف عنهم. وحده من شاهدها يعرف ذلك.
  10. كان قاصدوها من كل حدبٍ وصوب، رهبان وحجاج على درب الرب، معتبرين إياها اُماً قديسة. وكانوا يلتفّون حولها من كلِّ جهة، ويركعون مثل أطفال أمام قداستها لنيل بركتها وجني الفائدة. وكانت تستقبلهم ببشاشة، وتقدم لهم خدماتها، مضيفة إلى غذاء الجسد، غذاءً روحياً: بالأول تسند جسدهم، وبالثاني تبني نفوسهم بالقول والمثال. ولم يكن يغادرها أحد من دون أن يحمد الله، ومن دون أن يحمل زوّادة مفيدة جداً من خلال ما رآه وسمعه.
  11. كان معظم زوّارها الدائميين من النسوة، لأنه أسهل عليهِنَّ التحدث إليها لكونها من جنسهنَّ، كنَّ يجنين فائدة عظيمة من الاصغاء اليها ومشاهدتها. كنَّ توَّاقات الى الإقتداء بها قدر المستطاع. هذا ما شاهدَته والدتي التي أقدِّسها، فقد التهبت لمَّا رأتها واحبَّت سيرَتها جداً، وسعَت ان تقتدي بها بحسب مقدرتها. لقد كانت تحثّني وانا صغير، على أخذ القرار باتباع هذا النمط من الحياة (المكرَّسة) التي عاشته هذه المرأة.
  12. كانت والدتي تخاف كثيراً من ان أندفع طبيعياً الى محبة العالم، لذا كانت تردد على مسامعي بدون انقطاع قائلةً: “يا بني، إن الموت خير لي من الحياة إذا رأيتك – لا سامح الله – أسيراً بمحبة العالم كسائر الناس”. وكانت تأخذني باستمرار الى هذه المرأة ذات الوقار، التي كانت تسكن بالقرب من ضيعتنا، لتستمطر عليَّ بركاتِها برؤيتها وكلماتها، ولتغرس في قلبي، الإنجذاب الى السيرة الكاملة. كان الشوق يشتدُ فيَّ، يوماً بعد يوم حتى استطعتُ وأنا طفل، أن اُحقق هذا الشوق الطبيعي، أقله خارجياً!
  13. ولأني لم اتمكن من تحقيق النجاح في السيرة الكاملة الا القليل، ولم أحفظ منها إلا الثوب واللقب، رأيت أنه لا بد ان استشهد، في هذا الكتاب، الى جانب الفضيلة التي تتضمنها الكلمات الإلهية، بذكرى القديسين الذين عاشوها بشكل سام، وبكل عنفوان، توبيخا لي ولأقراني (الرهبان) الفاترين الذين يظنون ان تقوى الله تكمن في الثوب. لذلك وصفت بايجاز في البحث السابق سِيَر القديسين القدامى، لأظهر السيرة الكاملة، ثم لم أتردد أن أذكر سيرة أناس فاضلين يعيشون في أيامنا وبيننا، مثل هذه المرأة البطلة، الحكيمة حسب قول الرب، التي عرفت ان تبني حياتها على الصخرة الحقيقية، فيرتفع بناء فضائلها ممجداً أمام كل مشاهد.

 مترجمة  عن السيرة الكاملة : النص السرياني ص 44-49 )

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

ست سنوات على كارثة تهجير مسيحيي الموصل وبلدات سهل نينوى، والعائدون اليها يتطلعون الى الاستقرار والحياة الحرة الكريمة

ست سنوات على كارثة تهجير مسيحيي الموصل وبلدات سهل نينوى، والعائدون اليها يتطلعون الى الاستقرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *