أخبار عاجلة
الرئيسية / اخر الاخبار / “حبُّ الكتاب المقدّس”.. رسالة بابوية في الذكرى المئوية السادسة عشرة لوفاة القديس هيرونمس

“حبُّ الكتاب المقدّس”.. رسالة بابوية في الذكرى المئوية السادسة عشرة لوفاة القديس هيرونمس

“حبُّ الكتاب المقدّس”.. رسالة بابوية في الذكرى المئوية السادسة عشرة لوفاة القديس هيرونمس
البابا فرنسيس :

 

حبُّ الكتابِ المقدس، حبٌّ حيٌّ وعذْبٌ لكلمةِ الله المكتوبة، هذا هو الإرثُ الذي تركَهُ القديس هيرُونمُس للكنيسة، بحياتِه وأعمالِه. نجِدُ في العباراتِ التي تستخدِمُها الليتورجيا في ذكرى عيدِه مفتاحَ قراءةٍ لا غِنى عنه لنفهمَ شخصيَّتَه الجليلة في تاريخِ الكنيسة، في الذكرى المئويّةِ السادسةَ عشرةَ بعدَ وفاتِه، ومحبَّتَه الكبيرةَ للمسيح. ويتفرَّعُ حبُّه مثلَ النهر إلى عِدّةِ فروع، في دراساتِه، فهو باحِثٌ لا يَكِلّ، ومترجِمٌ، ومفسِّرٌ، وعالمٌ متعمِّقٌ، مُولَعٌ بنشرِ الكتابِ المقدس. وهو شارِحٌ دقيقٌ لنصوصِ الكتاب المقدس، ومدافِعٌ متحمِّسٌ ومهاجِمٌ عنيفٌ أحيانًا، للدفاعِ عن الحقيقةِ المسيحيّة. وهو ناسكٌ وزاهدٌ متشدِّدٌ، بالإضافة إلى كونِهِ مرشدًا روحيًّا خبيرًا في عطائِه وحنانه. اليومَ، بعد ألفٍ وستِّمِئةِ سنة، ما زالَتْ صورتُه ذاتَ أهميَّةٍ كبيرةٍ لنا نحن مسيحيِّي القرنِ الحادي والعشرين.

 

مقدمة

 

في 30 أيلول من عام 420، أنهى هيرُونمُس حياتَه الأرضيَّةَ في بيتَ لحم، في الجماعةِ النُّسكيةِ التي أسَّسَها بالقربِ من مغارةِ الميلاد، مُودِعًا نفسَه إلى الرّبّ الذي ظلَّ يبحَثُ عنه دائمًا، وعرَفَه في الكتابِ المقدس. هو نفسُه الذي التقاهديّانًا فيما قبل، في رؤيا، وهو مصابٌ يومًا بحُمَّى، ربما في الصومِ الكبيرِ عام 375. في هذا الحدَثِ، الذي كانَ نقطةَ تحوُّلٍ حاسمٍ في حياتِه، ولحظةَ توبةٍ وتغيُّرٍ في توَجُّهِهِ، شعرَ وكأنّه يُجَرُّ أمام الديّان: “عندما سُئِلتُ عن حالتي، أجَبتُ أنّي مسيحي. لكن المترَئِّسَ قال: أنت تكذِب! أنت تابعٌ لشيشرو (Cicero)، لستَ مسيحيًا”. في الواقع، كان هيرُونمُس قد أحبَّ منذ صغرِهِ جمالَ وصفاءَ النصوصِ الكلاسيكيَّةِ اللاتينية، بالمقارنةِ مع أسفارِ الكتاب المقدس التي بدَتْ له، في البدايةِ، خَشْنةً لا-نحويّة، وجافّةً جدًا لذوقِه الأدبيِّ الرفيع.

 

حملَه ذلك الحدَثُ على اتخاذِ قرارِه لتكريسِ نفسِه بصورةٍ كاملةٍ للمسيح ولكلمتِه. واجتهدَ كلَّ حياتِه لكي يجعلَ الرسائلَ الإلهيّةَ أقربَ إلى الفَهم، وذلك من خلال عملِه الدَّؤُوبِ كمترجمٍ وشارح. كان هذا الحدَثُ بدايةَ توجُّهٍ جديدٍ حاسمٍ في حياته: صارَ خادمًا لكلمةِ الله، وكأنّه مُغرَمٌ “بجسد الكتاب المقدس”. وهكذا، في البحثِ المستمِرِّ الذي ميَّزَ حياتَه، زاد اهتَمامًا لدراستِه في شبابِه وللتنشئةِ التي تلقَّاها في روما، وأعادَ ترتيبَ معارفِه، في سبيلِ خدمةٍ ناضجةٍ لله وللجماعةِ الكنسيّة.

 

لهذا السبب، دخلَ القديس هيرُونمُس بكلِّ جدارةٍ بينَ الشخصيّات الكبيرةِ في كنيسةِ العصور الأولّى، في الفترة التي عُرِفَت بأنّها العصرُ الذهبيُّ لآباءِ الكنيسة، وكانَ فيها جسرًا حقيقيًّا بينَ الشرقِ والغربِ. كانَ في فترةِ شبابِه صديقًا لروفينُس من أكويليا، والتقى أمبروزيوس، وله مراسلة كثيفة مع أغسطينس. وعَرَفَ في الشرقِ غريغوريوس النازيانزي، وديديموس الأعمى، وإبيفانيوس من سلامينا. وفي تقليد الأيقونات المسيحي نجدُ صورتَه دائمًا في صُحبةِ أغسطينس وأمبروزيوس وغريغوريوس الكبير، واحدًا من كبارِ العلماءِ الأربعةِ في الكنيسةِ الغربيّة.

 

أرادَ أسلافي مِن قبلُ أن يذكروا شخصيَّتَه في ظروفٍ مختلفة. قبلَ قرنٍ من الزمان، في مناسبةِ الذكرى المئويّةِ الخامسةَ عشرةَ لوفاتِه، كرَّسَ البابا بنديكتُس الخامسَ عشَر له رسالةً بابويةً عامّة، بعنوان “الروح البراقليط”  Spiritus Paraclitus (15 أيلول 1920)، قدّمه فيها للعالَمِ على أنه “المعلِّمُ الأكبرُ في شرحِ الكتابِ المقدس”. في الآونةِ الأخيرة، قدَّم البابا بنديكتُس السادسَ عشر شخصيَّتَه وأعمالَه في درسَيْن متتاليَيْن من دروسِه في التعليمِ المسيحي. الآن، في الذكرى المئويةِ السادسةَ عشرةَ لوفاته، أوَدُّ أنا أيضًا أن أذكُرَ القديس هيرُونمُس وأبيِّنَ من جديد أهميّةَ رسالتِه وتعاليمِه في الوقتِ الحاضر، انطلاقًا من محبتِهِ الكبيرةِ للكتاب المقدس.

 

بهذا المعنى، يمكنُ أن نربِطَه بصورةٍ مثاليّةٍ، كدليلٍ أكيدٍ وشاهدٍ مميَّزٍ، مع الجمعيّةِ الثانيةَ عشْرَةَ لسينودس الأساقفة، المخصَّصةِ لكلمةِ الله، ومع الإرشادِ الرسولي “كلمةُ الله” Verbum Domini، لسلفي البابا بنديكتُس السادسَ عشر، والذي صَدَرَ في عيدِ القديس في 30 أيلول 2010.

 

من روما إلى بيت لحم

قضى القديس هيرُونمُس حياتَه ومسيرتَه الشخصيّةَ على طُرُقِ الإمبراطوريةِ الرومانية، بين أوروبا والشرق. وُلِدَ حوالي سنة 345 في ستريدون، الواقعةِ على الحدودِ بين دالماسيا وبانونيا، في منطقةِ كرواتيا أو سلوفينيا اليوم. وتلقَّى تربيةً متينةً في عائلةٍ مسيحية. وفقًا للعُرفِ السائدِ في ذلك الوقت، قبِلَ سرَّ المعمودية، في سِنِّ الرُّشد، في السنواتِ التي كانَ فيها في روما طالبًا في علمِ البلاغة، بين سنة 358 و 364. في هذه الفترةِ الرومانيّةِ على وجهِ التحديد، أصبح قارئًا لا يرتوي للنصوصِ اللاتينيةِ الكلاسيكية، التي درسَها على يدِ أشهَرِ أساتذةِ علمِ البلاغةِ في ذلك الوقت.

 

بعد الانتهاء من دراسته، شرعَ في رحلةٍ طويلة إلى بلادِ الغال، أوصلَتْه إلى مدينةِ تْرِير الإمبراطورية، اليوم في ألمانيا. هناك تعرّف، لأوّل مرة، على الخبرةِ النُّسكيَةِ الشرقيّةِ التي نشرَها القديس أثناسيوس. وهكذا نضجَتْ فيه رغبةٌ عميقةٌ رافقَتْه إلى أكويليا حيث بدأ فترةَ حياةٍ مشترَكةٍ مع بعضِ أصدقائِه، “جوقةِ المبارَكين”.

 

نحوَ عام 374، مرَّ بأنطاكية وقرَّر الانعزال في صحراءِ خالكيذا، ليحقِّقَ، بمزيدٍ من الراديكالية، حياةَ الزُّهد، وقد خصَّص فيها مساحةً كبيرةً لدراسةِ لغاتِ الكتابِ المقدس، أولًا اليونانية ثّم العبرية. وطلب من أخٍ يهودي، صار مسيحيًا، أن يعلِّمه، فمهَّدَ له معرفةَ اللغةِ العبريّةِ الجديدة والأصواتِ التي يسمِّيها الأحرفَ “الحادّة والحلقيّة”.

 

اختارَ هيرُونمُس الصحراءَ والحياةَ النُّسكيّةَ وعاشَها بأعمقِ معانيها: فهي مكانٌ للاختياراتِ الوجوديّةِ الأساسيّة، والحميمة، واللقاءِ مع الله. فيها، من خلال التأملِ والتجاربِ الداخلية والجهادِ الرّوحي، توصَّلَ هيرونموس إلى معرفةِ ضعفِه، وإلى وعيٍ أكبر لحدوده وحدودِ غيرِه، وأدرك أهميَّة الدموع. في الصحراء، شعرَ وعرفَ حضورَ الله، وأهميّةَ علاقةِ الإنسان به، وبتعزيتِه الرحيمة. في هذا الصدد، أَوَدُّ أن أذكرَ حكايةً من تقليدٍ منحول. سألَ هيرُونمُس الرّبَّ يسوع: “ماذا تريدُ منّي؟”. أجاب يسوع: ” لم تُعطِني بعدُ كلَّ شيء”. “لكن، يا ربّ، أعطيتُكَ هذا وهذا وهذا…” – “ينقُصُ شيءٌ واحد” – “ما هو؟” – “أعطِني خطاياك حتى أُسَرَّ بمغفرتِها مرةً أخرى”.

 

نجد هيرونمُس مرّةً ثانيةً في أنطاكية حيث رُسِم كاهنًا على يدِ الأسقف باولينُس. ثم نجدُه في القسطنطينية، حوالي سنة 379، حيث التقى غريغوريوس النازيانزي، وواصلَ دراستَه، وكرّسَ جَهدَه لترجمةِ مؤلَّفاتٍ شهيرةٍ من اليونانية إلى اللاتينية (عظات أوريجانُس وكتاب التاريخ لأوسابيوس)، وتنسَّمَ روحَ المجمعِ الذي أقيم في تلك المدينة سنة 381. في هذه السنوات، ظهر شغَفُه وعطاؤُه في الدراسة. إنّه القلَقُ المبارك الذي أرشدَه وجعلَه دؤوبًا وشغوفًا في البحث: «كنتُ أشعرُ أحيانًا باليأس، واستسلمْتُ عدّةَ مرّات. ثم كنتُ أعودُ بقرارٍ عنيدٍ إلى التعلُّم”. قادَتْني “البِذرَةُ المرّةُ” في هذه الدراساتِ إلى قَطفِ “الثمار اللذيذة”.

 

في سنة 382، عادَ هيرُونمُس إلى روما، ووضعَ نفسَه تحتَ تصرُّفِ البابا دامازُس الذي قدَّرَ صفاتِه العديدة، وجعلَه معاونًا قريبًا له. بدأ هيرُونمُس هنا حياةَ نشاطٍ متواصلٍ من غيرِ أن يُهمِل البُعدَ الروحي: على تلّةِ الأفَنتِين في روما، وبفضلِ دعمِ بعضِ النساءِ الأرستقراطيّات الرومانياتِ الراغباتِ في خياراتٍ إنجيليةٍ راديكالية، مثل مارسيلا وباولا وابنتها أوستوكيو، أنشأ جماعةً تهتمُّ بالقراءةِ والدراسةِ الدقيقةِ للكتاب المقدس. كانَ مفسِّرًا ومعلِّمًا ومرشِدًا روحيًّا. في هذا الوقتِ قامَ بمراجعةِ الترجماتِ اللاتينيّة السابقةِ للأناجيل، وربما أيضًا أجزاءَ أخرى من العهدِ الجديد، وواصلَ عملَه كمترجمٍ لعظاتِ أوريجانُس وشروحاتهِ للكتابِ المقدس، وبدأ بمراسلاتٍ عديدة، وواجَهَ المؤلِّفين الهراطقة علانيَةً، أحيانًا بغضبٍ ومبالغة، لكنْ كانَ دائمًا مندفعًا بمشاعرَ صادقةٍ للدفاعِ عن الإيمانِ الحقيقيِّ وعن وديعةِ الكتاب المقدس.

 

انتهَتْ هذه الفترةُ المكثَّفةُ والمفيدةُ بوفاةِ البابا دامازُس. وأُجبِرَ هيرُونمُس على مغادرةِ روما، وتبعَه أصدقاءٌ وبعضُ النساءِ اللواتي رغِبْنَ في مواصلةِ الخبرةِ الروحيّةِ ودراسات الكتابِ المقدس التي بدأْنْ بها. غادرَ إلى مصر – حيث التقى العالِمَ اللاهوتيَّ الكبير ديديمُس الأعمى – ثم توجَّهَ إلى فلسطين، واستقرَّ نهائيًا في بيت لحم سنة 386. استأنفَ هنا دراساتِه اللغوية، مرتكزًا على الأماكنِ نفسِها التي كانَتْ مسرحًا لتلك الروايات.

 

ظهرَت أهميّةُ الأماكنِ المقدَّسةِ في حياتِه في اختيارِه أن يعيشَ في فلسطين، منذ سنة 386 حتى وفاته، وفي خدمتِه للحُجّاج. وفي بيتَ لحم بالتحديد، المكانِ المميَّزِ بالنسبة له، بالقُربِ من مغارةِ الميلاد، أسَّسَ ديرَيْن “توأمَيْن”، للرجالِ والنساء، وهيّأَ أماكنَ لاستقبالِ الحجّاجِ الذين كانوا يأتون إلى الأماكنِ المقدسة، فأظهرَ كرمَه في استضافةِ القادِمين إلى تلك الأرضِ، لرؤيةِ ولمسِ أماكنِ تاريخِ الخلاص. وهكذا جمعَ بينَ طلبِ الثقافةِ وطلبِ الحياةِ الروحية.

 

في الاصغاءِ إلى الكتابِ المقدس، وجدَ هيرُونمُس نفسَه، ووجهَ الله وإخوتَه، ونَقَّى حبَّهُ للحياةِ الجماعيّة. من هنا جاءَتْ رغبتُه في أن يعيشَ مع الأصدقاء، كما فعلَ لمـَّا كانَ في أكويليا، وأن يؤسّسَ جماعاتٍ رهبانيّة، متَّبِعًا المثَلَ الأعلى للحياةِ الرهبانيّة الجماعيّةِ الذي يعتبرُ الديرَ “مكانَ تدريبٍ” لتنشئة أناس “يعتبرون أنفسَهم أدنى من الجميعِ حتى يكونوا أوائلَ بينَ الجميع”، سعداءَ في الفقر، وقادرين على أن يعلِّموا بأسلوبِ حياتِهم الخاصّ. في الواقع، يعتقد هيرُونمُس أنَّ العيشَ “تحتَ قيادةِ رئيسٍ واحدٍ، وفي صُحبةِ الكثيرين”، هو أسلوبُ تنشئةٍ صحيحٍ لتعلُّمِ التواضعِ والصبرِ والصمتِ والوداعةِ والوعيِ بأنَّ “الحقيقةَ لا تحِبُّ الزوايا المظلمة، ولا تَبحَثُ عن الوشوشات”. ويعترفُ أيضًا أنّه “يتوقُ إلى قِلَّاياتِ الدير، […] ويرغَبُ في طريقةِ عملِ النَّملِ، حيث يعملُ الجميعُ معًا ولا يوجدُ شيءٌ يخصُّ أحدًا، وكلُّ شيءٍ هو للجميع”.

 

لم يجِدْ هيرُونمُس في دراستِه متعةً عابرةً لنفسِه، بل تدريبًا في الحياةِ الروحيّة، ووسيلةً للوصولِ إلى الله، وبالتالي أيضًا إعادةَ ترتيبٍ لتنشئتِه الكلاسيكيّة لمـَّا زادَ نُضجُه وأخذَ يخدِمُ الجماعةَ الكنسيّة. لنفكِّرْ في المساعدةِ التي قدَّمَها إلى البابا دامازُس، وفي التعليمِ الذي وفَّرَه للنساء، وخاصّةً في اللغةِ العبرية، منذ أوّلِ عِلِيَّةٍ على تَلَّةِ الأفنتين، لدرجةِ أنّ باولا وابنتَها أوستوكيو دخلتا “في اجتهادات المترجمين”، وضَمِنَ لهنَّ القدرةَ على قراءةِ وإنشادِ المزاميرِ في اللغة الأصليّة، وهو شيءٌ لم يُسمَعْ بمِثلِه في ذلك الوقت.

 

ثقافتُه هي للخدمة، وقد أكَّدَ مرارًا أنها ضروريّة لكلّ مبشِّر. هذا ما ذكّر به هيرُونمُس صديقَه نيبوتسيانو: “يجبُ أن تكتسبَ كلمةُ الكاهنِ نَكهةً من قراءةِ الكتابِ المقدس. لا أريدُك أن تكونَ خطيبًا أو مخادعًا كثيرَ الكلام، بل أريدُكَ أن تفهمَ العقيدةَ المقدَّسةَ (أسرارَ العقيدة)، وتعرِفَ معرفةً عميقةً تعاليمَ إلهِكَ (الأسرار السبعة). عادةُ الجُهّالِ أن يتلاعبوا بالكلماتِ لينالوا إعجابَ الشعبِ غيرِ الخبيرِ بالكلامِ المتدفِّق. من كانَ بلا حياءٍ يَشرحُ ما لا يعرفُه ويدَّعِي أنه خبيرٌ كبيرٌ فقط لأنه نجحَ في إقناعِ الآخرين”.

 

عاشَ هيرُونمُس في بيتَ لحم، حتى وفاتِه في سنة 420، أكثرَ فَتَراتِ حياتِه إنتاجًا ونشاطًا، مكرِّسًا نفسَه بصورةٍ كاملةٍ لدراسةِ الكتابِ المقدس، وقد أَكَبَّ على العملِ الهائلِ الذي بدأه لترجمةِ العهدِ القديمِ بأكمله، انطلاقًا من اللغةِ العبريّةِ الأصليّة. وفي الوقتِ نفسِه، فسَّرَ أسفار الأنبياءِ والمزاميرَ ورسائلَ بولسَ الرسول، وكتبَ كُتبًا مساعِدةً لدراسةِ الكتابِ المقدَّس. إنّ العملَ الثمينَ الذي تجمَّع في مؤلَّفاتِه هو ثمرةُ مقارنةٍ وتعاوُنٍ، ونَسخِ وترتيبِ مخطوطات، وتأمُّلٍ ومناقشة: “لم أثِق قط بقوَّتي الخاصّة لدراسةِ الكتبِ الإلهيّة، […] أنا معتادٌ على طرحِ الأسئلة، حتى في ما كنتُ أعتقدُ أنّي أعرِفٌه، وبحُجَّةٍ أَولَى في ما لم أكُنْ متأكِّدًا منه”. لذلك، لأنّه كانَ يَعرِفُ حدودَه، طلبَ دائمًا العونَ في الصلاةِ من أجلِ نجاحِ ترجمتِه للنصوصِ المقدَّسة “بنَفسِ الروحِ التي كُتبَتْ فيها”. دون أن ينسى بأن يُترجمَ أيضًا كتاباتِ بعضِ المؤلِّفين الضروريّةَ في مجالِ التفسير، مِثلَ أوريجانُس، من أجل “توفيرِ هذه المادّةِ لمن يريدُ أن يتعمَّقَ في الدراساتِ العلميّة”.

 

تظهرُ لنا دراسةُ هيرُونمُس على أنّها جَهدٌ مبذولٌ في الجماعةِ وفي خدمةِ الجماعة. هي نموذجٌ للروحِ السينوديّةِ لنا أيضًا، ولزمَنِنا وللمؤسَّساتِ الثقافيّةِ الكنسيّةِ المختلفة، حتى تكونَ دائمًا “مكانًا حيثُ المعرفةُ تصيرُ خدمةً، لأنّه بدونِ معرفةٍ تنشأُ من التعاون وتؤدِّي إلى التعاون، لا يوجَدُ تطوُّرٌ بشرِيٌّ حقيقِيٌّ ومتكامل”. أساسُ هذه الشركةِ الروحية هو الكتابُ المقدّس، الذي لا يمكنُنا أن نقرأَه وحدَنا: ” كُتِبَ الكتابُ المقدّسُ على يدِ شعبِ الله ومن أجلِ شعبِ الله، بوَحيٍ من الرّوحِ القدس. في هذه الشركةِ الروحية فقط مع شعبِ الله، يمكنُنا أن ندخُلَ حقًا “نحن” كلُّنا في نواةِ الحقيقةِ التي يريدُ الله نفسُه أن يقولَها لنا”.

 

خبرةُ حياته الزاخرةٍ، التي تُغَذِّيها كلمةُ الله، جعلَتْ هيرُونمُس، من خلالِ مراسلاتٍ كثيفة، مرشدًا روحيًّا. صار رفيقَ سَفَر، مقتنعًا بأنه “لا يوجَدُ فنٌّ يمكِنُ تعلُّمُه من دونِ معلِّم”، كما كتبَ لروستيقُس: “ما أريدُ أن أجعلَكَ تفهمُه هو هذا: أَني أُمسِكُ بيدِكَ، كما لو كنتُ أنا بحّارًا، واجهتُ العديدَ من تحطُّمِ السُّفُن، وأحاولُ إرشادَ بحّارِ قليلِ الخبرة”. من تلك الزاويةِ المسالمةِ من العالم، تابعَ هيرُونمُس البشريَّةَ في عصرٍ تقلُّباتٍ كبيرة، حدثَ فيها أحداث ٌمثلُ نهب روما سنة 410، تركَتْ في نفسِه أثَرًا عميقًا.

 

تركَ لنا في رسائلِه مناقشاتِه في التعليمِ والعقائد. كانَتْ دائمًا دفاعًا عن الإيمان الصحيح. وظهرَ فيها أنه رجلٌ صاحبُ علاقاتٍ، تتَّسِمُ بالقوّةِ واللِين، والتزامٍ كاملٍ، من دونِ مواربةٍ أو مجاملة، وقد اختبرَ أنّ “المحبةَ لا تُقدَّرُ بثمن”. عاشَ عواطفَه باندفاعٍ وصِدقٍ. ونجد أيضًا التزامَه في الأوضاعِ التي يعيشُ فيها، في أنّه قدَّمَ عملَه في الترجمةِ والتفسيرِ على أنه “مُهِمّةُ صداقة”. فهو عطاء أولًا للأصدقاء، الذين يكتبُ إليهم أو يُهدِي إليهم كتاباتِه، والذين يطلُبُ منهم قراءتَها بنظرةٍ وِدِّيّةٍ لا نقديّة، وثانيًا، هو عطاء للقُرَّاءِ معاصرِيه، وفي كلِّ الأزمنة.

 

قضى السنواتِ الأخيرةَ من حياتِه في القراءةِ المصلِّيَة مع الكتابِ المقدّس، وحدَه أو مع الجماعة. قضاها في التأمُّل، وفي خدمةِ إخوتِه من خلالِ كتاباتِه. كان كلُّ ذلكَ في بيتَ لحم، في جوارِ المغارةِ، حيث الكلمةُ وُلِدَ من العذراء، مدركًا أنه “مغبوطٌ هو مَن يَحمِلُ في قلبِهِ الصليبَ والقيامةَ ومكانَ ميلادِ المسيحِ وصعودِه! ومغبوطٌ مَن يملِكُ في قلبِه بيتَ لحم، وفي قلبِه يولَدُ المسيحُ كلَّ يوم!”.

 

مفتاح الحكمة لفهم شخصيته

لِنفهَمَ فَهمًا كاملًا شخصيّةَ القدّيسِ هيرُونمُس، من الضّروريِّ أن نجمعَ بين سِمَتَيْن تميِّزان حياتَه كمؤمن: من ناحية، تكريسٌ مطلَقٌ وحازِمٌ لله، مع التخلِّي عن كلِّ مسرَّةٍ بشريّة، حبًّا للمسيح المصلوب (را. 1 قور 2، 2؛ فل 3، 8. 10)؛ ومن ناحيةٍ أخرى، الالتزامُ بدراسةٍ جادّةٍ، فقط من أجلِ المزيدِ من الفَهم لسِرِّ الرّبِّ يسوع. هذه الشهادةُ المزدوجةُ على وجهِ التحديد، التي قدَّمها القديسُ هيرُونمُس بصورةٍ عجيبةٍ، هي النموذجُ المقدَّمُ لنا: أولاً وقبلَ كلِّ شيءٍ للرهبان، حتى يُشجَّعَ الذي يعيشُ في الزُّهدِ والصلاةِ على تكريسِ ذاتِه للعملِ الجادِّ في البحثِ والفكرِ، وثانيًا للعلماءِ، حتى يتذكَّروا أنّ المعرفةَ صالحةٌ دينيًّا فقط إذا كانَتْ مؤسَّسةً على محبةِ الله لا غير، وعلى التجرُّدِ من كلِّ طمعٍ بشريٍّ وتطلُّعاتٍ أرضيّة.

 

تَمَّ دَمجُ هذَيْن البُعدَيْن في تاريخِ الفنّ، حيث نجدُ رسوماتِ كثيرة للقديسِ هيرُونمُس: وقد تركَ لنا معلِّمون كبارٌ في الرَّسم الغربيّ رسوماتِهم فيه. يمكنُنا أن ننظِّمَ أنواعَ الرسوماتِ في صِنفَيْن مختلفَيْن. يَصِفُه الصِّنفُ الأوّل بأنه راهِبٌ وتائِبٌ، وبجسَدٍ نحَتَهُ الصوم، منعزلًا في المناطقِ الصحراويّة، راكعًا أو ساجدًا على الأرض، وفي كثيرٍ من المرّاتِ يُمسِكُ حَجرًا بيدِه اليُمنَى ليَضرِبَ به صدرَه، وعيناه تحدِّقان إلى الصليب. في هذا الخطّ نجدُ التحفةَ المؤثِّرةَ لليوناردو دا فنشي المحفوظةَ في متحف الصورِ في الفاتيكان. الصنفُ الثاني، يصوِّرُ هيرُونمُس في صورة دارسٍ، جالسًا على مكتبِه، منحنيًا على ترجمةِ الكتابِ المقدّس وشرحِه، محاطًا بالمجلَّداتِ والمخطوطات، منهمكًا في مهمّة الدفاعِ عن الإيمانِ بفكرِه وكتابتِه. ومثال آخر شهير، الفنان ألبرخت دورِر الذي صوَّره أكثرَ من مرَة في هذا الموقف.

 

نجِدُ المظهرَيْن المذكورَيْن أعلاه في لوحةِ كارافاجيو، في معرضٍ بورغيزي في روما: صوّرَه الفنّانُ في الواقع في مشهدٍ واحدٍ، زاهدًا مُسِنًّا، تَغطِّيه جزئيًا قطعةُ قماشٍ حمراء، وعلى مكتبِهِ جمجمةٌ، رمزُ غرورِ الأمورِ الأرضيّة، وفي الوقت نفسه، صوَّرَه دارسًا، عيناه مُثبَتَتان في الكتاب، ويده تَغمِسُ الريشةَ في المحبرة، – العمَلُ المميِّزُ للكاتب.

 

في الواقع، يجبُ أن نفهمَ وَجهَيْ مسيرةِ حياةِ هيرُونمُس، بطريقةٍ مماثلةٍ، يمكنُ أن أسمِّيَها حِكَميّةً. عندما، كانَ يتكلَّمُ كـ”أسَدِ بيتَ لحم”، ويبالغُ في لهجتِه، كانَ يفعلُ ذلك بحثًا عن الحقيقةِ التي كانَ مستعدًّا لأن يكونَ خادمًا لها من غير قيدٍ أو شرط. ويشرحُ هو نفسُه في أُولى كتاباتِه، في حياة القديس بولس، ناسك طيبة، فيقولُ إنّ الأسُودَ قادرةٌ على “زئيرٍ قويّ” ولكنَّها قادرةٌ على الدموع أيضًا. لهذا، ما يظهرُ في شخصيّتِه مثل مِيزَتَيْن متراكبتَيْن إنما هو في الواقع، عناصرُ أتـاحَ له الرّوحُ القدّسُ أن يُنَضِّجَ بها وحدتَه الداخليّة.

 

محبة الكتاب المقدّس

السِّمَةُ المميِّزَةُ لصورةِ القديسِ هيرُونمُس الروحيّةِ، هي بلا شكٍّ محبّتُه الشديدةُ لكلمةِ الله، المسلَّمَةِ للكنيسةِ في الكتابِ المقدّس. كانَ جميعُ معلِّمي الكنيسة – ولا سيَّما في الحقبةِ الأولى للمسيحيّة – يستمدُّون محتوياتِ تعاليمِهم صراحةً من الكتابِ المقدّس. أما القديسُ هيرُونمُس فقد فعلَ ذلك بطريقةٍ أكثرَ منهجيّةً، وبأسلوبٍ ٍ فريدٍ في بعض الآيات.

 

اكتشفَ المفسِّرون مؤخرًا العبقريَّةَ في الروايةِ والشعرِ في الكتابِ المقدّس، ويُمتدَحُ اليومَ بسببِ جُودتِه التعبيريّة. أمّا هيرُونمُس فقد ركَّزَ بالأحرى في الكتابِ المقدّس على طابَعِ التواضعِ في وحيِ الله عن ذاته، إذ عبَّر عنه في الأطُرِ القاسيةِ والبدائيّةِ للغَةِ العبريّة، مقارنةً مع رِقّةِ لغةِ شيشرون اللاتينية. فهو لا يكرِّسُ نفسه للكتاب المقدّس، للبحث عن الجمال الأدبي، بل – كما هو معروف –كرَّسَ نفسَه للكتابِ المقدّس فقط لأنه يقودُه إلى معرفةِ المسيح، لأنّ جهلَ الكتُبِ المقدّسةِ هو جَهلٌ للمسيح.

 

يعلّمُنا هيرُونمُس أنه ينبغي ألّا نَدرسَ فقط الأناجيل، ولا نفسِّرَ فقط التقليدَ الرسوليَّ وحدَه الموجودَ في سفرِ أعمالِ الرسلِ والرسائل. لأنه لا غنًى عن العهدِ القديمِ كلِّه لإدراكِ حقيقةِ وغنى المسيح. تشهدُ صفحاتُ الإنجيلِ نفسُها على هذا: فهي تحدِّثُنا عن يسوع المعلِّمِ الذي لجأَ إلى موسى والأنبياءِ والمزاميرِ لشرحِ سِرِّه (را. لو 4، 16-21؛ 24، 27. 45-47). كذلك بشارةُ بطرس وبولس، في سفرِ أعمالِ الرسل، كلُّها متجذِّرةٌ بشكلٍ رمزيٍّ في الأسفارِ المقدَّسةِ القديمة. بدونِها لا يمكنُ فهمُ صورةِ ابنِ الله، المسيحِ المخلِّص، فهمًا كاملًا. يجبُ ألّا يُعتبَرَ العهدُ القديمُ على أنه فقط مجموعةٌ كبيرةٌ من الاقتباساتِ التي تُثبِتُ تحقيقَ النبوءاتِ في شخصِ يسوعَ الناصريِّ، بل تَلزَمُ قراءةٌ معمّقةٌ أكثرَ من ذلك، نجدُ فيها أنه فقط في ضوءِ “شخصيّاتِ” العهدِ القديم، يمكنُنا أن نفهمَ تمامًا معنى الحدَثِ الذي هو المسيح، والذي تمّ في موتِه وقيامتِه. ومن هنا، ضرورةُ إعادةِ اكتشافِالاسهام الذي يقدّمه العهدِ القديم، في التعليمِ المسيحيّ وفي عمل البشارة، وكذلك في الدراساتِ اللاهوتيّةِ، واكتشافُ غناه ودورِه، وضرورةُ قراءتِه واستيعابِه بمثابةِ غذاءٍ ثمين (حز 3، 1-11؛ رؤ 10، 8-11).

 

كرَّسَ هيرُونمُس نفسَه تكريسًا كاملًا للكتاب المقدّس، تجلَّى بصورةٍ معبِّرةٍ ومندفعة، على غرار الأنبياء القدامى. ومنهم استمدَّ النارَ الداخليّةَ التي أصبحَتْ كلمةً مندفعةً ومدوِّيةً (را. إر 5، 14؛ 20، 9؛ 23، 29؛ ملا 3، 2؛ سي 48، 1؛ متى 3، 11؛ لو 12، 49)، ضروريَّةً للتعبيرِ عن غَيْرةِ الخادمِ المتَّقدةِ في سبيلِ الله. في أعقابِ إيليا، ويوحنا المعمدان، وحتى بولس الرسول، فإنَّ الغضبَ أمامَ الأكاذيبِ والنفاقِ والتعاليمِ الزائفةِ يُوقِدُ خطابَ هيرُونمُس، ويجعلُه استفزازيًا وقاسيًا في ظاهرِه. يمكنُ فَهمُ اللهجةِ الجدَليّةِ في كتاباتِه بشكلٍ أفضلَ إذا نظرْنا إليها مثلَ نَسخٍ وتحقيقٍ للتقليدِ النبويِّ الأصيل. هيرُونمُس هو نموذجٌ لشهادةٍ للحقيقةِ لا تنثني، ويلجأُ لذلك إلى التنديدِ العنيفِ ليَحمِلَ على الاهتداء. في شدَّةِ أسلوبِ الكلامِ والصُّوَرِ، تتجلَّى شجاعةُ الخادمِ الذي لا يريدُ إرضاءَ الناس بل الرّبَّ يسوع فقط (غل 1، 10)، الذي من أجله استنفد هيرونمُس كلَّ طاقتِه الروحيّة.

 

دراسة الكتاب المقدّس

محبَّةُ القديسِ هيرُونمُس الشديدةُ للكتابِ المقدّس مُشبَعَةٌ بالطاعة. أوّلًا الطاعةُ أمامَ الله، الذي يتواصلُ معنا بكلامٍ يتطلَّبُ الإصغاءَ بوقار[31]، وثانيًا طاعةُ الذين يُمثِّلون في الكنيسةِ تقليدَ التفسيرِ الحيّ للرسالةِ المـُوحَى بها. مع ذلك، فإنّ “طاعَةَ الإِيمان” (ر 1، 5؛ 16، 26) ليسَتْ مجرَّدَ قبولٍ سلبيٍّ لما هو معروف. إنّها تتطلَّبُ، عكسَ ذلك، الالتزامَ الفعّالَ بالاجتهادِ الشخصيِّ. يمكنُنا أن نعتبرَ القديس هيرُونمُس “خادمًا” أمينًا مجتهدًا لكلمةِ الله، ومكرِّسًا نفسَه كاملًا ليوفِّرَ لإخوتِه في الإيمان فهمًا كافيًا “للوديعة” المقدَّسةِ المـُوكَلةِ إليهم (را. 1 طيم 6، 20؛ 2 طيم 1، 14). بدونِ فهمِ ما كتبَه المؤلِّفون المـُلهَمون، تَخلُو كلمةُ الله نفسُها من الفعّالية (را. متى 13، 19) ولا يمكنُ أن تتفجَّرَ منها محبَّةُ الله.

 

والآن، لا يمكنُ دائمًا فهم صفحاتِ الكتابِ المقدس على الفور. كما قال إشعياء (29، 11)، حتى إلى الذين يعرفون “القراءة” – أي الذين تلقَّوْا تنشئةً فكريّةً كافيةً –يبدو الكتابُ المقدّس، من دون التفسير، “مختومًا” ومُغْلقًا بإحكام. لذلك من الضروريِّ أن يتدخَّلَ شاهدٌ كُفْءٌ ليأتيَ بالمفتاحِ الذي يحرِّرُ، مفتاحِ المسيحِ الرّبّ، الوحيدِ القادرِ على فكِّ الأختامِ وفَتحِ السِّفرِ (را. رؤ 5، 1-10)، فيكشفَ تدفُّقَ النعمةِ المـُذهِل. (را. لو 4، 17-21). ومع ذلك، يُعلِنُ الكثيرون، حتى بينَ المسيحيّين الممارسين لإيمانِهم، أنّهم غيرُ قادرين على القراءة (را. أش 29، 12)، ليس بسببِ الأُمِّيَّة، بل لأنّهم غيرُ مؤهَّلين للغةِ الكتابِ المقدّس، وأنماطِه التعبيريّة والتقاليدِ الثقافيّةِ القديمة، ولهذا من الطبيعي أن يتعذَّرَ فكُّ رموزِ نصِّ الكتابِ المقدَّس، كما لو أنه كُتِبَ بأبجديةٍ غيرِ معروفةٍ ولغةٍ غامضة.

 

وساطةُ المفسِّرِ إذًا أمرٌ ضروريٌّ، ليمارِسَ مهمَّةَ “الشمّاسِ”، ويضعَ نفسَه في خدمةِ من لا يستطيعُ فَهمَ معنى ما كُتِبَ بصورةٍ نبويّة. الصورةُ التي يمكنُ استحضارُها هنا هي صورةُ الشماسِ فيلبس، الذي أرسلَه الرّبُّ يسوع لمقابلةِ الخصِيّ الذي كانَ يقرأُ فَقرةً من سفرِ إشعياء في عربتِه (53، 7-8)، دون أن يكونَ قادرًا على كشفِ معناها. سألَ فيليبس: “هَل تَفهَمُ ما تَقرَأ؟” فأجابَ الخصِيُّ: كَيفَ لي ذلك، إِن لم يُرشِدْني أَحَد؟” (رسل 8، 30-31).

 

هيرُونمُس هو مرشدُنا سواء لأنّه يقودُ، مِثلَ فيلبس (رسل 8، 35)، كلَّ قارئٍ إلى سِرِّ يسوع، أو لأنّه يأخُذُ على نفسِه بصورةٍ مسؤولةٍ وبشكلٍ منهجيِّ الوساطةَ التفسيريّةَ والثقافيّةَ اللازمةَ لقراءةٍ صحيحةٍ ومثمرةٍ للكتابِ المقدّس. الكفاءةُ في اللغاتِ التي نُقلَتْ بها كلمة الله، والتحليلُ الدقيقُ للمخطوطاتِ وتقييمُها، والحفريّاتُ الأثَريّةُ الدقيقة، بالإضافةِ إلى معرفةِ تاريخِ التفسير، وجميعِ المراجعِ المنهجيّة، التي كانت متوفِّرةً في عصرِه التاريخيّ، يستخدمُها هيرُونمُس، بتناسقٍ وحكمة، للتوجيهِ نحوَ فَهمِ صحيحٍ للكتابِ المقدّسِ المـُوحَى به.

 

هذا البعدُ النموذجيُّ لنشاطِ القديسِ هيرُونمُس هو في غايةِ الأهميّةِ في كنيسةِ اليومِ أيضًا. إذا كانَ الكتابُ المقدس، هو، كما تعلِّمُنا الوثيقة “كلمة الله” Dei Verbum، “مِثلَ روحِ علم اللاهوتِ المقدس” ومِثلَ العمودِ الفقرِيِّ الروحيِّ للممارسةِ الدينيّةِ المسيحيّة، فمن الضّروري أنّ تَدعَمَ كفاءاتٌ نوعيّةٌ العملَ التفسيريَّ للكتابِ المقدّسِ.

 

من المؤكَّدِ أنّ المراكزَ الممتازةَ للدراساتِ الكتابيّةِ تخدُمُ هذا الغرضَ (مثلَ المعهدِ البابويِّ لدراسةِ الكتابِ المقدّسِ في روما، وفي القدس مدرسةُ الكتابِ المقدَسِ للآباءِ الدومينيكان، ومعهدُ الآباءِ الفرنسيسكان للكتابِ المقدس)، وكذلك المراكزُ لدراسةِ آباءِ الكنيسة (مثلَ معهدِ الأغسطينيانوم في روما). ولكنْ أيضًا كلُّ كليّةٍ للاهوتِ يجبُ أن تَسعَى جاهدةً لتعليم الكتابِ المقدّس بحسَبِ برامجَ تضمنُ للطلابِ كفاءةً في التفسير، سواءٌ في تفسيرِ النصوصِ أم في الكتُبِ اللاهوتيّة الكتابيّة. للأسف، يتجاهل الكثيرون غِنى الكتابِ المقدّس أو يقلِّلون من أهميّتِه، لأنّه لم تُوَفَّرْ لهم الأسُسُ الجوهريّةُ للمعرفة. لذلك، بالإضافةِ إلى ازديادِ الدراساتِ الكنسيّةِ الموجَّهةِ إلى الكهنةِ ومعلِّمي التعليمِ المسيحي، والتي تعزِّزُ الكفاءةَ في الكتابِ المقدَّس بطريقةٍ مناسبةٍ، يجبُ العملُ على تنشئةِ جميعِ المسيحيين، بحيث يصبحُ كلُّ واحد قادرًا أن يفتحَ الكتابَ المقدّسَ ويستخرجَ منه ثمارًا لا تُقدّرُ بثمن، ثمارَ حكمةٍ ورجاءٍ وحياة.

 

أوَدُّ هنا أن أذكّرَ بما قالَه سلفي في الإرشادِ الرسولي “كلمةُ الرّبّ” Verbum Domini: “تُفهَمُ أَسراريّة كلمةِ الله مثلَ الحضورِ الحقيقيِّ للمسيحِ تحتَ شكلَيْ الخبزِ والخمرِ المكرَّسَيْن. […] يقولُ القدّيسُ هيرُونمُس في الموقفِ الذي ينبغي أن نتّخذَه تجاهَ الإِفخارستيّا وتجاهَ كلمةِ الله: “نحنُ نقرأُ الكتُبَ المقدّسة. وأنا أعتقدُ أنّ الإِنجيلَ هو جسدُ المسيح. أنا أعتقدُ أنّ الكتُبَ المقدّسةَ هي تعليمُه. وعندما يقولُ: إِنْ لم تأكلُوا جسدَ ابنِ الإنسانِ وتشرَبوا دمَهُ (يو 6، 53)، فمعَ أنّه يمكنُ فَهمُ هذه الكلمات عن سِرِّ [الإِفخارستيّا]، أنا أعتقد أنّ جسدَ المسيحِ ودمَه هما حقًّا كلمةُ الكتابِ المقدّس، وهما تعليمُ الله”.

 

وللأسف، في العديدِ من العائلاتِ المسيحيّةِ، لا أحدَ يشعُرُ بنفسِه مؤَهَّلًا -كما هو مطلوب في التوراة (را. تث 6، 6) – لأن يُعرِّفَ أولادَهُ كلمةَ الرّبّ بكلّ جمالِها وبكلِّ قوّتِها الروحيّة. لهذا السبب، أردتُ أن أُنشِئَ يومَ “أحدِ كلمةِ الله”، لأشجِّعَ على القراءةِ المصليّة للكتاب المقدّس والتقرُّبِ من كلمةِ الله[39]. كذلك تزدادُ غِنًى كلُّ الممارساتِ الدينيّةِ ويتَّضحُ معناها، وتُوضَعُ في مكانِها بحسب ترتيب القيم، وتُوَجَّهُ إلى ما يشكِّلُ قِمَّةَ الإيمانِ أي: القبولُ الكاملُ لسرِّ المسيح.

 

(الفولغاتا) أو الترجمة اللاتينية للكتاب المقدّس

“أحلى ثمَرَةٍ للبِذارِ الشّاقّةِ” في دراسةِ اللغَةِ اليونانيّةِ والعبريّةِ، التي أنجزَها هيرُونمُس، هي ترجمةُ العهدِ القديمِ من اللغَةِ العبريّةِ الأصليّةِ إلى اللغةِ اللاتينيّة. حتى ذلك الوقت، كانَ مسيحيّو الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ لا يمكنُهم أن يقرأوا الكتابَ المقدَّسَ كُلَّه إلّا باللغَةِ اليونانيّةِ. أسفارُ العهدِ الجديدِ كُتِبَتْ باللغَةِ اليونانيّةِ، أمّا أسفارُ العهدِ القديمِ فقد جُمِعَتْ كلُّها في النسخةِ السبعينيّةِ (أي نسخةِ السبعينَ مُترجِمًا) التي أعدَّتْها الجماعةُ اليهوديَّةُ في الإسكندريّة، في القرنِ الثاني قبلَ الميلاد. لكن، بالنسبةِ للقُرّاءِ الناطقين باللغَةِ اللاتينيّة، لم تكُنْ لهم نسخَةٌ كاملةٌ للكتابِ المقدّس بلُغَتِهم الخاصّة. وُجِدَتْ فقط بعضُ الترجمات الجزئيّةِ وغيرِ الكاملة، وانطلاقًا من اللغَةِ اليونانية. يعودُ الفضلُ لهيرُونمُس، وأتباعِه من بعدِه، أنّهم قاموا بمراجعةٍ وترجمةٍ جديدةٍ لكلّ الكتابِ المقدّس. بدأَ هيرُونمُس في روما مراجعةَ الأناجيلِ والمزاميرِ، بتشجيعٍ من البابا دامازُس، ثم تابعَ في عزلتِه في بيتَ لحم ترجمةَ جميعِ كتُبِ العهدِ القديمِ مباشرةً من اللغةِ العبريَة: وقد استمرَّ عملُه هذا سنوات.

 

لإكمالِ عملِ الترجمةِ هذا، استخدَمَ هيرُونمُس معرفتَهُ للغَةِ اليونانيّة والعبريّة، بالإضافةِ إلى تنشئتِه المتينةِ باللغَةِ اللاتينيّة. واستفادَ من الأدواتِ اللُغَوِيَةِ المتوفِّرةِ، ولا سيَّما النسخة السداسيّة لأوريجانوس (Hexapla). وقد جمعَ النصُّ النهائيُّ بين التواصُلِ في العبارات، التي أصبحَتْ جزءًا من اللغةِ العامّةِ الدارجةِ آنذاك، وبين الأمانةِ لأسلوبِ اللغَةِ العبريّة، من دونِ التضحيةِ بجمالِ اللغَةِ اللاتينيّة. فجاءَت النتيجةُ عملًا فنيًّا حقيقيًّا ميَّز التاريخَ الثقافيّ في الغرب، وكوَّنَ لغتَهُ اللاهوتيّة. بعد أن تغلَّبَتْ ترجمةُ هيرُونمُس على بعضِ الرَّفضِ الأوَّلي، أصبحَتْ على الفورِ تراثًا مشتركًا لكلٍّ من العلماءِ والشعبِ المسيحيّ، ومن هنا التسميةُ (الفولغاتا) أي الترجمة الشائعة أو التي درَجَ استعمالُها. تعلَّمَتْ أوروبا في العصورِ الوسطى أن تقرأَ وتصلِّيَ وتفكِّرَ في صفحاتِ الكتابِ المقدَّس التي ترجمَها هيرُونمُس. وهكذا أصبحَ “الكتابُ المقدَّس نوعًا من “كتاب هائل للمفردات” (ب. كلوديل) و”أطلسَ الأيقونات” (م. شاغال)، الذي غَرَفَتْ منه الثقافةُ والفنُّ المسيحي”. ثمَّ ظلَّتْ الآدابُ والفنونُ، وحتى اللغَةُ الشعبيّة، تستمدُّ باستمرارٍ من ترجمةِ هيرُونمُس للكتابِ المقدّس، فتركوا لنا كنوزًا من الجمالِ والتقوى.

 

اعترافًا بهذه الحقيقةِ التي لا جدالَ فيها، أقرَّ مجمعُ ترنتو صِحّةَ وأصالةَ ترجمةِ “الفولغاتا” بالمرسوم Insuper، معبِّرًا عن تقديرِه لاستخدامِ الكنيسةِ لها مدةَ قرون، ومؤكِّدًا على قيمتِها كأداةٍ للدراسةِ والوعظِ والجدالاتِ العامّة. ومعَ ذلك، لم يحاوِلْ مجمعُ ترِنتو التقليلَ من أهميّةِ اللغاتِ الأصليّة، كما لم يكِفَّ هيرُونمُس عن التذكيرِ بذلك، ولا منَعَ مشاريعَ ترجمةٍ كاملةٍ جديدةٍ في المستقبل. أرادَ القدِّيسُ البابا بولس السادس، استجابةً لتفويضٍ من آباء المجمع الفاتيكاني الثاني، استكمالَ مراجعةِ ترجمةِ “الفولغاتا” وإتاحةَ استخدامِها في الكنيسةِ كلِّها. ولذلك، استطاعَ القديسُ البابا يوحنا بولس الثاني، في الدستورِ الرسوليّ، “كنزُ الكتاب المقدّس”، أن يُعلِنَ رسميًّا نشرَ الطبعةِ الأولّى المسمَّاة “الفولغاتا الجديدة” عام 1979.

 

الترجمة وسيلة مثاقفة

نجحَ هيرُونمُس، بترجمتِه هذه، في عمليّةِ مثاقفةٍ دمجَتْ الكتابَ المقدّسَ في اللغَةِ والثقافةِ اللاتينيّة، وأصبحَت هذه العمليّةُ نموذجًا دائمًا لعملِ الكنيسةِ الإرساليّ. في الواقع، “عندَما تتقبَّلُ جماعةٌ بُشرَى الخلاص، يُخَصِّبُ الرّوحُ القدسُ ثقافتَها بقدرةِ الإنجيلِ التي تبدِّلُ الأمور”، وبالتالي يَنشأُ نوعٌ من العملِ الدائرِيّ: كما أنّ ترجمةَ هيرُونمُس مدينةٌ للغةِ وثقافةِ العصرِ اللاتينيّ الكلاسيكيّ، التي تظهرُ بصماتُه بوضوح، كذلك أصبحَتْ ترجمتُه، بلُغَتِها ومحتواها الرمزيّ والتصوِيريّ البليغ، عنصرًا خلَّاقًا للثقافة.

 

تعلِّمُنا ترجمةُ هيرُونمُس أنّ القِيَمَ والأشكالَ الإيجابيّةَ في كلّ ثقافة هي إغناءً للكنيسةِ بأكملِها. إنّ الطرقَ المختلفةَ التي تُعلَنُ فيها كلمةُ الله وتُفهَمُ وتَعاشُ، مع كلِّ ترجمةٍ جديدةٍ، تُغنِي الكتابَ المقدَّسَ نفسَه، لأنّه “يَنمُو مع القارئ”، وَفقًا للقولِ المشهورِ لغريغوريوس الكبير، ذلك لأنه ينالُ على مَرِّ القرون لهجاتٍ وأصواتًا جديدة. إنّ إدخالَ الكتابِ المقدّس والإنجيلِ في ثقافاتٍ مختلفةٍ يجعلُ الكنيسةَ تتجلَّى بشكلٍ متزايدٍ “كالعَروسِ الَّتي تَتَحَلَّى بِزينَتِها” (اش 61، 10). ويشهدُ القارئُ، في نفسِ الوقتِ، على أنّ الكتابَ المقدّسَ يحتاجُ إلى أن يُتَرجَمَ باستمرارٍ إلى المجموعات اللُغَوِيّةِ والذهنيّةِ لكلّ ثقافةٍ وكلِّ جيل، حتى في ثقافةِ عصرِنا العلمانيّةِ والعالميّة.

 

ذكَرْنا، بحقّ، أنّه من الممكِنِ إقامةُ تشابُهٍ بين الترجمةِ، على اعتبارِها عملًا من أعمالِ الضيافةِ اللغويّة، وبين أشكالٍ أخرى من الضيافة. لهذا السبب، ليسَتْ الترجمةُ عملًا متَّصِلًا باللغةِ فقط، بل هي في الواقعِ مرتبطةٌ بقرارٍ أخلاقيٍّ أوسَع، يرتبطُ بدورِه برؤيةٍ الحياةِ بأكملِها. بدونِ ترجمة، لن تتمكَّنَ الجماعاتُ اللغويّةُ المختلفةُ أن تتواصلَ بعضُها مع بعض، وسنُغلِقُ أبوابَ التاريخِ في وجهِ بعضِنا البعض، ونُنكِرُ إمكانيّةَ بناءِ ثقافةِ اللقاء. بدونِ ترجمةٍ لا توجَدُ ضيافة، بل تُعزَّزُ ممارساتُ العَداء. المترجمُ هو باني جسور. كم من الأحكامِ المتهوِّرة، وكم من إدانة وصراعاتٍ نشأتْ لأننا نَجهلُ لغةَ الآخَرين، ولأننا لا نجتهدُ برجاءٍ عنيدٍ للقيامِ بتجربةِ المحبةِ هذه التي لا تنتهي، التي هي الترجمة.

 

كان على هيرُونمُس أيضًا أن يعارِضَ الفكرَ السائدَ في عصرِه. كانَتْ الثقافةُ اليونانيّةُ في فجرِ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ شائعةً نسبيًّا، لكن، في عصرِه، كانَ ذلكَ أمرًا نادرًا. ومع ذلك، فقد أصبح هيرُونمُس أحدَ أفضلِ خبراءِ اللغَةِ اليونانيّةِ المسيحيّةِ وآدابِها. ثم شرعَ في رحلةٍ فردية أصعَبَ عندما أكَبَّ على دراسةِ اللغةِ العبريّة. قِيلَ: “حدودُ لغتي هي حدودُ عالمي”، لذلك يمكنُنا أن نقول إننا مَدِينون لتعدُّد اللغاتِ لدى القديس هيرُونمُس في فَهمِ المسيحيّة فهمًا أكثرَ شموليّة، وفي نفسِ الوقتِ أكثرَ ترابطًا مع مصادرِها.

 

مع الاحتفالِ بالذكرى المئويّةِ لوفاةِ القديس هيرُونمُس، يتَّجهُ نظرُنا إلى حيويّة العملِ الإرساليّ غيرِ العاديّ الذي يظهَرُ في ترجمةِ كلمةِ الله إلى أكثرَ من ثلاثةِ آلافِ لغة. كثيرون هم المبشِّرُون الذين نَدِينُ لهم بالعمل القَيِّمِ الذي قاموا به فنشروا القواعدَ وكتُبَ النحوِ والقواميسَ والأدواتِ اللغويةَ الأخرى التي تُعزِّزُ أسُسَ التواصلِ بينَ البشر، وهي وسيلةٌ من أجلِ “أن يِبلُغَ الحُلمُ الإرساليُّ إلى الجميع”. من الضّروريّ أن ندعَمَ كلَّ هذا العملَ وأن نستثمرَ فيه، فنساهمَ في تجاوزِ حدودِ عدمِ القدرةِ على التواصل، والفشلِ في الالتقاء. ما زالَ أمامَنا عملٌ كثير. كما قيل، لا يوجَدُ تفاهُمٌ بدونِ ترجمة، وكذلك: لن نفهمَ أنفسَنا ولا الآخَرين.

 

هيرُونمُس وكرسي بطرس

كانَ دائمًا لهيرُونمُس علاقةٌ خاصّةٌ بمدينةِ روما: فهي الميناءُ الروحيُّ الذي كانَ يعودُ إليه باستمرار. فيها نشأَ على مَذهَبِ الإنسانيّة، وترَبّى أن يكونَ مسيحيًّا. هو “روماني”. يتأصّلُ ارتباطُه بروما، في اللغةِ، لغةِ “المدينة” اللاتينية، التي علّمَها وعَشِقَها. وارتبطَ، قبلَ كلِّ شيءٍ، بكنيسةِ روما، وبالأخصّ بكرسيِّ بطرس. صوَّرَه تقليدُ الأيقونات، بطريقةٍ سابقةٍ لأوانها، بحُلَّةِ الكاردينال الأرجُوانيّة، للإشارةِ إلى انتمائِه إلى الجِسمِ الكهنوتيِّ في روما في جوارِ البابا دامازُس. وفي روما بدأَ هيرُونمُس مراجعةَ الترجمة. وحتى عندما أجبرَه حسدُ الحُسّادِ وسوءُ الفَهمِ على مغادرةِ المدينة، ظلَّ دائمًا مرتبطًا ارتباطًا قويًّا بكرسيِّ بطرس.

 

بالنسبةِ إلى هيرُونمُس، كنيسةُ روما هي الأرضُ الخَصْبةُ، فيها تحمِلُ بذارُ المسيح ثمارًا وفيرة. في عصرٍ مضطرِبٍ، تمزَّقَ فيه مرارًا رداءُ الكنيسةِ غيرُ المـَخِيطِ بسببِ الانقساماتِ بينَ المسيحيِّين، ظلَّ هيرونموس ينظُرُ إلى كرسيِّ بطرس، على أنّه المرجَعِيَّةُ الأكيدة: “أنا الذي لا أتبَعُ أحدًا غيرَ المسيح، أُعلِنُ شَرِكتي مع كرسيِّ بطرس. وأعلَمُ أنّه على هذه الصخرةِ بُنِيَتْ الكنيسة”. في خضَمِّ الخلافاتِ مع الأريوسيّين، كتبّ إلى البابا دامازُس: “من لا يجمَعْ معَكَ يُفرِّقْ، ومن لا يكونُ مع المسيح، فهو مع المسيحِ الدجَّال”. لذلك أمكنَه أن يؤكِّدَ أيضًا: “كلُّ مَن اتَّحدَ مع كرسيِّ بطرس، فهو من أتباعي”.

 

غالبًا ما كانَ هيرُونمُس طرفًا في نزاعاتٍ مريرةٍ بسببِ الإيمان. ربما قادَه حبُّهُ للحقيقةِ ودفاعُه المتحمِّسُ عن المسيح إلى أن يبالِغَ في العنفِ اللفظِيِّ في رسائلِه وكتاباتِه. ومع ذلك، فقد عاشَ ووِجهتُهُ السلام: “أريدُ السلامَ أنا أيضًا. لا أرغَبُ فيه فقط بل أتوسَّل من أجلِه! لكنّني أَعنِي سلامَ المسيح، السلامَ الحقيقيَّ، سلامًا بدونِ بقايا عِداء، سلامًا لا يُخفِي الحربَ في داخلِه، لا السلامَ الذي يقهَرُ الخصوم، بل السلامَ الذي يوحَّدُنا في الصداقة!.

 

يحتاجُ عالمـُنا أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى إلى دواءِ الرحمةِ والشَّرِكة. اسمَحُوا لي أن أكرِّرَ مرّةً أخرى: لنُعطِ شهادةً عن الشَّرِكةِ الأخويّةِ فتٌصبِحَ شهادتُنا جذَّابةً ومنيرة. “إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي” (يو 13، 35). هذا ما سألَه يسوع من الآب في صلاةٍ عميقة: “فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِداً […] فينا […] لِيُؤمِنَ العالَم” (يو 17، 21).

 

نُحِبُّ ما أَحَبَّهُ هيرُونمُس

في ختامِ هذه الرسالة، أوَدُّ أن أوجِّهَ نداءً آخَرَ للجميع. من بينِ المديحِ الكثير الذي وجَّهَه الخَلَفُ للقدّيس هيرُونمُس، أنَّه ليس فقط أحدَ أعظمِ عُشَّاقِ “المكتبةِ” التي تَغذَّتْ منها المسيحيّةُ عبرَ الأجيالِ، بدءًا من كنزِ الكتُبِ المقدَّسة. بل يمكن أن نطبِّقَ عليه ما كتبَه هو نفسُه عن نيبوتسيانُس: “بالقراءةِ الدؤوبةِ والتأمُّلِ المستمِرِّ جعَلَ قلبَه مكتبةَ المسيح”. لم يدَّخِرْ هيرُونمُس أيَّ جَهدٍ لإغناءِ مكتبتِه، التي رأى فيها دائمًا مختبرًا لا غِنًى عنه لفَهمِ الإيمانِ والحياةِ الروحيّة. هو في هذا مثالٌ عجيبٌ لنا اليوم. وذهبَ أبعدَ من ذلك. بالنسبةِ له، لا تقتَصِرُ الدراسةُ على سنواتِ التنشئةِ والشباب، بل هي التزامٌ دائمٌ، وأولويّةٌ في كلّ يومٍ من أيّامِ حياته. باختصارٍ، يمكنُنا أن نؤكِّدَ أنّه استوعبَ مكتبةً كاملةً وأصبحَ موزِّعًا للمعرفةِ لكثيرين غيرِه. بوستوميانس، الذي سافرَ في القرنِ الرابعِ إلى الشرق للتعرُّفِ على الحركاتِ النسكيّةِ، كانَ شاهدَ عيانٍ على أسلوبِ حياةِ هيرُونمُس، وقد مكثَ معه بضعةَ أشهُرٍ. وصفَه على النحوِ التالي: “كانَ كلُّه في القراءةِ، وفي الكتُبِ، لا يستريحُ نهارًا ولا ليلًا، يقرأُ أو يكتُبُ دائمًا شيئًا ما”.

 

في هذا الصدَدِ، أفكِّرُ كثيرًا في التجربةِ التي يمكنُ أن يمُرَّ بها شابٌّ اليومَ عندما يدخلُ مكتبةَ مدينتِه، أو يدخلُ موقعًا إلكترونيًّا، ويبحثُ عن قسمِ الكتبِ الدينيّة. إنّه قسمٌ، إذا وُجِد، في معظَمِ الحالاتِ لا يكونُ فقط هامشيًا، بل ليسَ فيه كتُبٌ أساسيّة. عند تفحُّصِ الرفوُف، أو صَفَحاتِ الإنترنت، يَصعُبُ على الشابِّ أن يَفهمَ كيف يمكنُ أن يكونَ البحثُ الدينيّ مغامرةً جذّابةً توحِّد الفكرَ والقلبَ، وكيف ألهبَ العطشُ إلى الله عقولًا عظيمةً عبرَ القرون حتى اليوم، وكيف أثَّرَ نُضجُ الحياةِ الروحيّةِ في اللاهوتيّين والفلاسفةِ والفنانين والشعراءِ والمؤرِّخين والعلماء. إحدى مشاكلِ اليوم، وليس فقط في الدين، هي الأمِّيّة: هناك نَقصٌ في الكفاءاتِ التأويليّة، التي تؤهّلنا لنكونَ مفسِّرين ومترجِمين صادقين لتقاليدِنا الثقافيّةِ نفسِها. أريدُ أن أُطلِقَ تحدِّيًا للشباب، بشكلٍ خاصّ: انطلقوا للبحث عن تراثِكم. لقد جعلَتْكم المسيحيّةُ ورَثَةً لتراثٍ ثقافيٍّ لا يُعلَى عليه: يجب أن تمتلكوه. تولَّعوا بهذا التاريخ الذي هو تاريخكم. تجرَّؤوا على التحديق في ذلك الشابّ هيرُونمُس الحائِرِ، والذي باعَ، مثل التاجرِ في مثَلِ يسوع، كلَّ ما يَملِكُ ليشتريَ ” لُؤلُؤةً ثَمينة” (متى 16، 46).

 

في الحقيقة ِكانَ هيرُونمُس “مكتبةَ المسيح”، مكتبةً دائمة، ما زالَتْ تعلِّمُنا، بعد ستّةَ عشَرَ قرنًا، ما معنى محبّةِ المسيح، محبَّةٍ لا تنفصلُ عن اللقاءِ مع كلمتِه. لهذا السبب، إنَّ الذكرى المئويَّةَ الحاليَّةَ إنما هي دعوةٌ لنا لنُحِبًّ ما أحبَّه هيرُونمُس، وأن نكتشفَ من جديدٍ كتاباتِه، وأن نترُكَ أنفسَنا نتأثَّرُ بالروحانيّةِ التي يمكنُ وصفُها، في جوهرِها الأكثرِ حيويّة، بأنّها شَوقٌ قَلِقٌ ومندفعٌ لمزيدٍ من المعرفةِ لإلهِ الوحيِ. كيف لا نُصغِي، في أيّامنا هذه، إلى ما حَثَّ عليه هيرُونمُس باستمرارٍ معاصرِيه: “اقرأْ كثيرًا الكتُبَ الإلهيّة، بل لا تَترُكْ يداكَ أبدًا الكتابَ المقدّس”؟.

 

مريمُ العذراءُ هي المثالُ الساطِعُ، التي ابتهلَ إليها هيرُونمُس، خاصّةً لكونِها الأمَّ البتول، ولكن أيضًا لكونِها القارئةَ المصلِّيَةَ للكتُبِ المقدسة. تأمَّلَتْ مريمُ في قلبِها (را. لو 2، 19. 51) “لأنّها كانَتْ قدّيسةً وقرأَتْ الكتُبَ المقدّسة، وعرفَتْ الأنبياءَ، وتذكَّرَتْ ما بشَّرَها به الملاكُ جبرائيل، وما تنبَّأَ به الأنبياء […]، ورأَتْ المولودَ الجديدَ الذي كانَ ابنَها، ابنَها وحيدَها مُضجَعًا، يَصرخُ في ذلك المذود، لكنّ الذي كانَتْ تراه حقًّا مُضجَعًا هو ابن الله، وما كانَتْ تراه هي، كانَتْ تقارنُه بما قرأَتْ وسمعَتْ”. لنُوكِلْ أنفسَنا لها، لأنّها يمكنُها أن تعلِّمَنا أفضلَ من أيِّ واحدٍ آخَر كيف نقرأُ ونتأمّلُ ونصلِّي ونشاهِدُ الله، الذي يجعلُ نفسَه حاضرًا في حياتِنا دون أن يتعَبَ أبدًا.

 

عن Maher

شاهد أيضاً

البطريركية تنعي الآنسة ليلى يوسف أنويا مسؤولة التعليم المسيحي في بغداد

البطريركية تنعي الآنسة ليلى يوسف أنويا مسؤولة التعليم المسيحي في بغداد إعلام البطريركية رقدت بسلام الرب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *