أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / الروحانية المشرقية – الحلقة 3

الروحانية المشرقية – الحلقة 3

الروحانية المشرقية – الحلقة 3  

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

مار أفرام، العين المستنيرة

ولد مار أفرام نحو عام 306 في نصيبين، وهي منطقة واقعة على الحدود التركية العراقية السورية. هي  في تركيا حالياً. اقتبل المعمودية في سن الثامنة عشرة ثم رُسِم شماساً وأنشأ مدرسة للاهوت بدعم الاُسقف القديس يعقوب النصيبيني. عاش افرام حياة الزهد وقراءة الكتاب المقدس،  وتفرغ لتأليف أناشيد كثيرة باللغة السريانية. أشعاره تتَّسِم بالرقة والجمال وعمق التعبير فاستحق لقب “كنارة الروح القدس”. لما غزا الفرس نصيبين، إنتقل الى مدينة الرها حيث توفي عام 373، وفي عام 1920 أعلنه البابا بندكتوس الخامس عشر معلماً للكنيسة الجامعة.

العين المستنيرة[1]

يؤكد مار أفرام ان الإيمان هو الشرط الاساسي للوصول الى معرفة شيئ من سرِّ الله. ويعدُّ الإيمان “العين التي تستطيع أن ترى الأشياء المحجوبة” (الكنيسة 24/3)، مصحوباً بالمحبة والصلاة.

هذه العين المستنيرة التي تندهش أمام مجد الله تنجح في ادراك ما يخفق عن ادراكه الفحص والتقصي.

يقارن مار أفرام بين ما تقوم به العين الجسدية الطبيعية التي تعمل بواسطة الضوء والعين الروحية التي تعمل من خلال نور الروح القدس. ويشدّد ان الخطيئة تعتّم الرؤية وتَحول دون الوصول الى نور الإيمان.

يقارن مار افرام بين حواء (العين المعتمة) ومريم (العين المستنيرة): “ان مريم وحواء في رمزيهما تشبهان جسداً، إحدى عينيه مظلمة وعمياء، بينما العين الثانية صافية برّاقة، تبعث النور للجسد كله. اعلم ان للعالم عينين قابعتين فيه:  العين اليسرى عمياء هي حواء، بينما العين اليمنى براقة هي مريم. خلال العين المعتمة أظلم العالم، وتلمس الناس طريقَهم،  واعتقدوا ان كل حجر تعثروا به كان إلهاً، فدعوا الكذب حقيقة، لكنه حين استنار بالعين الاُخرى، بالنور السماوي، الذي أقام بين ظهرانينا، تصالحت البشرية مرة ثانية، مُدركة ان ما كانت قد تعثَّرت به كان يُحطّم حياتها بالذات” (الكنيسة/ 7).

 ان وصف مار افرام لمريم بالعين المستنيرة، له اهمية كبيرة لدى الروحانيين المشارقة كنرساي واسحق النينوي. مار أفرام يستعمل لفظة الشفافة (ܫܦܝܐ ܗܝ) وقد يكون ربطها بالقلب الصافي ܠܒܐ ܫܦܝܐ “طوبى لمن إقتنى عيناً مستنيرة” (الايمان3/5). ويستخدم كلمة المستنير للاشارة الى المسيح” كيف ارنم لك أيها المستنير والقدوس؟ لان الفم الطاهر والمستنير على مثالك، وحده يرنم لكَ يا رب، والمستنير للمستنير، والطاهر للطاهر، لأن صوته هو الذي يُرضيك” (الكنيسة 29/1). ويستعمل مار أفرام  رمز “المرآة” المصقولة التي تعكس وجه الحقيقة الروحية خصوصاً عندما يتحدث عن مرآة النفس. وينسب عدم وضوع الرؤية في المرآة الى ما تراكم عليها من اتربة الخطيئة: ” يشكو المرء من مرآة حين تكون استنارتها قد تعتمت، لكونها قد تبقعت او تراكمت عليها الاوساخ، وحجبتها عن الذين ينظرون اليها” (الأناشيد النصيبينية 14/1-4).  وينتقل مار افرام الى إعتبار الصلاة هي المرآة التي تعكس جمال المسيح وتجلّيات الله: “لتكن يا رب صلاتنا مرآة أمام وجهك: فينطبع جمالك الرائع على سطحها النيِّر. لا تدع يا رب الشرير القبيح ان يحدّق فيها، لئلا تنطبع عليها قباحته. فالمرآة تطبع صورة كل من ينظر اليها. لا تدع كل أنواع الافكار تنطبع على صلاتنا، ولتستقر عليها يا رب تقاطع وجهك، لكي تمتلي بجمالك” (الكنيسة 19/9-10).  وكلما ازداد تسبيحنا تنقَّت رؤية العين الباطنية. ويَسرُّ مار افرام ان يشبِّه الكتاب المقدس بالمرآة التي تعكس صورة الحقيقة: “هوذا الكتاب المقدس أمام الجميع كالمرآة. فمن كانت عينه مستنيرة رأى فيه صورة الحقيقة” (الإيمان 67/8). وبنفس الطريقة يتكلم عن المسيح المصلوب وعن جنبه المفتوح مقارِناً بينه وبين آدم  (ديلطسرن 21/11).

بالحقيقة يختزل مار افرام المراحل التي يتناولها الروحانيون المشارقة بالعين المعتمة و العين المستنيرة ويدعو المؤمن الى تنظيفها وصقلها  كما يفعل بالمرآة لتتَّضح الرؤية. فالعين المستنيرة التي تميِّز الحقيقة عن الخطأ وتفسّر الامور بشكل سليم تساعد المؤمن على إحراز تقدم في الصعود الى المراحل الروحية.

 

[1] طالع المزيد عن الموضوع،  البروفيسور سبستيان بروك: العين المستنيرة، نظرة مار افرام الروحانية للعالم ونظرته للعالم الروحاني، نقله الى العربية الاب د. وزيق ترزي، لوس انجلوس 1991.

عن Maher

شاهد أيضاً

السفير الايطالي لدى الجمهورية العراقية يزور البطريركية

السفير الايطالي لدى الجمهورية العراقية يزور البطريركية إعلام البطريركية استقبل صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *