أخبار عاجلة

حين نغضب

حين نغضب

د. إخلاص عابد جرجيس مقدسي

حدثتني عبر الهاتف إحدى الصديقات، بدا صوتها مرتجفاً وكأن الحياة تتسرب منه هدراً، وحين وجدتْ فيَّ الاُذن الصاغية إسترسلتْ في الكلام بدءاً من عبارات عامة اعتدنا سماعها مثل قيمة العائلة في المسيحية ومصير الأولاد حين يختلف الوالدان وينفصلا وكلام يسوع عن المغفرة فدَنا بُطرُس وقالَ له: يا ربّ، كم مَرَّةً يَخطَأُ إِلَيَّ أَخي وَأَغفِرَ لَه؟ أَسَبعَ مَرَّات؟ فقالَ له يسوع: لا أَقولُ لكَ: سَبعَ مرَّات، بل سَبعينَ مَرَّةً سَبعَ مَرَّات (متى 18 21-22).

أصغيتُ ملياً الى التنهدات المنبعثة من بركانها أثناء الحديث فيما إنشغلت هي بالبحث في جُعبتها عن بعض ما تتميز به من مبدئية بتكريس نفسها وحياتها بالكامل وبكل تجرُّد لهذا الزواج وكيف أنها تقدّس هذه العلاقة التي أثمرت أطفالاً زيَّنوا حياتهما بفرح الله الذي يغمر قلبها، وعن بشاشتها وقدرتها على التحمّل وكيف ان الصبر أصبح ديدنها.

كل هذا كان مقدمة لتخوض في صُلب الموضوع متجنبة، الخصوصيات بمهارة، ولتلقي الضوء على عصبية زوجها، رغم تسلل بعض المفردات من بين جُمَلِها موحية بانها وزوجها كادا يصلا الى طريق مسدود. فقلتُ فيما قلت: كلمات مستمدة من إنجيلنا المقدس وآيات هدأتْ من روعها وأعادت الأمل الى قلبها المليء بالحب. قالت بإبتسامةٍ أحسستها دون أن أراها، ان إتصالها هذا أضاء شمعة في نفق حياتهما الذي طالما أفزعها ظلامه.

ختمنا حديثنا على أمل التواصل، ويقيننا ان الله محبة، وان حياة يسوع على الأرض كتابٌ متجدد لن ننتهي من قراءته ما حيينا لما فيه من دروس وعِبر لا يكفي ان نتعلمها بل أن تكون منهجاً لسلوكنا اليومي.

تساءلتُ بعد انتهاء المكالمة وأنا اُحاول الخلود الى النوم:

متى حلَّ الغضب مشكلة ما؟ مهما كانت بسيطة. وهل الغاضب عاجز عن الاصغاء؟ أم أنه يصغي لنفسه فقط ؟ هنا تذكرتُ رسالة يعقوب (1: 19، 20) “فعَلى كُلِّ إِنسانٍ أَن يَكونَ سَريعاً إِلى الاِستِماعِ بَطيئاً عَنِ الكَلام، بَطيئاً عنِ الغَضب، لأَنَّ غَضَبَ الإِنسانِ لا يَعمَلُ لِبِرِّ الله”. فضلاً عن ان في الغضب فقدان للصورة الإلهية “وقالَ الله: لِنَصنَعِ الإِنسانَ على صُورَتِنا كَمِثالِنا” (تكوين 1/ 26). لقد صدق من قال ان الغضب ليس مجرد خطيئة بسيطة، بل هو مجموعة من الخطايا مركّبة معاً في أسبابها وتشعباتها ونتائجها.

هل الغاضب متعجرف يمنعه كبرياؤه من الاعتراف بخطأه ويثور لكلمة غير مقصودة “في أغلب الأحيان” إذا لامست الوتر الحساس في عقله الباطني ويفسّرها توبيخاً؟ هل الغاضب معترض على سلوكه ويعكسه على الآخرين “الغَضوبُ يَجرُّ إلى الخصامِ، والضَيِّقُ الصَّدْرِ كثيرُ المَعاصي (الأمثال 29/ 22). أيمكن أن يكون قناع الغضوب قد ضاق بالعيوب التي تختبئ خلفه؟

يبدو ان النوم تسرّب من بين أجفاني فاسترسلتُ في تأملي: الغضب يتنافى مع الوداعة واللطف بل يحمل في داخله قسوة القلب، وهو ضد فضيلة الفرح التي هي من ثمار الروح. يُفقدنا الغضب فضيلة التواضع والسلام. فضلاً عن إرتباط الغضب بإدانة الآخرين، “لا تَدينوا لِئَلاَّ تُدانوا” رغم أن القاعدة المُثلى هي: ” فكُلُّ ما أَرَدْتُم أَن يَفْعَلَ النَّاسُ لكُم، اِفعَلوهُ أَنتُم لَهم” (متى 7/ 1، 12). ، “مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء، وَمَن قالَ لأَخيهِ:”يا أَحمَق” اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس، ومَن قالَ لَه:”يا جاهِل” اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم” (متى  5/ 22).

كثيراً ما نلجأ الى إيجاد المبررات لمن نحبهم بأن نفسّر غضبهم الجامح عبارة عن ثورة ضد الضغوطات اليومية المتراكمة او عملية إفراغ  ما في أعماقهم من الشوائب والشكوك العالقة بالقلب الذي يغتسل بذلك ليعود ويبدأ من جديد؟ إذا كان الحال كذلك، فالغضب “نعمة” إذن، بشرط ألّا يصبح اسلوب حياة! ولا بأس أن نغضب بين حين وآخر، عملاً بقول بولس الرسول إغضبوا ولا تخطئوا (افسس 4/ 26). ولكن… نعم لكن، الخوف كل الخوف ان تكون هذه “النعمة” سيفاّ ذي حدين، لأنه قد يفتح عيوننا على حقيقة مشاعرٍ خفيّة سلبيّة عند الطرف الآخر، خبأها في أعماقه ليظهر بوجهٍ غير وجهه الحقيقي.

عزيزي المؤمن إذا أردت إمتصاص الغضب فالحل هو السكوت، مهما تناثرت الكلمات النابية والإهانات من حولك، فهي لن تمسّك مادمت واثقاً أن ما تسبَّب بثورة الغضب هذه، بعيد كل البعد عن سلوكك ونواياك. وما دمنا واثقين بأن الحقيقة كالشمس لا يمكن حجبها بغربال… ولا بأس ان تعتذر من الغاضب إن وجدت أن الاعتذار إليه يهدئ غضبه ويريحه، فلا بد ان يوفر لك الله العادل فرصة للحوار الهاديء يوماً ما.

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

رتبة تبريك (رسامة) شماسات lectors

رتبة تبريك (رسامة) شماسات lectors ان الكنيسة الكلدانية، كنيسة كاثوليكية ملزمة باتباع توجيهات الكرسي الرسولي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *