أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / تحمل الألم بإيمان*

تحمل الألم بإيمان*

تحمل الألم بإيمان*

المطران فيليكس الشابي / زاخو 2021

مقدمة: المسيحية ليست ديانة ألم، بل محبة وفرح وسلام “افرحوا وتهللوا” (متى 5: 12). كمسيحيين نحن لا نفرح بالالم، ولا نقبل به ونرفضه. والصليب ليس رمزا للالم فقط، بقدر ما هو رمز للانتصار على الالم والظلم والخطيئة. لقد كسر المسيح شوكة الموت والخطيئة… “فاين يا موت غلبتك، واين يا موت شوكتك، ان شوكة الموت هي الخطيئة” (1 كورنثية 15: 55- 56).

الالم لا يزال يشكل جزءا من حياة الانسان، بسبب بعد الانسان عن ارداة اللـه. فكم من خيبات الامل يصاب بها الناس مع الاخرين، ما يسبب الما ووجعا لهم. اما بالنسبة للاعداء والكارهين، فانهم يتخصصون ويتفننون بصنع الالم، عندئذ يصبح الالم المباشر اي المقصود، ابنا للخطيئة وللشر ووليدا لهما، وهو تلك الشوكة التي يذكرها مار بولس…

ونحن نتذكر الام المسيح والامنا الحاضرة، تراودنا بعض الاسئلة: من اين ياتي الالم؟ ولماذا علينا العيش مع الالم؟ وكيف نتصرف ازاءه؟ انكون شاكرين للـه ونسامح؟ هل الانتقام والدعاء على المعتدي مشروع؟ مثل هذه وغيرها من الاسئلة، والتي احيانا لا تقدم الجواب الشافي للخبرة مع الالم، لابد ان نلجأ كمؤمنين الى الجانب الديني والعقائدي لكي ينسى الانسان خبرة الالم الموجع: “وانت سيحّز سيف في نفسك” (لوقا 2: 35)، وينتقل من النسيان الى الغفران: “يا ابي اغفر لهم لانهم لا يدرون ما يفعلون” (لوقا 23: 34). 

  • الالم (عذاب، وجع): كتاب التعليم المسيحي يوضح بان العذاب ينتج عن الخطيئة الاصلية (فقرة 1521). ففي قصة الخلقة لا نجد اثرا للالم “ورأَى اللهُ جَميعَ ما صَنَعَه فاذا هو حَسَنٌ جِدًّا” (تكوين 1: 31). نقدر ان نقول ان الالم والعذاب ياتي بعدة اوجه:
  • الالم من: خطيئة الانسان الاولى ضد اللـه: حيث يبدأ الخوف، والرعب يدخل قلب الانسان الخاطيء، فيختبيء من اللـه (تكوين 3: 10). انذاك يغضب اللـه ويعاقب الانسان (تكوين 3: 15- 24)، وهنا يبدأ الالم بسبب العصيان ونتيجة للخطيئة. ورغم ان العماذ يزيل الخطيئة الاصلية عنا، لكن خطيئة عصيان اوامر اللـه لا تزال تشكل تحديا كبيرا لنا، اذ يصعب علينا اكرام اللـه قبل كل شيء في حياتنا، عندما نعطي اهمية للعالم على حضور اللـه فينا.

  • الالم من: خطية الانسان ضد اخيه الانسان: “قائين وهابيل” (تكوين 4: 1- 24). اذ يقسو قائين (الذي اقتنيت) المزارع، على اخيه هابيل (هباء) الراعي، لعدم قبول اللـه لتقدمته “المغسشوشة”، فيغتاض ويقتل هابيل الذي قدّم تقدمة “مقبولة” للـه. يغضب اللـه مرتين على قائين، بسبب التقدمة الناقصة، وبسبب فعله الشرير بقتل اخيه، فيلعنه، ويقفل ثمار الارض بوجهه، ويحكم عليه بالنفي، فيتيه على وجه الارض… الا ان اللـه يرجع فيسامح قائين عندما (يتوب) ويتلتجيء اليه خوفا من الموت، فيحرسه من انتقام الاخرين بوضع علامة على جبينه.

  • الم اللـه من جراء خيبة امله بالانسان. قبلا لم يكن الانسان يتصور ان اللـه ممكن ان يتألم، لان اللاهوت النظري كان يقول ان اللـه هو كامل، والالم والحزن والندم ليست من صفات اللـه الكامل. لكن الكتاب المقدس بعهديه يثبت عكس ذلك. ففي العهد القديم نجد قصة سدوم وعمورة (تكوين 18: 16- 33)، وقصة يونان (1-4)، وايوب (1- 42) … حيث يبدّل اللـه مواقفه من اجل خلاص البشر.

أما سفر المزامير فهو كتاب كامل يحكي خبرة الانسان المؤمن مع الالم والضيقات، وكيف يعبّر عن اوجاعه وعن غضبه وعدم قبوله بالظلم، لكنه يخضع دوما لارادة اللـه في حياته اولا واخيرا…

وفي العهد الجديد نجد قصص: الابن الضال، والخروف الضال، والدرهم المفقود… حيث يعكس لنا يسوع كمية الفرح الحاصل عند التوبة والرجوع الى اللـه “هكذا يكونُ الفَرَحُ في السَّماءِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتوبُ أَكثَرَ مِنه بِتِسعَةٍ وتِسعينَ مِنَ الأَبرارِ لا يَحتاجونَ إِلى التَّوبَة” (لوقا 15: 7). وان كانت التوبة تعكس فرح اللـه، فهذا يعكس ايضا مدى حزن اللـه في حالة الخطيئة، عندما يظل الانسان طريقه، فيخيّم الحزن والالم على الطرفين معا (راجع كتاب الهنا يتالم لفرنسوا فاريون اليسوعي).

 

  • القدرة على تحمل الالم: من اسباب رفض الانسان للالم نحدد التالي:

  • عدم القابلية على او قلة التحمل. فالانسان يتقبل ضربة من ابنه الصغير مثلا، ولكنه لا يقبلها من اخيه الكبير. ما يعني ان القابلية تختلف والمكانة تختلف، فالابن يختلف عن الاخ وعن الصديق وعن الغريب. وكثير من اساءات العائلة نتغاضى عنها لانهم اهل، والساءات الاخرين لا ننساها لانهم ليسوا اهل! ما يعني ان قابلياتنا في التحمل محدودة جدا. فلا نقبل الاهانة مثلا من الغريب، بينما نقبلها من الاصدقاء. في حين ان ايسوع يناشدنا ان لا نتشبه بابناء هذا العالم، بل ان نكون افضل ونحب اعدائنا، لا فقط اهلنا واصدقائنا: “احبوا اعدائكم، فان احببتم من يحبونكم… وان احسنتم الى من يحسن اليكم… وان اقرضتم من تسترجون ان تسنوفوا منه… فاي فضل لكم فالخاطئون يفعلون ذلك ايضا؟…” (لوقا 6: 27 – 35).

  • قلة او عدم الايمان. فكم من مرة كان يسوع يلوم ابناء هذا الجيل ويحتار بامرهم “بمن اشبه اولاد هذا الجيل ومن يشبهون” (متى 11: 16- 19)، وايضا كان ينعت التلاميذ بقلة الايمان… (متى 8: 26). والايمان هو ما سنناقشه في الفقرة التالية.

  • عنصر المفاجأة. فعندما يتألم الانسان فجأة، فذلك يؤذيه. لانه لم يكن يتصور يوما ان شخصا، قريبا او بعيدا سيؤذيه. وعندما يتحقق الاذى، تصبح المفاجأة خبرة مُرة، يصعب عليه نسيانها او تجاوزها بسهولة. كثير من الناس يقول: “انا غفرت لصديقي لكنني لم انسى”! فيبقى اثر ومفعول الخطيئة باق في الانسان ولا يريد عبوره!

  • يسوع يعلمنا الايمان وتحمل الالم: تسمي النبؤات يسوع: “رجل الالام والاوجاع” و”عبد اللـه المتالم” (راجع اشعيا 42، 49-53). مثلما ذكرنا، لا يسلم احد من الالم والموت، حتى ابن اللـه “تالم ومات” (قانون الايمان) لانه “صار بشرا مثلا في كل شيء ما عدا الخطيئة” (المجمع الفاتيكاني 2، فرح ورجاء 22). ولكن التالم والموت بلا ايمان يختلف عنه عندما يكون مرافقا بالايمان.

  • الالم فرصة ومناسبة للتوبة: مثال اللصيّن الذّين صلبا مع يسوع. فكلاهما كانا مدانين بسبب جرائمهما. فاحدهما ينظم الى فريق اليهود الذين يشتمون ويسخرون من يسوع. والثاني يتوب ويطلب المغفرة من يسوع مؤمنا بقدرته الالهية على الخلاص من بعد الموت والاعفاء من الخطايا والذنوب، وهو لص اليمين (لوقا 23: 35- 43). فالايمان بيسوع المسيح خلّص اللص التائب من العقوبة الاشد، الهلاك الابدي، وهي اقسى من عقوبة الاعدام: “لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسد ولا يَستَطيعونَ قَتلَ النَّفْس، بل خافوا الَّذي يَقدِرُ على أَن يُهلِكَ النَّفْسَ والجَسدَ جَميعاً في جَهنَّم” (متى 10: 28).

  • يسوع يرفص الهرب من الالم:
  • في بستان الزيتون: “لا تكن مشيئتي بل مشيئتك” (متى 26: 39).
  • في درب الصليب، يسقط من ثقل الصليب ثم ينهض ويحمله مجددا عازما على الوصول به الى النهاية دون تردد رغم الجلد والالام.
  • على الطريق ينهر النسوة من البكاء عليه، ويوصيهن بالبكاء على انفسهن (لوقا 23: 26- 32).
  • على الصليب، حادثة الخل والمرارة: يرفض يسوع شربها، لانهم كانوا يعطونها للمحكوم عليهم بالموت، ليخففوا من الامهم، ويسوع يرفض التخفيف عن الامه ويريد شرب كاس المرارة كاملة بصبر وايمان (متى 27: 35).

خاتمة: هكذا لا يمكن للانسان ان يبرر افعاله بالهروب من الالم، (كالقتل الرحيم او الانتحار)، او بالانتقام من الاخرين والتخلص منهم لكي يرتاح من الالم (كالقتل وا الاجهاض). بل اننا مدعوون ان نواجه الالم بمسؤولية وثقة لامام اللـه لانه لا يتركنا وقت المحنة.

ان فترة الصوم، ورياضة درب الصليب، هي فترة مهمة في حياتنا الروحية، علينا ان نستثمرها من اجل التقرب اكثر من خدمة اللـه والقريب، والتخفيف عن الام البشر. “فلنبدأ بتغيير الاشياء الصغيرة من حولنا” كما تقول القديسة تريزة الطفل يسوع. فلنتبه الى كل ما يسبب الالم الى القريب والى اللـه من خلال كلماتنا وتصرفاتنا واعمالنا وافعالنا. يقول مار بولس: “بارِكوا مُضطَهِديكم، بارِكوا ولا تَلعَنوا” (رومة 12: 14)، وايضا يقول: “اِغضَبوا، ولَكن لا تَخطَأُوا، لا تَغرُبَنَّ الشَّمْسُ على غَيظِكم، لا تجعلوا لابليس سبيلا” (افسس 4: 26 – 27).

اخيرا، نعود الى كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي اذ يقول: “ان الاتحاد بالام المسيح والتشبه به… يعطي معنى جديد [للالم]، ويشركنا في عمل يسوع الخلاصي” (فقرة 1521)، فلنستثمر فرصة الالم التي تجربنا، ولنحولها الى خبرة ايجابية، فلنتوكل على المسيح المخلّص، ولنشاركه بالامنا واوجاعنا وهو يحملها عنا.

___________

* كان هذا المقال تأمل القي يوم جمعة درب الصليب في زاخو بتاريخ 26، شباط 2021.

المصادر: الكتاب المقدس اليسوعي. وكتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية.

عن Maher

شاهد أيضاً

الذهب والعاصفة

الذهب والعاصفة الخوري الياس الموصلي الكلداني أول رحالة شرقي إلى العالم الجديد. الجزء الثاني والأخير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *