أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / وجه السعادة اليوم في ايام وباء كورونا

وجه السعادة اليوم في ايام وباء كورونا

وجه السعادة اليوم في ايام وباء كورونا

ان ما يمر به العالم، ومجتمعاتنا من تحديات وصعوبات اشتدت وطأتها مع وباء كورونا المستجد، الذي شلّ جميع الْمَرَافِقُ الحيوية، وادخل عالمنا في دوامة صراع وتخبط  ذاتيّ، وآخر علائقي وكأن الحياة في اعتقاد البعض قد شارفت على النهاية، وهذا مما تسبب بآثار سلبية عكست على حالتنا النفسية جميعاً، من تفكير وقلق مستمر، جعلنا حتى ننسى كيف نضحك بصدق او كيف نعيش لحظة سعادة!

هل ينتهي كل شيء هنا!؟ الكتاب المقدس يُخبرنا!

يُخبرنا الكتاب المقدس بالسعادة وكيف نعيش السعادة؟ ونهب هذا الشعور ونعيشه اولاً لكي نعرف ان نَهِبَهُ. فالكتاب المقدس بمُجمله هو قصة سعادة متواصلة بين الله وشعبه إلى يومنا هذا. فشعور السعادة إذا ما وجدناه في داخلنا، نعرف كيف نُحييه ونجعل من الآخر مُحباً للحياة. فالسعادة هي الله في كل كيانه وذاته، هي منه وإليه ولهُ، يهبها لنا نحن البشر من فيض حبه الأبوي.

السعادة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع مفهوم البركة “البركة الإلهية”. فكلما فاضت البركة، فاضت النِعم والخيرات، التي كلها توَّلد السعادة للإنسان. فقربنا من عوائلنا واقربائنا واصدقائنا الذين نحبهم، هذه بركة لا تضاهيها بركة أخرى تولّد لنا سعادة حقيقية لا توصف يريدها الله لنا.  

منذ العهد القديم أراد الله السعادة لشعبه “شعب اسرائيل” عندما قطع العهد معه، اراد ان يكون شعباً كاملاً مستقيماً مرضياً له. هذا العهد بدأ مع النبي ابراهيم (تكوين 12: 1- 3) فالسعادة مرتبطة ببركة الرب. إذ لايوجد سعادة بدون بركة، فقبل ابراهيم دعوة الله له وانطلق بثقة كبيرة متكلاً على الرب. ويستمر عهد الله مع النبي موسى (الخروج 3: 1- 12) ليخرج وينقذ شعب اسرائيل من العبودية، لعيش حياة كريمة ممتلئة سعادة.

وهكذا تستمر عناية الله لشعبه إلى يومنا هذا، فأرسل ابنه الوحيد الذي هو ملء السعادة الذي نزل من حضن الآب فيعيش فيما بيننا إنساناً كاملاً. وهو الذي جذبنا إلى حبّ الآب واقام العلاقة التي انقطعت بفعل الإنسان وابعدتنا عن حضنه الرحوم. فكلما ابتعدنا نحن عنه، هو يبحث عنا لنكتشف حياتنا التي فقدناها بسبب تمردنا، واتباعنا لأهوائنا. يسوع بآلامه وصلبه وموته وقيامته، قد زرع رجاءً ملؤه السعادة، سعادةً  تدوم إلى الابد، وهذه من اكبر النِعم التي علينا ان لا نغفل عنها مدى حياتنا.

لننتبه جميعاً!

عالم اليوم اصبح عالم مزاجي، يبحث عن حبّ التملك وحبّ المظاهر والسعادة على حساب الآخرين، يبحث عن خلق الإحباط في المجتمعات التي يكثر فيها الإنقسام واخطار الحاجة المادية الغير مشروعة، التي من شأنها تقتل فيها كل سعادة حقيقية أو روح مرحة وإن كانت بسيطة. فالسعادة اليوم تتطلب أكثر من أي يوم آخر، ان نكون مرحين لنا حب النكتة وزرع البسمة وسط كل حزن وكل إحباط. مثلما نحتاج إلى الطعام والشراب لكي نستمر في الحياة، كذلك لا بل من الضروري ان يكون لنا روح الدعابة والفرح وزرع البسمة في كل مكان. فالبابا فرنسيس يقول في إرشاده الرسولي (افرحوا وابتهجوا): “122. كل ما قيل حتى الساعة لا يعني وجود روح محبطة او حزينة أو بغيضة أو كئيبة أو بعيدة عن الانظار وبلا قوة. فالقديس يستطيع أن يعيش بالفرح وروح الدعابة, وهو، دون ان يفقد واقعيته، يُنيرُ الآخرين بروح إيجابي وغني بالرجاء. أن نكون مسيحيين يعني “فرحٌ بالروح القُدس” (روم 14: 17)، … فإن سمحنا للرب بأن يخرجنا من قشرتنا ويغيّر حياتنا، يمكننا حينها أن نحقّق ما طلبه القديس بولس: “افرَحوا في الربّ دائِماً، أُكرِّر القولَ: افرَحوا” (فل 4: 4)[1].

ان واقعنا يُجبرنا احياناً ان نكون جامدين في مكاننا، ويجعلنا متخبطين في مشاكلنا، في داخل دائرة مغلقة من الإحباط. نقدر ان نجتاز احباطاتنا، مخاوفنا، فشلنا، إذا ما راجعنا انفسنا جيداً، ونعرف معنى هذه الحياة التي نعيشها. فالكثير منا بمجرد ان يفشل في مهمة معينة أو عملٍ ما، يُسيطر عليه اليأس، فيصبح مشلولاً عاجزاً، يصبح مثل برج اتصالات يبث روح الفشل والإحباط للآخرين، وهذا مما يؤدي إلى زرع الشكوك، وفقدان الثقة.

ان اكثر ما يحبطنا اليوم وينزع عنا روح السعادة هو انتشار هذا الوباء، وباء كورونا الذي جعل العالم بحالة تباعد لا فقط إجتماعي، بل تباعد فكري وروحي حقيقي، الذي يتسبب ايضاً في زرع الشكوك في نفوس الكثيرين، وفقدان الثقة بالنفس، وروح التشاؤم.

فعلينا…

كمؤمنين بالحياة، ومؤمنين بخالق الحياة يسوع المسيح، ومؤمنين برجاء المسيح الذي به نستمد السعادة الحقيقية علينا ان لا نيأس.

كمؤمنين بذواتنا، وقدراتنا، وإمكانياتنا المحدودة البسيطة، فمن البساطة نقدر ان نخلق سعادة بسيطة، نعوّض ما فاتنا او ما خسرناه. علينا إذن ان لا نيأس.

فالسعادة موجودة في دواخلنا، لنصغِ إلى صوتها، ولا نُصغي إلى صوت المحبطين واصحاب اللذة الأنيّة. فان اخطر الشرور التي تنتشر اليوم، هو اشباع اللذة الوقتية الأنيّة، فالكل بدأ يتذمر وينتقد ويشتم ويخطأ بحق نفسه وبحق الآخرين.

نقدر ان نعطي وجه جديد للسعادة، عندما لا نتهرب من مخاوفنا، ونواجه بقوة من يُحبِطُنا! 

                                                               الاب

                                                        سامي يوحنا مرخايا

                                                       20/ نيسان/ 2021

[1] – الارشاد الرسولي (إفرحوا وابتهجوا)، لقداسة البابا فرنسيس حول الدعوة إلى القداسة في العالم المعاصر الفقرة: 122، حاضرة الفاتيكان، طبع في المملكة الاردنية الهاشمية، 2018، ص90.

عن Maher

شاهد أيضاً

في معاشرةِ الناسِ نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل

في معاشرةِ الناسِ نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل د. عبدالجبار الرفاعي في معاشرةِ الناس نحتاجُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *