أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / إختارني الله بنعمته وأنا في بطن أمّي فدعاني الى خدمته

إختارني الله بنعمته وأنا في بطن أمّي فدعاني الى خدمته

“إختارني الله بنعمته وأنا في بطن أمّي فدعاني الى خدمته”

نجوى طعمه باسيل / لبنان

بحث في خمسة أجزاء حول تصوّف بولس الرسول 

الجزء الثاني

كيف لشاول الذي ينفُث صدرُه تهديدًا وتقتيلَا لتلاميذ الربّ، بلا رحمة يلاحقهم الى دمشق ليعتقل الرجال والنساء؟…كيف له أن يُقتادَ بيده الى دمشق بالذات، بعد أن وقع أرضًا، ثمّ بقي ثلاثة أيام مكفوف البصر لا يأكل ولا يشرب؟ ثلاثة أيام فصح شاول… في صمت ذهوله وظلمة جحيمه يُصغي . يصغي ويترك للكلمة أن تشرق فيه وتحوِّل أنطولوجيا ذاته الى أغوار امتدادٍ، عُلوٍّ وعمقٍ.

“ظهَر من جوف المياه الإلهية، مُشتعِلًا بنيرانٍ، لم تُمْهِلْه حتى يأخذَ له مُعَلِّمًا!” كلمات الذهبي الفمّ يستشرف بها صوفيّة اختبار بولس المباشَر.

عند ارتداده، بِدَوره، أحسّ أغوسطينوس بضرورة التوقّف ليرتّب أفكاره ومشاعره ويهدِّىء اضطرابه.

كتب نيتشه:” من يُكَلَّف برسالة بالغة الأهمية، عليه أن يَصمُتَ طويلًا. قبل أن يومضَ كالبَرق، عليه، لزمن طويل، أن يظلَّ غيمةً”. 

شاول الطرسوسي، حياته ملحمةً. رجل ثقافة واسعة وابن المدينة. رجل الصراعات.استراتيجي ومتصوّف. همزة وصل بين نماذج أنسانوية ثلاث: الشريعة اليهودية وعبادة الإله الواحد، ألحقّ الروماني والحكمة اليونانية. تأثّر بها جميعًا وأثّر فيها ولا يزال. هو الفرّيسي من نخبة تلاميذ جملائيل المعلّم، المتمرّس في التوراة. سيقدّم للعالم اليهودي لاهوتًا جديدًا لحقيقة الإيمان ألا وهو، مجانيّة النعمة، عطيّة الله.

بلاغته وحججه الدامغة (كما كان شيشرون)، تَعلّمها في مدرسة الرواقيين الشهيرة في مدينته طرسوس. هو المواطن الروماني، قدّم الى العالم الروماني، الأناني والمنغلق على ذاته، الإنفتاح على الكلّ في الله الذي يعطي ذاته بابنه. والى العالم اليوناني العاجز، المتشائم حيال مصير الإنسان وقَدره، أكّد له بولس أنّ الله في حقيقته، شركة هو.

لِنَدَع إديت شتاين الآتية من اليهودية الى المسيح، والتي تحتضن في فلسفتها وفكرها غنىً وتعددية، لندعها تُرافِع عن مُواطنِها بولس في شرحها لنا لاختبار عاشته في دير الكرمل. الإثنان من القماشة الصوفيّة ذاتها، الشخصية النارية المندفعة نفسها، وجذرية الحضور والخيارات عينها:

“هناك حالة من الراحة في الله، نستسلم كلّيًا لمصيرنا، مُسلّمين أمْر مستقبلنا الى الإرادة الإلهية. هذه الراحة في الله هي أمْرٌ جديد للغاية ولا يمكننا احتواؤها. كان سكونُ الموت يَسود قبْلها… وبينما أنا مستسلمة لهذا الشعور، إذ بحياة جديدة بدأت تغمرني وتدفعني الى العمل من جديد. يصدُر هذا الدَفع من الحيويّة عن نشاط وقوّة ليست منّي. وقد أصبحتْ فاعلة في داخلي دون أن تقهر قوّتي. كما يبدو أن الشرط الوحيد لمِثل هذه الولادة الروحية الجديدة، هو نوع من القابليّة، هي في الحقيقة، البُنية نفسها للشخص الإنساني، البعيد عن كل آليَّة نفسيّة”.

قابليّة إديت شتاين كما ورد سابقًا، هي في تفتيشها عن الحقيقة.

فرادة بولس أنه وجد المسيح في المكان الأقصى، والزمان الأبعد، والكينونة الأكثر قابلية…لأنّه رجل التناقضات والأضداد..لأنّ الأضداد تتجاذب…لأنّ رغبته في المسيح قاتلة (يتنفّس قتلأ لتلاميذ الربّ). مشكلته هي إذًا مع يسوع شخصيّا ، مشكلته يسوع…لأنّه في لهاثه الأمين خلف الحقيقة، هو الفرّيسي بلا لوم، من أهل البيت ومن النخبة الدينية، المشحون غيرةً على الدّين اليهودي، المدافع الشرس عن الشريعة، المؤتمَن بحسب ضميره وعلمه وقناعاته على الحفاظ عليها من الهرطقات والأَعداء، وأَلَدَّهم يسوع المسيح.

متسلّح بتفويض رسمي من رؤساء اليهود، قصد دمشق ليستأصل من يجدهم على “مذهب الربّ”…علّه يستأصل معهم ذاك الذي يحملون اسمه. وكأنّه يرى المسيحَ يهرب من أمامه متخفّيًا في الرجال والنساء الحاملين إسمه…في الحقيقة هو كذلك.

شاول على الطريق (وسيفني عمره على الطرقات). نورٌ من السماء يسطع من حوله يُسقِطه، ويكون سقوطُه عظيمًا…وتسقط معه صروحُ حياته وتُسحَق حنطتُه سَحقًا…

قادَهُ رفاقُه بيده الى دمشق. عيناه مفتوحتان ولكن لا تبصران. بات لا يعرف طريقه ولا يراه، لأنّه على تقاطع طرق. أفرَغَ ذاتَه وسَلّم القيادة الى الذي، دونه، سوف يَحسَب كلَّ شيىءٍ نفايةً ليكون معه.

“لم أعلم أين كنتُ ألِجُ . فعندما رأيتُني هناك دون أن أعلم أين كنتُ، أشياءَ عظيمةً سمعتُ. لن أَبوحَ بما شعرتُ لأَني مكثتُ لا أعلم مُتجاوزًا كلَّ علم”.(يوحنا الصليب).

نعم هذا ما حصل. في قلب دفاع شاول عن قناعاته، في عقر تشدّده، يقبض المسيحُ عليه بالجرم المشهود. يقمع حماسته ! يسوع يتقدّمه ، يحاصرُه . يُجري له عمليّة جراحية . يُفكّك أناه. يُغيّر شمال بوصلته. ينازلُه بأفْتك الأسلحة، حبّه على الصليب . شاول مصعوق. مفكّك. ضائع.

 ينازله يسوع بالهروب من أمامه، ويكسب يسوع كلّ المعارك…

هل أحرق بولس كلّ المراحل التي قطعها الرسلُ مع المعلّم؟ كان شاهدًا على خطبة إسطفانوس وعلى إعدامه رجمًا. ما الذي أثارَه في ضميره يا ترى، مشهدُ تصفية شاب بهذه الوحشية؟ خاصة كلمات المغفرة قبل الرمق الأخير. الرجال والنساء الذين عنّفهم وعذّبهم، ألم يسمع منهم إعلان حُبِّهم للمسيح؟

بولس الشجاع، “ألمضيىء كالكوكب في الكون”، لن ينسى . سوف يردّ على يسوع بحِرَفية كلام يسوع نفسه :” بما تكيلونَ يُكالُ لكم”. بعد  حدث دمشق ومكوثه ثلاث سنوات في الأردن، وعودته الى اورشليم . بعد محاولة قتله وهروبه منها ، نزل الى قيصرية ومن هناك عاد الى مدينته طرسوس وعاد الى حياكة الخِيَم .

 على بولس الآن أن يحتجب من أمام يسوع ليَدَع يسوع يبحث عنه مرة ثانية، “تَطلبني، تعرف أين تجدني!”…وذهب برنابا الى طرسوس يبحث عن شاول، فلمّا وجده جاء به الى أنطاكية . وفي أنطاكية إنطلق مُبَشِّرًا !

ألم يقل بولس قُرب نهاية حياته : ” جاهدتُ الجهاد الحَسن كي أربح المسيح”… جهاد رحلة حياته هذا، كان قد بدأه، في يوم من الأيام، في مكان ما، على طريق دمشق!

“شعلةٌ آكلة”، “جذبةٌ قوية”، هكذا أضرمه وجذبه اليه يسوع المسيح من بطن أمه. ولما حَلَّ ملءُ زمان بولس، كأنّي به، يُصفّق متماهيًا مع يوحنا الصليب حين كتب هذا الشِعر الصوفّي: “من أجل ما يُمكِنُ، أن يُفهَم، بالحِسِّ، هنا…لن أخسر نفسي أبدًا، إلَّا من أجل شيىءٍ لا يُعرف، يُدرَكُ صُدفةً”.

ويهمس ليسوع بفمّ أغسطينوس:”كنتُ بدأتُ بالوقوف لأذهب إليكَ…”

“خذ واقرأ”…وقرأ أسقف هيبو وهو يحبس دموعًا في عينيه. قرأ في الرسالة الى أهل روما : “تسلّحوا بالربّ يسوع المسيح، ولا تنشغلوا بالجسد لإشباع شهواته”.

 كانت كلمات بولس الرسول، هي التي أطلقت قرار الارتداد النهائي لأغسطينوس المتصوّف:

” التهمتُ الكتاب المقدس، والتهمتُ بالتحديد كلمات بولس… ففي لحظةٍ تلاشت صعوباتي وأدركتُ وحدة التعليم، عرفت هذه الغبطة التي تجعلنا نرتعش، لا تذهب الى الخارج، أُدخل الى نفسك، ففي قلب الخليقة تسكن الحقيقة”.

“النفس اللاهية، اللاهثة خارج ذاتها وراء أشياء ترضي رغباتها الأرضية، تلملم بعضها البعض…وتتذكّر !”

 الذاكرة هنا عند أغسطينوس (يسمّيها العلم اللاوعي)، تشير الى كل ما هو كامن في النفس دون أن تعيَ النفسُ هذا الوجود بوضوح. في الذاكرة يتزامن الماضي والحاضر والمستقبل. بها ينفتح الفكر على الأبدية، ليصبح “ذاكرة الله”. فتنكشف تلك الرغبة الدفينة السحيقة، التي صوْبها، تاقت مشوّشة، كلّ رغباته وجهوده السابقة. نتذكر الله لا يعني أن نستعيد ذكره كصورة سابقة، بل أن نتنبّه لحضوره المتواصل في أعماقنا، والذي غالبًا لا نلاحظه. تجدر الاشارة الى حلقات الذِكر عند الطرق الصوفيّة.

كلمة “ذاكرة” من ذَكَر، كل ما هو بدء في الانسان والوجود.

“أحببتك متأخرًا جدًا أيها الجمال القديم الجديد”(أغسطينوس).”أنت لم تفتش عنّي، لو لم تكن قد وجدتني”(باسكال).

ما يغذّي ويحيي المتصوّفين ومن بينهم بولس، هي حركة النفس هذه، التي اكتشفت في أعماقها السحيقة، ما يفوقها بلا حدود. من الأكثر عمقًا الى الأكثر تساميًا “سمَوْتُ عاليًا عاليًا فأدركتُ المصيد” (يوحنا الصليب).

دخل بولس في ليل عماه، مَثَلَ منذهلًا صامتًا أمام الوجود الحيّ الفاعل المنكشف له .

 هو الآن في المسيح ومع المسيح وللمسيح !

رجع الى حالة الطهر الأصلية. هو الفريسي يعلم جيّدًا أنّ الله تكلّم مع نوح إبراهيم موسى والانبياء . ويعلم تمامًا أنّه عندما يتكلم الله، يوحي برسالة، أي يُرسِل.

 في قدس قلبه الذي أشعله الربّ يسوع بنار حبّه، مُصلّيًا على انفراد، ينتظر خاشعًا وقلقًا، متلقّفًا، في الصمت، جواب الربّ على سؤاله:” يا ربّ، ماذا تريد أن أفعل؟” وينتظر فيض الروح الجديد. لكي يتمكّن من تكثيف النور الباطني في داخله . نور الروح القدس الذي ينير الرؤية الذاتية ويُخرجها في كلمة غيرية، تُخرج الرؤية الى الغير. لا تكون الرؤية إلّا بالكلمة. ومن زيادة خصوبة عمله، الذي “أسرع للقيام به، أي التبشير في المجامع بأنّ يسوع هو ابن الله”.

هل أجمل من العيش في حضرة المسيح؟ هل يوجد وجود أدعى إلى الغبطة والفرح والاكتفاء من مشاهدة الحقّ؟ وإذ تُشاهده بولس، إشهد له !

تنظر إليك الكنيسةُ بولس، ولسانك ينطق أبدًا بالمسيح، على قدر ما يحتفظ به قلبك !

إنتهت أيام غربتك بولس، وها أنت تعود الى كِنانِك “نحن الذين بالمسيح اعتمدنا، المسيح قد لبسنا”. لكنك مع ذلك، ستظلّ ، بمعنى آخر، أكثر الأشخاص عزلةً على الأرض . لأنّ قلة عبروا حيث وطأتْ قدماك.

يتبع….

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

في معاشرةِ الناسِ نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل

في معاشرةِ الناسِ نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل د. عبدالجبار الرفاعي في معاشرةِ الناس نحتاجُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *