أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / ليل النار حالة صوفية كشفها لنا كبار معلّمي الحياة الباطنة

ليل النار حالة صوفية كشفها لنا كبار معلّمي الحياة الباطنة

ليل النار حالة صوفية كشفها لنا كبار معلّمي الحياة الباطنة

العلامة إيكهارت يقول:” أن تصبح نارًا، عليك أن تتألم، تتململ وتأخذ وقتك…محال أن تقاوم النار!

نجوى طعمه باسيل / لبنان

بحث في خمسة أجزاء حول تصوّف بولس الرسول 

الجزء الثالث

 ولادة الفرح من تلك النار تحصل فوق الزمان والمكان! داخل النفس قوة لا يمسّها الزمن ولا الجسد. تنبع من الروح، تبقى في الروح، وهي كلّيًا روحية. الله موجود كلّيًا في هذه القوّة، يُعشِب ويُزهِر فرحه ومجده. فرحه هو فرح قلب الانسان بامتياز. هذا الفرح عظيم الى درجة غير معقولة. الى حدّ تعجز الكلمات عن التعبير عنه”.

كأننا نقرأ الفصل 12 من الرسالة الثانية لبولس:” أعرف رجلًا مؤمنًا بالمسيح خُطف قبل14 سنة الى السماء الثالثة. أبجسده، أم بغير جسده؟ لا أعلم…وهناك سمع كلامًا لا يقدر بشرٌ أن ينطق به ولا يجوز له أن يذكره…ولكي لا أنتفخ من الكبرياء أُصِبتُ بشوكة في جسدي. وصلّيتُ الى الله 3 مرات أن يأخذها عني، فقال لي:” تكفيك نعمتي، في الضعف يظهر كمال قدرتي”.

باسكال يحاكي بولس في هذه النقطة. الرجلان في الاساس مُتجذّران في حياة إيمانية مع الله. وكلٌّ بموقعه وتجربته، يحمل إرثًا لتنشئة دينية صلبة. بولس على يد جملائيل وباسكال لتأثره بالحركة الجنْسينية. الذي يبحث عن أشياءٍ لم تكن فيه قبلًا، فهو حتمًا لن يجدها.

 بولس يُسَوِّغ، يُجادِل ويُبرهِن. الجدليّة عنده واضحة في اضطهاده للمسيح، وهي نابعة من  أهمية مكانة الشريعة لديه. اختباره الصوفي المباشر مع المسيح، عدّل من هذه الجدلية. أصبح رائي وجدلي. لم يعد العقل وحده مقياس للحقيقة. أنوار الروح القدس تغلغلت في هذا العقل ونقلته الى سرّ يتجاوز قدراته. سرّ محبة الله على الصليب. مع المسيح، بولس يَلِج مباشرة في سِرِّ الله وسَرِّ الإنسان. فهو يحاول خلق تعابير جديدة ليُفهِمَنا بَعضًا من شذرات: مُتنا مع المسيح، نقوم مع المسيح… 

باسكال عالم الرياضيات، والفيلسوف واللاهوتي ، العَبقريّ المُبكر، ومخترع أدوات هندسية عديدة. حاول الجمع بين الإيمان والعلم ليعطي معنًى للحياة. عاش حالة من التَمَلمل والقرف الوجودِيَين، إنتهت في ليل 23/11/1654. عرف باسكال، وهو المسيحي من عائلة مسيحية ملتزمة، عرف إشراقًا سوف يهزّ كيانه ويُصَوِّب حياته بشكل حاسم نحو المسيح.

بعد أيّام على حادثٍ مروّع كاد أن يودي بحياته، اشتعل كيانُه في ليلة النار ((le Memorial.

اختبر نشوةً صوفيّةً ترجمها بكلمات كتبَها على قصاصات ورق وأخاطها في حاشية معطفه. اكتُشِفت عند مماته. جمعتها أخته في ما أصبح كتاب خواطر باسكال.

هتف باسكال في ليلة النار تلك:

يقين ! يقين !إحساس ! فرح ! سلام

إله ابراهيم وإسحق ويعقوب. إله يسوع. إلهك هو إلهي ! نسيان العالم وكل شيىء، ما عدا الله، لا يكون إلّا في الطرق التي يعلّمها الانجيل. عظمة النفس البشرية. أيها الآب الصالح العالم لم يعرفك، أما أنا فعرفتك!

فرح… فرح… فرح…دموع الفرح…لا تتركني يا ربّ لا تفصلني عنك !” كنتُ بعيدًا عنه. هربتُ، تخليتُ عنه، وصلبتُه. لا أريد أبدًا أن أنفصل عنكَ بعد. لا يحفظني في هذا الطريق سوى عيش الانجيل. تسليم كلّي وهادىء!

نشيد بولس الصوفيّ يشهد:”من يفصلني عن محبة المسيح….”!

يذكّرنا هذا بما ختم به توما الأكويني خلاصته اللاهوتية، حول سؤاله: من هو الله؟ “ما كتبتُه هو كالقشّ، أمام ما رأيتُه في أعماقي”.

سُئِل اللاهوتي  Delubac””عن الفرق بين المسيحيّة وباقي الأديان . أجاب وببساطة بأن الفرق، كلَّ الفرق هو يسوع المسيح وحده !

ما الذي كشفه يسوع الناصري لشاول الطرسوسي؟ فهِم أنّ كثرة الفرائض لا تقرّبه من الله وحسب، بل تبعده عن رؤية ما هو جوهري أي، محبّة يسوع اللامحدودة . تَحرّر من قبضة الشريعة والْتَحَق بيسوع، ألحقّ المُحرِّر. مسيحُ بولس عَطَّل شريعةَ شاول.

 يقول اللاهوتي  Christophe Senft :”الله لا يطالب بالتقيّد بالشرائع، هو يطالب بالإنسان”.

بولس الرسول هو مؤسس اللاهوت المسيحي الأول. أعلن بشكل حدسيّ غير منتظم ما أوحِي إليه. الحياة واللاهوت لديه غير منفصلين إطلاقًا. كان مأخوذًا بكُلّيته بأمرٍ أخطر بكثير من أيّ تنظيم، أعني التبشير بين الأمم بالصليب والقيامة والنعمة والخلاص والحياة الأبدية. رآه بوَحيٍ مباشر من المسيح ذاته، عبْر اختبار صوفيّ حيّ فاعل.

 “هذا الشخص الذي يحبّني، أتكلم معه، يصغي إليّ ويجيبني. هذا هو المبدأ لِفهم العالم ولاستعادة المسار في التاريخ” يقول تيار دو شاردان.

“المسيح، هو للرسول بولس، مقياس تقويم الأحداث والأشياء. هو غاية جهوده في إعلانه الإنجيل. هو شغفه العظيم الذي يُثبّت خطاه على طرقات العالم . هو المسيح الحيّ الذي، والقول لبولس، “أحبّني وبذل نفسه عنّي”.

هكذا يبدأ البابا بنديكتوس السادس عشر بتحديد وَساعَة اللاهوت المسيحانيChristologie  في فكر القديس بولس. هذا البُعد الذي يُلزِم كلّ شخص في أعماق ذاته، كما ويضمّ تدبير الله الشامل في الخلق والكون.

يتابع البابا الفخري :”لكي نقتنع، يكفي أن نقرأ مقدِّمات الرسائل الى كلٍّ من كنيسة أفسس وكولوسي، حيث، غرف تيار دو شاردان كلَّ العناصر، ليؤسّس لنظرية التطوّر والتي، تجعل المسيح مركزًا يتحرّك الكلّ نحوه… بإرادة الآب، المسيح هوالإسم والإمضاء للخلق.

هو مخلّص البشرية بطاعته الكاملة للآب. يعطي جسده ودمه ليحيي البشر من حياته الالهية والانسانية. هو الحاضر لكلّ إنسان في علاقة شخصية لا مثيل لها.

ألفا سنة على ولادة بولس .لا تكمُن العظمةُ فقط أن نعترف بإرث بولس في مجال قيمة الإنسان، بل وأيضًا بهذه الصورة الحيّة التي رسمها، والتي تشير الى تَمَثُّلِنا الأصليّ بالله . هذه الصورة المصابة بفداحة الخطيئة . لكن، مُجدّدة ومُستَعادة بالصليب.

والكلام دائمًا للبابا:”إذا كان مفهوم كرامة الشخص البشري طغى على تَصوُّراتنا وأَلْهَمَ مُشَرِّعينا، فالفضل يعود الى حدٍّ بعيد، إلى بولس الرسول الذي أدركَ، في روحه وعقله وجسده، أنّ الانسان هو مخلوقٌ ومُجَدَّدٌ على صورة الإبن، الذي يفتح للإنسانية أبواب دعوتها المجهولة سابقًا. بولس شخصية مثيرة فريدة، فذّة لا تُضاهى . يطرح نفسه لنا كمثالِ أمانةٍ كاملة يُحتَذى، للربّ ولكنيسته، وكرائد انفتاح واسع، على الإنسانية وثقافاتها.”

مع بولس إعتلن هذا الاكتشاف الهائل في تاريخ الإنسانية. قيمة الشخص الفردي . الله بموته على الصليب من أجل كلِّ انسان رفع سقف الكرامة الإنسانية بعيدًا عن عمر الشخص البشري، جنسه، ثقافته، تقواه، دوره في المجتمع .

 قناعة بولس المُحرِقة هذه هي قلب لاهوته النابض.

كما وفي السينما، بلقطة واحدة بطيئة، تتحرّك الكاميرا لتضبط في إطار ضيّق أكثر فأكثر، خطوط وجهٍ يملأ الشاشة ويَأْسر المشاهد. هكذا بولس، المفتون بالمسيح، أغرَق نظره فيه، يَتَلمّحه رويدًا رويدًا، الى أن ملأ وجهُ المسيح حقلَ رؤيته كلّيًا . لم يعد هناك مكانٌ لشيىءٍ آخر. المسيح هو كلُّ شيىء وفي كلِّ شيىء.

هائلٌ الرجل، هائلٌ إختباره للمسيح .

 نعبرُ الآن في أرض بولس، أَسمَيتُها “أرضَ النار”. يُقرِضُنا منها سجينُ المسيح جَذْوةً صوفيّةً تُنير عقولَنا دهْشًا، أو بركانًا يتأجَّجُ حِمَمًا، يُغيِّرُ تَدَفّقُها مراتبَ وجودنا. كلٌّ حسب شجاعته و…رغباته!  

يتبع….

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

في معاشرةِ الناسِ نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل

في معاشرةِ الناسِ نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل د. عبدالجبار الرفاعي في معاشرةِ الناس نحتاجُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *