أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / بواسطة الصلاة يتجذر الإيمان وينضج ويثمر

بواسطة الصلاة يتجذر الإيمان وينضج ويثمر

بواسطة الصلاة يتجذر الإيمان وينضج ويثمر

الذي يصلي ينضج إيمانه ويثمر والذي لا يصلي لا ينضج ايمانه ولا يثمر

المطران رمزي كرمو / إسطنبول

يقدم لنا الأنجيل المقدس، ربنا والهنا يسوع المسيح وهو في حالة الصلاة مرات عديدة وفي مناسبات مختلفة. هذا التأكيد على صلاة يسوع يدل على الأهمية الكبيرة التي كان يوليها مخلصنا الإلهي للصلاة . كانت الصلاة له وسيلة أساسية يلتقي بواسطتها أبيه السماوي ويختبر اتحاده به خبرة حقيقية لكيما يشهد له. في جوابه لتلميذه فيليبس الذي قال له: “يا  رب، أرنا الآب وحسبنا، قال: من رآني رأى الآب. فكيف تقول: أرنا الأب؟ ألا تؤمن بأني في الآب و أن الآب فيّ؟” (يوحنا 14/ 8 – 10). نعم، نعمة الصلاة المسيحية الأولى هي، نعمة الأتحاد بالله، ومن هذا الأتحاد يستمد المؤمن المسيحي قوته وشجاعته لكي يشهد شهادة حسنة للإله الواحد والثالوث.

إن المشكلة التي تعاني منها الكنيسة اليوم، ليست مشكلة قلة أعضائها، أي اولئك الذين نالوا سر العماذ المقدس وأصبحوا مسيحيين والذين يبلغ عددهم أكثر من 2 ميليارد شخص، إنما تكمن في الإجابة على هذا السؤال: كم من هولاء المعمذين تجذرت في حياتهم نعمة المعموذية ونضجت وأثمرت؟ كم منهم يشهد للمسيح الحي والقائم من بين الأموات من خلال حياته اليومية؟ من المؤسف جداً أن يعتبر الكثير من المسيحيين أنفسهم مسيحيين فقط لأنهم إعتمذوا في صغرهم ولديهم شهادة المعموذية (شهادة ورقية)، متناسين إن الشهادة التي ينتظرها منا المسيح هي شهادة حياة وليست شهادة ورق. لنسمع ونتأمل: “إلا ان ما يمجد أبي هو أن تثمروا ثمراً كثيراً وتكونوا لي تلاميذ، لم تختاروني أنتم، بل أنا إخترتكم وأقمتكم لتذهبوا فتثمروا ويبقى ثمركم فيعطيكم الآب كلما تسألونه بأسمي” (يوحنا 15/ 8 و 16). وفي أنجيل متى نسمع يسوع يقول: “هكذا فليضئ نوركم للناس، ليروا أعمالكم الصالحة فيمجدوا أباكم الذي في السماوات” (5/ 16). هذه الآيات تقول لنا بوضوح تام ما هي العلامات التي يجب أن تميز حياة المؤمن المسيحي: إنها الثمر الكثير والأعمال الصالحة، أي شهادة الحياة اليومية. 

لكيما تتجذر نعمة الأيمان في حياتنا وتنضج وتثمر يجب علينا أن نسقيها بالماء الروحي، أي الصلاة. من دون الصلاة، من المستحيل أن ينمو وينضج ويثمر أيماننا. كما أن البذرة التي تزرع في الأرض بحاجة ماسة إلى الماء لكي تنمو وتثمر، بذرة الإيمان أيضا التي زرعت في قلبنا يوم معموذيتنا بحاجة ماسة إلى الصلاة اليومية لكي تتجذر وتنمو وتثمر ثمرا كثيرا وجيدا، ولكي تتحول صلاتنا إلى ماء حي يسقي بذرة الأيمان، يجب أن نغذيها بكلام الله الحي. إن قراءة الكتاب المقدس قراءة معمقة وتأملية هي ضرورية لكيما تجعل من صلاتنا الفردية والجماعية وسيلة فعالة، لا يمكن الإستغناء عنها، للقاء الله والتحدث إليه بكل ثقة واطمئنان،  كما يتحدث الأطفال مع والديهم. 

الصلاة التي ترتكز على كلام الله الحي، تفتح أمامنا آفاقا جديدة للتبشير وأعلان الكلمة والشهادة، إنها تقوي فينا فضيلة الرجاء، خاصة أثناء المحن والتحديات التي نصادفها في حياتنا. يقول ربنا يسوع المسيح، له كل المجد والإكرام والسجود، بهذا الخصوص ما يلي:

“فمثل من يسمع كلامي هذا ويعمل به كمثل رجل عاقل بنى بيته على الصخر. فنزل المطر وسالت الأودية وعصفت الرياح، فثارت على ذلك البيت فلم يسقط، لأن أساسه على الصخر. ومثل من يسمع كلامي هذا فلم يعمل به كمثل رجل جاهل بنى بيته على الرمل فنزل المطر وسالت الأودية وعصفت الرياح، فضربت ذلك البيت فسقط، وكان سقوطه شديدا” (متى7/ 24 – 27). نعم، إن صمود الأيمان أمام عواصف هذا الزمان والتي هي كثيرة وخطيرة ومنها: عاصفة موجة العلمنة التي اجتاحت العالم والتي ترفض القيم الروحية والأخلاقية وحتى الإنسانية، عاصفة وسائل الإعلام الحديثة الطاغية التي تنفث سمومها ألقتالة من خلال برامج وصور وإعلانات تنشر ثقافة الإلحاد وفساد الأخلاق والإستعباد لغرائز الجسد ولذات العالم والتحريض على العنف، عاصفة وباء كورونا التي زرعت القلق والفزع والخوف في قلوب الناس، عاصفة السياسات الدولية المبنية على المصالح الشخصية والقومية والمنافع المادية الضيقة من دون الإهتمام بالنفع العام ومراعاة حقيقة العدالة والمحبة خاصة تجاه الشعوب الفقيرة والمغلوبة على أمرها، عاصفة التطرف الديني الذي يبيح لنفسه أن يقتل الإأنسان باسم الله ويغتصب وينهب ويسلب من دون وازع ضمير.

هذه العواصف وغيرها، التي تنبيء بعلامات الأزمنة واقتراب يوم الدينونة، لا يمكن الصمود أمامها وتجنب شرها والتغلب عليها إلا بقوة الإيمان الناضج المبني على خبرة روحانية شخصية التي هي ثمرة الصلاة  وعطية الروح القدس. لنسمع ونتأمل فيما يقوله لنا ربنا والهنا يسوع المسيح: “ولكن متى جاء ابن الإنسان، أفتراه يجد الإيمان على الأرض”؟ (لوقا 18/ 8). بهذا الكلام، يدعونا ربنا ومخلصنا الى اليقظة والسهر والنهوض من سبات الخطيئة الذي عاقبته الحرمان من فرح الحياة مع الله. “وبدأ يسوع ينادي في ذلك الحين قائلا: توبوا قد اقترب ملكوت السماوات” (متى 4/ 17). حسب رأيي المتواضع، إن الأزمة التي مرت بها الكنيسة في العراق مؤخرا وانتهت بكشف الحقيقة، تحمل في طياتها نداء الى التوبة وتنقية القلوب والمصالحة لكيما يصغي الناس الى خطابها ويثقون برسالتها. بواسطة الصلاة، يكتشف المؤمن القدرات الهائلة التي منحها الله له والمخزونة في داخله ليوظفها في نشر ثقافة المحبة والسلام والعيش المشترك، خاصة ونحن نعيش في عالم يحتاج الى أن يعيد النظر في الأولويات التي تتصدر قراراته وأسلوب حياته ونمط معيشته لكي يكتشف بأن من دون الله تفقد الحياة طعمها ولذتها وسعادتها. تقول القديسة ترازيا الأفيلية: “إن الله موجود، يحبني وهذا يكفيني”.  

يطيب لي أن أختم هذا التأمل بالتذكير بالأهمية الكبيرة التي يوليها البابا فرنسيس للصلاة بمختلف أشكالها: الليتورجية والتأملية والجماعية والفردية وصلاة الصمت والسكوت …،  إنه خصص ارشادات الأسابيع الأخيرة التي يلقيها على المؤمنين كل يوم أربعاء لموضوع الصلاة وأهميتها لكل مؤمن كي ينضج ويثمر إيمانه. يسرني أن أقتبس الفقرة الأخيرة لأحدى هذه الإرشادات: “وختم البابا فرنسيس تعليمه الأسبوعي بالقول: هذه هي مهمة أساسية للكنيسة: “الصلاة والتربية على الصلاة، ونقل مصباح الإيمان من جيل إلى جيل بزيت الصلاة. من دون نور هذا المصباح، لن نتمكن من رؤية وجوه الإخوة الذين علينا أن نقترب منهم ونخدمهم، ولن نتمكن أن ننير الغرفة التي سنلتقي فيها بالجماعة…… بدون الإيمان ينهار كل شيئ و بدون الصلاة ينطفئ الإيمان. لهذا السبب، فالكنيسة التي هي بيت ومدرسة شركة هي أيضا بيت ومدرسة الصلاة”.

لنتأمل قليلا في هذه الكلمات التي قالها البابا فرنسيس، راعي الكنيسة الجامعة، لنتأكد من أن الصلاة هي ضرورة ملحة لا يمكن الإستغناء عنها، ويجب ممارستها بصورة منتظمة ويومية، لكيما نكون مسيحيين ناضجين في الإيمان، وتتحول حياتنا الى شهادة  للمسيح الحي له كل المجد والإكرام والسجود. لنطلب هذه النعمة من الروح القدس، معلم الصلاة الأول، والذي سوف نحتفل بعيد نزوله على الكنيسة بعد أيام قليلة، واثقين كل الثقة من أنه سوف يستجيبنا ويلبي طلبتنا. 

أرجو من الذين يقرأون هذه الأسطر أن يصلوا من أجلي كي أعيش ما تبقى لي من الحياة الزمنية بالإيمان والرجاء والمحبة وشهادة الحياة حتى النهاية. مع الشكر ولنبق متحدين بالصلاة رباط المحبة الذي لا ينقطع.

14 / آيار / 2021  

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

المسيحيون العراقيون !!

بقلم سيف الدين الالوسي المسيحيون العراقيون !! شرف كبير للعراق منذ طفولتي عشت مع جيران …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *