أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / الأجناس الادبية في الليتورجية الكلدانية

الأجناس الادبية في الليتورجية الكلدانية

الأجناس الادبية في الليتورجية الكلدانية

 البطريرك لويس روفائيل ساكو

للصلاة الليتورجيّة (طقوس العبادة)، أي صلاة الكنيسة (الجماعة) الملتئمة حول يسوع، أهميّة بالغة في حياة المسيحيين. هذا ما يؤكده الإنجيل: “حَيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، أَكونُ أَنا في وسطهم” (متى 18/20). مشاركتنا الفعّالة في صلاة الكنيسة الرسمية تدمجنا في الكنيسة على رجاء بلوغ ملء قامة المسيح، وتمنحنا قوّةً للالتزام بإيماننا والأمانة له.

تُعّد ليتورجيا الكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق الاشورية، إحدى أقدم ليتورجيات الكنيسة وأبسطَها. فهي ذات تقليد مسيحي متأثر ببيئة يهودية – أورشليمية وغير متأثرة بالثقافة الهيللينية (اليونانية)ـ هذا ظاهر من نصوص وترتيب صلواتها، وريازة – هندسة كنائسها.

كان يوجد في البدايات خدمتان: الأولى للشعب (الرعية) في المدن والارياف، والثانية للرهبان في الأديار. هذا التميز اختفى لاحقاً، ودمجت الرتبتان في رتبة واحدة طويلة للجميع.

تعود الطقوس الحالية إلى أكثر من ألف سنة، ولغتُها وأسلوب ادائها لا يتلاءمان مع عقلية وثقافة وحساسية زماننا. هذه الطقوس بحاجة الى التأوين والتجديد لتُغذي المؤمنين في حياتهم اليومية، انطلاقاً من حقيقة أن الطقوس هي لهم، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم (توفي 14/9/407)، وهي وسيلة لا غاية.

عموماً فقدتْ معظمُ رعايانا اليوم ممارسة الصلاة الطقسية الاحتفاليّة بسبب اللغة، والطول والتكرار، وغياب التأوين، لذا رأيت أن اُترجم بانتقاء ما يمكن ترجمته من صلوات طقسنا العريق وتأوينها وايجازها، بغية تشجيع الصلاة الجماعيّة مساءً وصباحاً في الخورنات والأديار، والجماعات المكرّسة. اتبعت كتاب “ܩܕܡ ܘܕܒܬܪ“:

صلاة المساء للآحاد وأيام الاسبوع كل يوم بيومه: صلوات الكاهن، مزمور أول للاسبوع الفردي وآخر للاسبوع الزوجي، لاخو مارا، عونيثاتا بالعربية والسريانية ثلاثة أبيات بحسب الاسبوع الفردي والزوجي، مزمور ثانٍ، عونياثا، كاروزوثا – الطلبات، قدوس الله، قراءة من الانجيل، قراءة من آباء كنيستنا، تأمل وعِبر، مزمور أخير، عونياثا الشهداء 7 أبيات بالعربية والسريانية، صلاة الختام.

 صلاة الصبح للآحاد مزمور أول تسبحة اليوم، كاروزثا – الطلبات، مزمور ثان بحسب الاسبوع الزوجي أو الفردي، ترتيلة عند شروق الصبح، اشرق النور على الابرار، ترتيلة باركي الرب يا جميع أعمال الرب، قراءة من الانجيل، قراءة من آباء الكنيسة، وتأمل وعِبَر، المجد لله في العلى (النص الطويل).

صلاة الصبح لايام الاسبوع: مزمور أول، تسبحة، طلبات، مزمور ثانٍ ( للاسبوع الفردي و الزوجي)، لاخو مارا، مزمور إرحمني يا الله، تسبحة الصباح: لك التسبيح يا إلهنا بالعربية والسريانية، قدوس الله، قراءة من الانجيل، قراءة من آباء الكنيسة، تأمل وعِبَر، تراتيل الشهداء، عند شروق الصبح، تسبحة نقوم في الصبح، صلاة الختام.    

تتكون هذه الليتورجيا حاليا من الاحتفال بالقداس والاسرار الاخرى، ومن صلاة الغروب – المساء ܪܡܫܐ، والصبح (ܠܠܝܐ-ܡܘܬܒܐ) ܨܦܪܐ في أيام الآحاد والأعياد والايام الاعتيادية، فضلا عن صلاة السهرة ܫܗܪܐ، في أيام الآحاد والأعياد:

أما خدمة زمن الصوم الكبير فهي كالتالي: منتصف الليل، والليل، والسهرة، والفجر، ܩܘܛܥܐ، أي صلاة الساعة الثالثة (التاسعة صباحاً)، ܥܕܢܐ، أي الساعة السادسة أي منتصف النهار، ܕܡܓܗܝ، اي  الساعة الثالثة بعد الظهر، ثم ܣܘܒܥܐ الإفطار في الغروب.

دخلت التآليف الشعرية ذات القافية الموزونة والموجزة في الليتورجيات الكنسية باكراً، ولسبب عملي، وهو ان الناس لم يكونوا يجيدون القراءة والكتابة، فكانوا يتعلمون هذه النصوص عن ظهر القلب، خاصة القصيرة منها، ويرتلونها أثناء الاحتفالات الطقسية.

الليتورجيا هي الصلاة والتعليم الديني الرسمي، اذ لم يكن يوجد في كنيستنا سابقاً لاهوت مدرسي – منهجي كما كان الحال في الغرب، فلاهوتنا معبَّر عنه في الليتورجيا. تصحب هذه التراتيل المختارة صلواتٌ يؤديها الكهنة، وطلبات يُرتلها الشمامسة، وردّات يؤديها الشعب. تعود غالبية الترتيل الكنسية إلى آباء الكنيسة الأوائل والى الرهبان في الأديار، مثل أفرام، نرساي، باباي… ويُعد القرن السابع العصر الذهبي لليتورجيا كنيسة المشرق الكلدانية والاشورية.

ألحانُ الليتورجيا الكلدانية وموسيقاها غير مقيَّدة بأساليب النوتة وأوزانها، ومتأثرة بمقامات بلاد ما بين النهرين. الحان شجيّة، فيها صبغة من الروحانية والخشوع والرجاء.

نظمت السنة الطقسية على محور “التدبير- ܡܕܒܪܢܘܬܐ، أي محطات حياة المسيح، حتى ينصب اهتمام المؤمن على مدار السنة في التأمل بمحطات حياةالمسيح [المثال- الايقونة]، يأخذ منه ويضيفه إلى ما هو عليه، ليتحول شيئاً فشيئاً إليه.

 رتب هذه الطقوس بشكل دقيق وشبه نهائي البطريرك ايشوعياب الثالث الحديابي (649- 659) ورهبان الدير الاعلى (كنيسة الطهرة الحالية في الموصل). من المؤسف انه أتلف رتب قداس عديدة واكتفى بثلاث: اداي وماري ونسطوريوس وثيودورس واليوم اضفنا رتبة جديدة باسم مار توما رسول كنيستنا. 

ما الجنس الأدبي؟

الجنس الأدبي، نصٌّ فني literary genre، يغلف فيه الكاتب مشاعره (الإيمانية) في ألفاظه وثقافته ولحنه، و يعبّر عنها باشكال أدبية فنية عديدة شعراً ونثراً.

الليتورجيا، بصفتها ممارسة دينية تُظهر صلة الإنسان بالله، وتُعبّر عن مشاعر الإعجاب والشكر والسجود، وتتناول مسائل مصيرية كالحياة والموت، الخير والشر، والألم والمستقبل.

لا يميل الكتّاب المشرقيون إلى التوسع في أفكار مجردة كما الحال عند نُظرائهم اليونان واللاتين، بل يستعملون عموماً الصور المحسوسة المليئة بالخبرة، فتغدوَ عندهم الأشياء رموزاً توحي بحقيقة غنية من مستوى آخر غير منظور. كما يستعملون اسلوب التوازي، أي الفكرة نفسها تتكرر في الشطر الثاني بغية التكامل او التعارض.

نذكر من بين هذه الفنون الأدبية المستعملة في الليتورجيا الكلدانية:

  1. المزامير ܡܙܡܘܪܐ مقتبسة من الكتاب المقدس (العهد القديم)، وهي مستعملة بكثرة في الليتورجية الكلدانية. ثلاثة مزامير (ܡܪܡܝܬܐ) أو تسعة مزامير (ܗܘܠܠܐ). في كتاب الصلاة الجديد بالعربية والسريانية احتفظتُ بمزمورين فقط ورفعتُ عبارات اللعنة.

مزمور 62 (الأسبوع الفردي) لرمش الأحد.

  • إلى اللهِ وحدَه تَطمئِنُ نفسي* ومن عندِهِ خلاصي
  • هو وَحدَه صَخرتي وخَلاصي* وهو حِصني فلا أتزعزَع
  • إلى اللهِ وحدَه إطمئنِّي يا نفسي* فإنّ منهُ رجائي
  • عندَ اللهِ خلاصي ومجدي* وفي اللهِ صخرةُ عزّي ومُعتصَمي
  • ….
  1. الترنيمة ܥܘܢܝܬܐ (اغنية)، هي أبيات شعرية قصيرة، يتغير لحنُها وطولُها بحسب شكلها الفني. نجدها في كلّ رتب الصلوات والاحتفال بالأسرار المقدسة وفي تطواف الشهداء. هناك عشرات الأوزان للأغنيات الطقسية، جمعت في الفرض الكلداني ܚܘܕܪܐ وسُميتْ ܫܘܚܠܦܐ، تتغير بحسب المقام ولها “رؤوس الاصوات”: ܪܫ ܩܠܐ. تبدأ عموماً ببيت من أحد المزامير. ثمة ايضاً ترتيلة قصيرة تسمى ܩܠܬܐ تربط المزامير بتراتيل صلاة المجلس – ܡܘܬܒܐ.

مثلا : ترتيلة رمش الثلاثاء الأسبوع الأول: على لحن: ܒܠܠܝܐ ܡܟܝܠ:

إستمع يا ربِّ صلاتي: نسألُكَ ربَّنا، بِحُبٍّ خَلقتَنا، في يوم مجيئِكَ، أحيينا معك، أنتَ الرحمانُ الرحيم، تَقْبلُ التائبينَ، وتغفرُ الخطايا، بنِعمتِك.

من ترانيم الشهداء ܣܵܗ̈ܕܹܐ لمساء الخميس ܒܪܝܼܟܼܝܼܬܿܘܿܢ ܠܡܵܪܝܵܐ

تبَارَكْتُم للرّبّ: شهداؤنا الأبرارُ رأوا، الحياةَ في الموت، فاحتملوا العذابات، كأنها مَكْرُمَات، إستشهادُهم نِعَمْ للعالم وَبَرَكات، كنزٌ وافرُ المعونات.

  1. التسبحة ܬܫܒܘܚܬܐ: شعر موزون من أبيات عدة وعلى أحد بحور الشعر السرياني، تُرتَّل بين جوقتين بالتناوب. أحياناً يتفنن فيه الشاعر فيبدأ بحرف من حروف اسم يسوع المسيح وينتهي به كما في النص السرياني لـِ: “أشرق النور على الابرار والفرح على مستقيمي القلوب” لصلاة صبح الآحاد والاعياد. هذا النوع الأدبي نجده في الطقوس الاخرى. واليكم مثال لتسبحة منسوبة لمار أفرام على الوزن الثامن لصبيحة الأحد. انها تعبير احتفالي عن شكر المؤمنين لله على النور وغزير نعمه وغفرانه، وطلب السلام والأمان في مطلع يومهم الجديد.

ترتيلة: ܡܕܢܚܝ ܨܦܪܐ

  • عند شروقِ الصبحِ، نُمجِّدُكَ أيُّها الربّ مُخلِّص البشر، أعطِنا برحمتِك نهاراً مملوءاً راحةً وسلاماً، وأنعم علينا بغفرانِ الخطايا.
  • لا تخيّب رجاءَنا، ولا تُغلِقْ بابكَ بوجهِنا، ولا تحرِمنا من عنايتك، ولا تعامِلنا بحسبِ إستحقاقِنا، لأنكَ أنتَ وحدكَ عالمٌ بضَعفِنا، يا الله.
  • إزرع يا رب في المسكونةِ حُبّاً وسلاماً وإتفاقاً، وإحفظ الكهنة وحكام الأرض، وضع سلامَكَ بين المسؤولين إشفِ المرضى وأدِم العافية للأصِحاء، وإغفر خطايا جميع البشر.
  1. المدراش ܡܕܪܫܐ، نص شعري ديالكتيكي تعليمي، يتغير لحنه بتغير وزنه، يرتل أبياته الاُسقف أو الكاهن أو الشماس، ويردد الشعب اللازمة لقصرها وسهولتها. عموماً المداريش طويلة، لكن الكلدان احتفظوا بثلاثة ابيات أو أربعة فقط. نجده في رتبة الآحاد والأعياد والتذكارات.

مدراش الباعوثا ليوم الثلاثاء

الردة: بارينا من العدم، لا ترذُلنا كالعدمْ، مهما كانَ اثمُنَا، فاقتْهُ نعمَتُـك

– جئنا ثقة بك، نبتهل يا حنّان، إقبل تضرعنا في باب رحمتك، أنت عادل رؤوف، لا تغضب من اثمنا، حبك دوماً يرقى، ساكباً فيض النعمة. [الجميع: الردة]

  1. الطلبات ܟܪܘܙܘܬܐ. ابتهالات الى الرب من أجل السلام والأمان، والبيئة – حسن الهواء والامطار وتجنب الحرائق والجراد- والكنيسة ورؤسائها، وحكام الارض، وشفاء المرضى وراحة انفس الموتى…
  • لِنَنْهَض حسناً بِخُشوعٍ وإجتهاد، ولنَطلُب قائلين: يا ربَّنا إرحمنا. الردة: يا ربّنا إرحمنا
  • يا أَبا المَراحِم والهَ كلِّ تَعزَّية، نطلبُ منكَ
  • يا مُخلّصَنا والمُهْتَمَ بنا ومدَّبِرَ الكلّ، نطلبُ منكَ
  • لأجلِ أَمنِ وإتفاقِ كلِّ العالم وجميعِ الكنائس، نطلبُ منكَ
  1. الصلوات ܨܠܘܬܐ. انها صلوات قصيرة يتلوها الاسقف أو الكاهن.

إحدى صلوات مساء الأحد

 الكاهن: يا ربّ، إستجبْ صلاةَ عِبادِكَ بحنانِكَ، وإقبل دعاءَ الساجدينَ لك برأفتِكَ، وأَشْفِقْ علينا نحنُ الخَطأة برحمتِك، يا شافيَ أجسادِنا ورجاءَ نفوسِنا الصالح، كلَّ حينٍ إلى الأبد، آمين.

  1. ترتيلة حوارية ܣܘܓܝܬܐ. محاورات شعرية ملحنة يؤديها فريقان، عموماً تحمل معنى تراجيدي، نذكر على سبيل المثال حوار لص اليمين- كيّاسا ܓܝܣܐ والملاك. نجد هذا النوع الادبي عند نرساي وافرام (ساكو محاورات شعرية مرتلة منسوبة الى نرساي، كركوك 2005).
  2. البركات ܒܘܪܟܬܐ، تختم الاحتفال وتطلب بركة الله وعونه. نجدها في نهاية الصلوات، وختام القداس والاحتفال بالزواج.

هذه احدى بركات الباعوث:

  • عد يا ربي، من السماء وباركنا: (الجميع: نعم يا رب)
  • أحل أمنك في أقطار المسكونة: (الجميع: أمين)
  • ليبارك رمزك إكليل السنة، أفض الخصب في كل المواسم.
  • والكنيسة المختارة من الشعوب، صن وعدك بحفظها ثابتة.
  • بارك واحفظ رعاتنا في المعمورة، وشحهم سلطانك على الدوام.

        …

  1. موعظة شعرية ܡܐܡܪܐ: فن ادبي شعري (قصيدة) عموماً طويل، يتناول موضوعاً أو مناسبة دينية بطريقة تأملية. يحتوي بعد البيت الأول، لازمة يرددها الشعب بعد كل بيت. نجد نماذج لهذه القصائد ألادبية واللاهوتية، خصوصاً في رتبة باعوثا بنينوى على كل البحور.

 هذا مقطع من الميمر الاول لصوم نينوى، المعروفة بالباعوثا وينسب الى مار افرام

  • مَنْ يأتي للباعوثا؛ يُنقي أفكارَهُ، يأتيهِ بَذرُ الحياة؛ إذا رَغِبَ فيهِ،
  • رُبَّ عينٍ ضعيفة؛ لا تَنفتِحُ للنور،
  • ربَّ فكرٍ طائشِ يرفضُ روحَ الحياة.
  • رُبَّ صومٍ في الظاهر وفي الباطنِ باطل
  • ربَّ حسدٍ غيورْ في القلبِ يضطرمُ.
  • ويّعدُ سمَعَه مثلَ الأرضِ للفلاحْ
  • سمعُه يتَصفى كالعينِ في وضحِ النورْ.
  1. ترجوم ܬܘܪܓܡܐ (جنس أدبي دخيل صار بديلاً للموعظة). يبدو انه متأثر بالترجوم اليهودي. فهو ياخذ نصاً من الكتاب المقدس ويترجمه بتصرف أو يتناول مناسبة دينية. تعود معظم هذه التراجم الى البطريرك ايليا الثالث ابو حليم (1176- 1190). احتل الترجوم شئيا فشيئا مكانة الموعظة، لكن الكنيسة الكلدانية أهملت الترجوم ما عدا بعض المقاطع القصيرة بالعربية كانت تتلى في كنيسة مسكنتة بالموصل في عيد الدنح والصليب…

أود ان اُنهي هذه المقالة بأمنيتين: جمع كل هذه الالحان الطقسية ضمن CD او البومات للحفاظ عليها. كما اتمنى ان يكون لنا مركز ثقافي كلداني يحوي كل المخطوطات والكتب التي صدرت عن تراثنا والدراسات والألحان لتكون مرجعاً للباحثين.

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

السفير الايطالي لدى الجمهورية العراقية يزور البطريركية

السفير الايطالي لدى الجمهورية العراقية يزور البطريركية إعلام البطريركية استقبل صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *