أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الكرسي البطريركي و ابرشية بغداد الكلدانية: ضبابية التمييز

الكرسي البطريركي و ابرشية بغداد الكلدانية: ضبابية التمييز

الكرسي البطريركي و ابرشية بغداد الكلدانية: ضبابية التمييز

 الخوراسقف نويل فرمان السناطي

لعل الموضوع لم يطرق سابقا بهذه المقارنة، فظهرت آراء متضاربة، عن هذا الشأن أو ذاك، متأثرة بثنائية: التحدث عن الكرسي البطريركي، وكأنه أبرشية بغداد حصرا، والإشارة إلى أبرشية بغداد، وكأن للأبرشيات الاخرى أن تكون نسخة منها.

 الكرسي البطريركي في العراق: في عصرنا تواجد الكرسي البطريركي الكلداني في بغداد منذ الستينيات، تبوأه ثلاثة بطاركة سابقون وصولا إلى البطريرك مار لويس روفائيل ساكو سنة 2013. ومن المعروف على المستوى الرسمي، ان يكون للبطريركية دورها كرئاسة روحية لمؤمنيها في العراق والعالم، في تعاملها مع الدولة والمحافل العالمية، في اللقاءات المجمعية الكلدانية او مع الكرسي الرسولي، وزيارات للرعايا الكلدان في شتى البلدان. وبصفته الكاردينالية يحضر البطريرك ساكو، كمشارك أو مستشار، في لقاءات كاثوليكية ودولية عالمية. وقبل المرحلة الرقمية للمواقع الالكترونية، كانت تصدي لمختلف هذه الانشطة وسائل الاعلام العامة، الرسمية والمسيحية محليا أو عالميا. وتخللت ذلك بمستوى امكانيات التواصل آنذاك تفاعلات تجاه البطريركية عن هذه المواقف أو تلك.

التمييز بين البطريركية والابرشية: البطريركية غير ابرشية بغداد. البطريرك هو لكل الكنيسة الكلدانية ويعاونه في ذلك معاوناه ، لكنه في الوقت عينه رئيس أبرشية بغداد العاصمة ويتابع شؤونها عن كثب. البطريرك يهتم بكل شؤون الكنيسة الكلدانية مع اباء السينودس الكلداني. كل ابرشية هي ادارة ذاتية، اي تتمتع بنوع من الفدرالية.. هناك، كما علمت، مركزية للبطريركية ولا مركزية الابرشيات بسبب البقعة الجغرافية والكثافة السكانية والمجتمع وثقافة البقعة ولغتها.. أي أن رئيس الابرشية هو المسؤول المباشر عنها…

ابرشية بغداد للكلدان: بعد أن رأينا حاجة للتمييز بين الكرسي البطريركي في العراق ومقره بغداد وبين ابرشية بغداد ما تحمله من خصوصية. لا بد من الاشارة، تاريخيا، إلى أن الكنيسة الكلدانية في بغداد امتلكت خصوصيتها الجغرافية ككنيسة محلية، ذات خورنات في أنحاء العاصمة، حتى اصبحت منذ أيلول 1960 مقرا لكرسي البطريرك ليصبح فيها حبر الابرشية إلى جانب مهامه الرسمية والراعوية بالمزيد من الشمولية محليا وعالميا. وكانت خورنات بغداد تتباين في نسيجها اللغوي، بين خورنات تقع في تجمعات مكثفة لمسيحيين يتكلمون الكلدانية السوادية، وآخرين يتكلمون العربية من المستقرين في بغداد او قادمين من الموصل او البصرة. وكان لحد انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني يقرأ الانجيل في كنائس بغداد بالعربية، إلى جانب الكلدانية السوادية، وكذلك موعظة الكاهن، شأن أبرشية بغداد شان الابرشيات والخورنات الاخرى، بحسب خصوصية اللغة المتداولة لدى المؤمنين، التركمانية لدى بعض كلدان كركوك، العربية في الموصل والبصرة والكلدانية السوادية في خورنات أربيل والسليمانية وسهل نينوى والشمال.

لغة طقوس القداس والصلوات لما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني: دأبت الكنيسة الكلدانية، منذ القدم، كما في الكنائس الشرقية الكاثوليكية والكنائس اللاتينية، على استخدام اللغة الطقسية في القداس وصلوات الصبح والمساء الليتورجية. ثم وجه الفاتيكاني الثاني (1962-1965) بتجديد الطقوس وترجمتها إلى اللغات المتداولة للشعب. وجاء في التوجيه: “يعاد النظر في الكتب الطقسية في أقرب وقت” (الوثيقة المجمعية دستور في الليتورجيا المقدسة). فلقي ذلك اعتراضا من جهات متمسكة باللاتينية، ولكن الترجمة انتشرت مع التجديد الطقسي على نطاق أوسع مشجعة مشاركة المؤمنين، واستيعابهم للغة، بسبب عدم استخدامهم اللغة اللاتينية إلا علميا في دراسات اللسانيات، وفي بعض الجماعات المنغلقة. ما يتميّز عن هذا عند قسم كبير من الكلدان، هو أن لغة الام لديهم هي الكلدانية المحكية، التي يرجعها المختصون الى الجذور النهرينية، وهي قريبة بنسبة طيبة، من اللغة الكلدانية الفصحى لغة اسفار كتابية ولغة المسيح. لكنها لم تعد تفهم بنحو مباشر من الناطقين باللغة الدارجة، وقلما وجدنا من يستطيعون التداول بها بتلقائية وطلاقة.

هكذا ليسمح لي بالاعتقاد أن التغيير والتجديد حاجة ضرورية لتتلاءم مع الحاضر وفكره وثقافته ولغته وظروفه. وأن الانسان الذي يستصعب التغيير أو لا يقبله، ويريد ابقاء القديم على قدمه، بدون معالجة ولا تأطير، فهو بذلك كما أرى يحنط الواقع . فالقديم لا يمكنه مخاطبة الجيل الجديد، بدون أدوات معاصرة، خصوصا ونحن نواجه العالم الرقمي وان نسبة الشباب في الكنيسة الكلدانية هو 50%.

ابرشية بغداد واستخدام الصلوات باللغة المحلية: ومع أن أسم الكنيسة الكلدانية جغرافيا يعود بخصوصية اثنية وثقافية إلى جذورها في تربة العراق، إلا أنها غدت برسالتها الكاثوليكية ايضا، وغير القومية حصرا، مدعوة بعد الفاتيكاني الثاني، لتتبنى في طقوسها اللغة المعاصرة لأبنائها على تنوع ثقافاتهم، وهم يتعاملون بنسب ديمغرافية متفاوتة، مع اللغة العربية، ولغات بلدان تواجدهم في شتى الابرشيات، إلى جانب الكلدانية السوادية التي كما أسلفت يتحدث بها القسم الكبير من القادمين من بلدات سهل نينوى وقرى شمال العراق، وبمختلف اللهجات.

لكن اتجاه الترجمة الى اللغات المحلية جاء بطيئا نسبيا، لظروف واسباب مختلفة حتى بادر معلمي الأب (المطران) جاك أسحق بإعداد كتاب (القداس الإلهي، حسب الطقس الكلداني) بعمودين من الكلداني الكرشوني والعربي وذلك في بحر السبعينيات في عهد البطريرك الراحل مار بولس شيخو، وآخر نسخة وجدتها هي الطبعة الرابعة (1996) بتقديم البطريرك الراحل مار روفائيل بيداويد. ليغدو الكتاب بمتناول المؤمنين في بغداد والموصل، وعدد من مناطق وبلدان تواجد عموم الابرشيات. فظهرت على غراره، في العديد من الابرشيات الكلدانية في العالم، كتب القداس بالكرشوني والعربي، إلى جانب الكلداني واللغة المحكية. 

فإذا بثت البطريركية، خلال السينودس الاخير صلوات للاساقفة، بحسب ما متداول في ابرشية بغداد، فهذا لا يعني، كما أعتقد، أن تحذو حذوها سائر الابرشيات في أماكن تواجدها وبلغات محلية أخرى؛ ولا يعني أن السادة الاساقفة الذين اشتركوا بهذه الصلوات أنهم عادوا الى ابرشياتهم ليقولوا سنصلي بالعربية، كما في ابرشية بغداد البطريركية. وحاشا للبطريركية، ببثها الصلوات الطقسية بالعربية، إلى جانب عدد من الصلوات الكلدانية، أن تفرض اتـّباع ذلك في مناطق لا تتعامل بالعربية.

الخورنات لا بل الابرشيات التي تقيم القداس والصلوات الليتورجية هي عديدة في العراق وسائر البلدان بحسب تواجد الشمامسة والمؤمنين. على أن هناك تساؤل عن المتمسكين قلبيا باللغة الطقسية: ما هي ملاحظاتهم عن جيل أبنائهم، وكيف يتعامل هذا الجيل الوسطي مع الاحفاد، بما يخص الحاجة الى التجذر معهم والتأقلم مع لغة البلاد، إلى جانب الكلدانية السوادية؟ ومن المعروف ايضا بأن اللغة الدارجة، المتنوعة بلهجاتها قلما تعكس في الصلوات رونق اللغة الفصحى. وعليه ثمة حاجة إلى استنهاض جيل من الشمامسة الشباب، وليسعوا للتعامل مع اللغة الطقسية الفصحى في اماكن تواجد الناطقين بـالكلدانية السوادية، ويتفرغ الأقدم فيهم لتخصيص وقت لاستساغة معانيها وروحانيتها المستوحاة كثيرا من عمق الكتاب المقدس. ولعله سيتاح لي في مقال آخر، أن اقدم خبرة متواضعة ومنعشة في هذا الحقل مع استخلاصات عن لغة التعامل باللغة الطقسية في كنيسة المشرق…

وأخيرا وليس آخرا فإن الاعتزاز كلدانيا لدى المؤمنين أو غير مؤمنين، ممارسين، أو مسيحيي اسرار كنسية وحسب، هذا الاعتزاز لا بدّ أن يدعوهم لأن ينضمّوا، كل حسب ظرفه وخصوصيته إلى نوع حراك كلداني مدني قومي، لانعاش هذه الخصوصية على امتداد المحاور الفولكلورية الأدبية والفنية … لأنه إذا اتخذ من الجانب الاشوري الشقيق إسوة حسنة، فإن ذلك جاء بفضل الحراك المدني القومي الآشوري إعلاميا وفنيا وأدبيا وما إلى ذلك، إلى جانب كنيسة ذات خصوصية قومية بحتة، ضمت، مع ذلك، في مجمع اساقفتها، ولأسباب تاريخية، أسقفين هنديين يصليان مع شعب الكنيسة الاشورية في الهند، بلغة طقسية. وأشك أنهما يلمان باللغة الطقسية لكنيسة المشرق الآشورية، لأن المقابلة الاعلامية التي اجريت مؤخرا مع أحدهما وهو سيادة مار اوكين قرياقوس، تمت بالانكليزية.

عن Maher

شاهد أيضاً

صدور نسخة جديدة منقحة من كتاب حياتنا الليتورجيا الكلدانية للبطريرك ساكو

صدور نسخة جديدة منقحة من كتاب حياتنا الليتورجيا الكلدانية للبطريرك ساكو إعلام البطريركية صدر أمس، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.