أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / تسبحة النور لمار أفرام “أشرق النور على الأبرار والفرح على مستقيمي القلوب”

تسبحة النور لمار أفرام “أشرق النور على الأبرار والفرح على مستقيمي القلوب”

تسبحة النور لمار أفرام

“أشرق النور على الأبرار والفرح على مستقيمي القلوب”

 

المطران أنطوان أودو

أول ما يلفت انتباهنا لدى دراستنا تسبحة النور هذه، التي لها مكانة كبيرة في كنيسة المشرق، كما في كل الليتورجيات السريانية المتعددة، هو أن البيت الأول فيها- والبداية كما النهاية هامتان في الولوج إلى فحوى النص- هو استشهاد لخاتمة المزمور 97/ 11-12، وكأني بمار أفرام بعدما أنشد هذا المزمور الذي ينتمي إلى النوع الأدبي في المزامير، والمعروف “بمزامير المُلك” (93-99)، يتلمّس فيه نور المسيح الذي أشرق. فإننا نلاحظ أن أول كلمة تتبع البيت الأول هي اسم يسوع “يسوع ربنا المسيح أشرق لنا”، لقد حَلَّ نوره وغمرَ الخلائق بأجمعها. ولا عجب في ذلك فمار أفرام هو لاهوتي – شاعر، يجسّد تفسيره لكلمة الله في صلاته، ولا سيما انطلاقاً من المزامير. لقد قيل بحق في تعليم آباء الكنيسة ومنذ القدم: إن المزامير هي صلاة يسوع وهي نبوءة عن تدبيره الخلاصي.

ينطلق مار أفرام كما قلنا من المزمور 97 الذي يصف قوَّة الله خالق الكون ومخلّص الإنسان من عبادة الأوثان، ويفسره ويتذوقه ويصلّيه وهو مغمور بنور السيد المسيح، وكأن ما بين المزمور والتسبحة توازياً، وهذا ما يذكّرنا بمقولة اللاهوتي ومفسّر المزامير القديس أغسطينس في القرن الرابع: “نور الإنجيل مخفيّ في العهد القديم، ونور العهد القديم ظاهر في الإنجيل”.

وفي شأن التوازي بين التسبحة والمزمور نلاحظ أن المزمور يبدأ بدعوة الأرض والجزر الكثيرة إلى الابتهاج والفرح وينتهي بالنور والفرح المشرقين على الأبرار ومستقيمي القلوب، وكذلك، نلاحظ في تسبحة مار أفرام، التشديد في البداية على “النور المشرق” وهو “المسيح ربنا”، وفي النهاية على “النور والفرح”: “فإنه آتٍ بمجده يفرحنا بنوره البهي في الملكوت”. ولا بُدَّ لنا في هذه المقدمة من أن نشير إلى أسلوب “المدراش” الذي غالباً ما استعمله مار أفرام، وكان رائجاً في زمانه، ومتأصِّلاً لدى مفسِّري الكتاب المقدس في العهد القديم.

ولنتوقف الآن بعد هذه المقدمة عند التسبحة محاولين أن نتفهم أكثر عبقرية مار أفرام اللاهوتية والأدبية. فانطلاقاً من المفردات، ولا سيما المتكررة منها بكثافة، ومن خلال تقطيع النص إلى قسمين مترابطين، نحاول القيام بتصنيف المواضيع إلى أن نصل إلى وحدتها المعبِّرة.

ما يلفت انتباهنا أولاً في مجال تصنيف المفردات هو فعل “أشرق النور” و “يسوع ربنا المسيح أشرق لنا”. وبعد ذلك نجد “فجاء وأنقذنا من الظلمة”. فمن ناحية لدينا موضوع النور الذي أشرق، وهذا يشير إلى الفصول الأولى من سفر التكوين التي تتحدث عن “الخلق” “في البدء خلق الله السماوات والأرض” (تكوين 1/ 1)، كما أننا نلاحظ أن الخلق مرتبط بالخلاص، ولذلك يقول مار أفرام “فَجاءَ وأنقذنا من الظلمة وبنوره الوهاج أنارنا”. فمن ناحية لدينا الربط كما قلنا بين الخلق والخلاص ومن ناحية أخرى الصراع بين النور والظلمة، فعلى النور الشارق أن يطرد الظلمة، كما أن الخلق، خلق الطبيعة بأكملها هو في سبيل خلاص الإنسان “فجاء وأنقذنا”.

وفي مجال تتبع موضوع الخلق، باستطاعتنا التوقف عند الحقل الدلالي الذي يعبِّر عن الخلق: “اندفق النهار، انهزم سلطان الليل” (لاحظ قوة التضاد: اندفق/ انهزم، النهار/ الليل).

وفي نفس الحقل الدلالي “الخلق” لدينا: “أفاض مجده على المسكونة/ مات الموت وباد الظلام؛ أنار اللجج السُّفلى/ تحطمت أبواب الجحيم؛ وفي أسلوب مار أفرام، وهو أسلوب متأصّل في الكتاب المقدس، فهو يدمج بين التوازي شارحاً ومتوسعاً في المعنى، كما أنه يُعارض بين المجد والموت وطبعاً بين النور والظلمة، ليبرز المعنى الذي يريد أن يصل إليه، وهو أن يسوع هو نور الخليقة وهو مخلّص الإنسان من الموت.

قلنا أنه باستطاعتنا أن نقسم النَّص إلى قسمين الخلق والخلاص وهذا ما نحاول إبرازه في هذه الدراسة، ومما نلاحظه أن مار أفرام استعمل أسلوب المزامير التي تسمى أبجدية، وكانت تقوم على وضع أحرف الأبجدية بالترتيب في بداية كل بيت شعري من المزامير وفي ذلك معنى، لأنه بواسطة الأبجدية المستعملة في المزامير هناك إشارة إلى أنه بواسطة الأبجدية “الكلام” المكتوب والمقروء، باستطاعتنا أن نعبِّر عن مطلق الحقيقة الموجودة في الكتاب المقدس.

كذلك مار أفرام، وبدل أحرف الأبجدية، استعمل اسم يسوع المسيح، وفي بداية كل فقرة وضع بالترتيب الأحرف التي منها يتشكل اسم يسوع المسيح: ܝ – ܐ – ܫ – ܘ – ܥ \ ܡ – ܫ – ܝ – ܚ – ܐ وكلها عشرة أحرف، والعشرة هي أيضاً الدلالة على المطلق والكمال. وعلاوة على ذلك، فبينما نجد أن اسم “يسوع” يحتوي القسم الأول من التسبحة، نكتشف أيضاً أن لقب “المسيح”، الذي يتصدَّر كل الألقاب التي ليسوع، متواجد في القسم الثاني من التسبحة. هذا يعني “يسوع ربنا المسيح الذي أشرق لنا من حشا أبيه” هو الذي يظلل بنوره المسكونة “الخلق” (القسم الأول) وهو أيضاً (القسم الثاني) “المخلّص” الذي يجعل نوره في الأبرار ومستقيمي القلوب.

وفي سبيل شرح القسم الثاني من التسبحة، نستطيع أن نعتبر أن الفقرة التي تختم القسم الأول هي انتقالية، تلخّص مسيرة الخلاص: عمل خلاصاً – وهب الحياة – صعد إلى أبيه العلي (موضوع فصح المسيح) وهذا الخلاص يكتمل بحضور المسيح الحاضر في قلب جماعة الأبرار التي تنتظره. وهنا أيضاً نلاحظ في النص تكرار لفعل “أتى”، مكرر 3 مرات في النص الكلداني الأصلي، في البداية في الماضي وفي القسم الثاني في الحاضر “وإنه آتٍ”. وفي ذلك، تشديد على الأبرار ومستقيمي القلوب الذين هم في حالة “انتظار” “ينير العيون التي انتظرته”. فكل القسم الثاني يسلّط الأضواء على هذا الخلاص الذي تحقق والذي يضع المؤمنين في حالة انتظار، أعني حالة انفتاح على مجيء الرب “إنه آتٍ” اليوم، فلنكن متأهبين ولا نستسلم للنوم كما استسلمت “العذارى الجاهلات”، وهناك ذكر متكرر في مواطن مختلفة من النشيد في قسمه الثاني لمثل العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات. ونستطيع أن نشير إلى تضمين النص بالمثل المذكور: ينير العيون التي انتظرته – لنشعلن سُرُجَنا ونخرج إليه – يطلع نهاره فجأة (الخلق) – فيخرج إليه القديسون (الانتظار والخلاص) – ويُشعل المصابيح – كل الذين تعبوا وكافحوا واستعدوا.

نلاحظ أخيراً في هذا القسم الثاني التشديد على الخلاص “مخلّصنا” في ختام القسم الثاني، وعلى “إنه آتٍ بمجده يفرحنا بنوره البهي في الملكوت” وفي ذلك عودة إلى البداية، إلى موضوع الفرح والنور !

تستحق تسبحة النور هذه دراسة أعمق، إلا أننا أردنا من خلال ما عرضناه في هذه الدراسة المقتَضبة أن نلفت الانتباه إلى غنى تقليدنا الليتورجي، فهو يغذّي إيماننا وينير عقولنا، ويجعلنا دوماً متأهبين ومنتظرين “إلهنا آتٍ” لنمتلئ من فرحه ونوره.

12 تشرين الأول 2021

حلب / سوريا

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

المسيحيون العراقيون !!

بقلم سيف الدين الالوسي المسيحيون العراقيون !! شرف كبير للعراق منذ طفولتي عشت مع جيران …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *