أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات /    الالحان الطقسية بين الزوال والتجدد

   الالحان الطقسية بين الزوال والتجدد

   الالحان الطقسية بين الزوال والتجدد

         

     الموسيقى والالحان والمقامات لم يكن حدثا غريبا في طقسنا المشرقي بل ان هذه الالحان والمقامات اضافت الى مراسيمنا الطقسية جمالا وحلاوة ، تجذبك اليها وانت تستمع الى هذه الالحان والكلمات اثناء المراسيم الطقسية وهي احد ابرز الشعائر المسيحية المقامة في الكنائس والاديرة وحتى في تلاوة الصلاة البسيطة التي يمارسها بعض المؤمنون في منازلهم، بالرغم من ان الكنيسة تدعوا وتحث ابنائها المؤمنين على الالتزام في الحضور والمشاركة في الصلوات وحفظ يوم الرب، وهي الوصاية الاولى في الكنيسة .

     الصلوات والطقوس المصاحبة للمراسيم قد تكون متشابهة من حيث المبدئ الا انها تختلف في الفكرة الطقسية وعبر مضمونها من الصلوات والقراءات والالحان خاصة المراسيم المقامة في ايام الاعياد ، ويطلق على بعض منها تسمية المناسبات المارانية ( الكبرى ) التي جاءت تنظيمها متوافقة ومتزامنة مع روحية هذه المناسبة  او الحدث، سواء كان من جانب النصوص المستخدمة او من جانب الالحان المرافقة  لها. فتارة تجد انك امام لحن او ايقاع حزين كما في مراسيم الجناز او جمعة الالام ، واخرى تتميز بالإيقاع المفرح كما في الحان السعانين او الميلاد وحتى مراسيم الزواج.  بينما نجد حس التضرع و الرحمة في صلوات والحان الباعوثة .  الالحان والايقاعات كانت مصاحبة للإنسان منذ القدم ، استحسنها طربا وابتهج بها وادخلها ضمن طقوسه الدينية المقامة للتعبد، مستخدما بعض الآلات الموسيقية المتوفرة  آنذاك كالقيثارة (القيثارة السومرية) والآلات النفخية ( المزمار والابواق ) والايقاعية المختلفة ( الطبول الدفوف الصنوج ). ومقتنيات المتاحف العالمية تشهد بذلك و مازالت بعضا من هذه الآلات الموسيقية مستخدمة في كنائسنا خاصة بعد ان وجد التطور الطريق اليها  سواء كان من جانب الاستخدام او التقنيات الموسيقية والصوتية الحديثة.  وحينما اجاز استخدامه ضمن الاطر الكنسية ، اضافت رونقا وبهاء اخر الى احتفالاتنا الطقسية ، واصبحت تمجد الرب مع المسبحين باسمه ،  والان يكاد لا يخلو كنيسة او بيعة من الاورك مثلا  وهذا ما جعلني اتطرق الى هذا الموضوع ، والذي يمكن ان يقسم الى المحاور التالية :-

النص والكلمة   

     الملفت للمتمعن في كل هذه الطقوس و الصلوات غنى التنوع في المضمون النصي المستخدم . وبمجرد اعادة النظر حول الكلمات ومقاطع الصلاة ( سواء كانت بالكلدانية او المترجمة منها الى العربية) ستلاحظ عمق الايمان المسيحي  واللاهوتي سواء كانت هذه الصلوات من الحوذرا او من غيرها من مصادر الصلاة والكتب الطقسية  (الحوذرا ثلاثة مجلدات ، مقسمة ومنظمة حسب الاسابيع والمناسبات الطقسية فيها القراءات و تراتيل حسب الأيام والمواسم والأعياد ) تتلى  بين مجموعتين من القراء يتناوبون على القراءة على شكل مجموعات ، وكل منها لديها مقاطع معينة للقراءة  في ذلك اليوم  ( قذمايي و دحرايي ) هذا ما نلاحظه في قراءات الرمش او قراءات سهرة الالام. اما في الصلوات الطقسية الاخرى فنلاحظ طغيان طريقة القراءة المنفردة  كالمداريش و الميامر ومقاطع الصلوات اثناء المراسيم  او قراءة نصوص من الكتاب المقدس. وطريقة القراءة هذه  تحتاج الى امكانية خاصة لدى القارئ مثل طبقة عالية من الصوت، والتمكن من اللحن، والتوافق بين النص المقروء ، والجمل اللحنية المصاحبة.  وعلى الاغلب فان المقاطع المنفردة من الصلاة تتلى اثناء المراسيم من قبل الكهنة او الشمامسة وتمنح استثناءات خاصة لقراءة النصوص مثل الطلبة او صلاة الوردية  الى المشاركين من المؤمنين . على العموم فان اغلب كلمات ومقاطع الصلوات تعود الى المزامير او الى اشعار وكتابات اباء الكنيسة مثل يعقوب السروجي و شمعون برصباعي ومار افرام السرياني، واخرى تعود الى مؤلفين وشعراء من البطاركة والكهنة  والرهبان ، او يعود تنظيمها لأشخاص غير معروفين لكن يبدو انهم كانوا مملوئين من موهبة التنظيم الشعري والنصوص التي تتوافق مع المناسبة المقامة من اجلها المراسيم، ليتم بعد ذلك تلحينها لتزيد من الواقعية و اقترابها من شخصية الانسان ، وعظمة والوهية الخالق . ولابد هنا ان نتسأل  كيف نستطيع ان نحافظ على هذا الموروث الروحي  الغني بكل معنى الكلمة ؟ في حين لم نلاحظ ظهور كتاب وشعراء جدد  يمتلكون فكرة و قريحة التنظيم الشعري لتحول بعد ذلك الى صلاة او ترنيمة يطرق مسامع المؤمنين لمواكبة التغيير الفكري لدى الجيل الجديد  !

  البعض الاخر سعى عبر بوابة الترجمة  في نقل النص الكلداني الى العربية ساعيا بذلك الى ايصال الفكرة الطقسية الى المتلقي سيما وان الكثير من الجيل الحاضر بدأ يتناسى لغته الام متذرعا بأسباب شتى . بعض من هذه المحاولات استطاعت ان تلبي الغرض وخاصة بعد انخفاض اعداد مستخدمي اللغة الكلدانية بشقيها الفصيح او المحكي ومحاولة اباء الكنيسة لإيصال الفكرة الطقسية ومضمون الصلوات الى المشاركين في المراسيم من عامة الشعب  بشكل مفهوم وميسر مع المحافظة على الاطار العام للمقطع ومحاولة الاحتفاظ باللحن او المقام المستخدم في النص الاصلي . وهنا لابد من الاشارة الى ان عملية الترجمة الى العربية  بحاجة الى متخصصين في  حقل الترجمة اللغوية واللاهوتية و الموسيقية ، اذ ان المتخصص في هذا المجال يمكنه استخدام ما توفره تخصصه من مؤهلات لخدمة  الكنيسة والمؤمنين . وهناك امثلة عديدة في هذا الجانب على سبيل المثال : ترجمة نص ترنيمة ” امرلي عيتا او يا بيعه قولي أين ”  التي تقال في اسبوع تقديس البيعة لشاعر غير معروف ولحنت على المنوال المتعارف عليه  او ترتيلة ” بشما دبابا و برونا ”  التي الفها بالسورث الاب الفرنسي جاك ريتوريه (1841-1931 ) . وقد استطاع المترجمون بكفاءة عالية اختيار المفردات والكلمات الانسب  ووضعها بالية تتناسب الصيغ اللحنية التي جاءت في ترنيمته. ويمكن اعتبارها تجديدا في الصيغ المستعملة في الكنيسة . كما ان هناك محاولات اخرى بتجريد النص من اللحن الشرقي اي الاصلي والاستعاضة بالألحان الغربية او بالعكس فاصبحنا امام نصوص غير قادرة على تنشيط الحس الروحي  للمستمع لأنها اساسا منظمة او مرتبة وفق اسلوب يخدم مجتمع غربيا، وبهذا افتقدنا المضمون واللحن و الكلمة . ولكن لابد  من الاشادة في هذا الجانب الى بعض النصوص التي تم نقلها الى العربية من لغات اجنبية اخرى مع الاحتفاظ باللحن الغربي مثل ترنيمة ” حبك يا مريم ” او ” آفي ماريا ” . ونستطيع ان نقتدي ايضا بأعمال الرحابنة مع فيروز و قدرتهم على ترجمة بعض النصوص السريانية الى العربية و الاستعاضة باللحن القديم ولكن بتوزيعه بشكل جديد مع إضافة جملة موسيقية صغيرة إليه، تحت تأثير العاطفة والموسيقى العربية“.    ترنيمة انا الام الحزينة ” ، فالمصادر تذكر انها جاءت من النص السرياني هو للمطران عبدالله قراعلي مطران بيروت في القرن الثامن عشر

هناك محور مهم في هذا الجانب لابد من التطرق اليه الا وهو الكنائس المحلية الموجودة في عموم العراق . ونظرا لتواجد هذه الكنائس ضمن الحدود الجغرافية لمحافظات عراقية ، هذا التنوع اضاف ميزة جديدة لهذه الكنائس من بينها اختلاف اللغات المحكية في هذه المناطق ، واسلوب تنظيم الشعري والكتابي ، مما جعل هذه الكنائس تتميز بامتلاكها صلوات وترانيم  باللغات واللهجات المستخدمة في هذه المواقع مثل الكردية او التركمانية او اللهجة الموصلية . في كركوك مثلا كانت الصلوت في الكنائس تقام باللغة التركمانية اضافة الى اللغة الكلدانية منذ منتصف القرن الثامن عشر ، لكون العراق واقع تحت سلطة الدولة العثمانية .وكانت اللغة التركية التي تكتب بالحروف العربية هي لغة الدولة الرسمي في كافة مجالات الحياة، وهي لغة الثقافة السائدة انذاك. وانتشارها هذه االلغة بين ابناء الابرشية ولمواكبة العصر ، وعليه فقد تم طبع او اصدار الكتاب المقدس وكتب الصلوات والترانيم بهذه اللغة واستخدامها ضمن الصلاة الطقسية وكانت القراءة في الاعياد الكبيرة لغاية السبعينات او بداية الثمانينات من القرن الماضي تسخدم قراءة نصوص من الكتاب المقدس . ثم بدائت هذه الصيغ بالاضمحلال لتسود العربية والكلدانية على طبيعة اللغة المستخدمة في المراسيم . اما في السليمانية، فاولى محاولات ترجمة الكتاب المقدس الى اللغة الكردية كانت من قبل الاب يوسف بيري ليعقبها سيادة المطران يوسف توما بطبع الكتاب المقدس باللغة الكردية في عام 2014 ثم 2015. هذه الصيغ في الصلوات وهذا التنوع اضاف ميزة اخرى للصلوات المقامة في كناسنا .

صوت المؤدي 

                صوت المؤدي هو عنصر اخر مهم يضاف الى مجمل ما ذكرناه اصبحت الكنيسة الكلدانية تفتقدها بعد ان كانت زاخرة بتلك الخامة من الاصوات نذكر على سبيل المثال صوت مثلث الرحمة المطران اندراوس صنا  ( تحتفظ مكتبة الابرشية بعدد من تسجيلاته في هذا المجال وهي بغاية الروعة) ومثلث الرحمة المطران اسطيفان بابكا ( المتميز في المحافظة على المقام واللحن ) والمرحوم الاب افرام بدي ويوحنا جولاغ واخرين.     لا تسعفني الذاكرة لسرد اسمائهم لعل السبب الرئيسي في تمييز هذه الاصوات كان موهبة خامة الصوت وامكانية استخدامه اضافة الى تمكن  الشخص من اللغة الكلدانية ، واستخدام المقام والالحان المناسبة، واحداث الانتقال بين المقامات او اللحن  و المحافظة على الجمل اللحنية وجودة الاداء بشكل سلس مما يضيف جوا من الخشوع والتقوى في الصلاة .

             ان التفرد في اداء الصلوات بشكل فردي كانت الى وقت مضى تقع على عاتق الاباء الكهنة و الشمامسة بشكل خاص واعتقد ان توظيف استخدام الصوت ضمن الصلوات الطقسية كانت تدرس في معاهد الدير الكهنوتي لكون الطالب الاكليريكي هو من سيتولى اقامة المراسيم الطقسية مستقبلا وقيادتها . اما دور الشمامسة في هذا الجانب فقد اخذ بالتضاؤل يوما بعد اخر لأسباب عدة  اهمها هو فقدان روحية الخدمة ، وعدم محاولة من يرغبون بهذا الدور في تطوير قابلياتهم الصوتية و اللحنية واللغوية اضافة الى دور الثقافة الموسيقية في الاداء وعدم الاهتمام بصقل المواهب المتوفرة . بالرغم من هذا فقد كانت هناك محاولات عديدة من قبل الكنائس المحلية خاصة في استغلال اوقات العطلة الصيفية  للطلبة  واقامة دورات تقوم بتأهيل الشمامسة منذ الصغر عبر استقطاب الشباب ومن كلا الجنسين في هذا المجال، واستطاعت عبرها ان ترفد الكنسية بالعديد من الخامات  الصوتية الجيدة وبعضا من هذه الاصوات استطاعت ان تكون لها مكانة متقدمة في مجال الخدمة الشماسية  او الكهنوتية في خدمة مذبح الرب فيما بعد . والملاحظ ان هذه الدورات بالرغم من بساطة وسائلها في التعليم والتنشئة الا انها استطاعت ان تزرع روحية الخدمة الكنسية  التي نفتقدها اليوم في الشباب عبر استثمار وصقل مواهبهم ( المتقدمين في العمر من ابناء ابرشيتنا يتذكرون العديد من الشمامسة التي جادت قريحتهم الصوتية بل ان بعضا منهم قد تميز بشكل متميز عبر امتلاكه القدرة على التنظيم الشعري وتلحينها كترنيمة او اضافة لحن جديد لترنيمة قديمة او كتابة وتنظيم نصوص صلوات طقسية جديدة مثال على ذلك ( خماسية النعمة ) لمار طهمزكرد الشهيد/ شفيع ابرشية كركوك ” للشماس شامل نعوم”  اضافة الى العديد من الترانيم التي قام بتلحينها ) .

               من جانب اخر فمع انتشار دور الجوقة (الكورال)  وتحديد دور الشماس ، بدأت مرحلة ضمور الاصوات الفردية الرخيمة من الساحة والاستعاضة عنها بالجوقات او ( الكورال ) في المراسيم الكنسية التي  برزت بشكل واسع منذ عقد الثمانين من القرن الماضي والتي استطاعت بعضا من هذه الجوقات ان تكون اعمدة مهمة في الاداء والتجديد في الالحان مع المحافظة على الموروث من الطقس خاصة مع تنامي المواهب الموسيقية في طبقة الشباب ، وسعيهم الى زيادة المعرفة والتثقيف الموسيقي . كما واستطاعت الجوقات ادخال الاصوات النسائية بشكل كبير ، وان تجد لها مساحة واسعة من الاداء  المتميز خاصة ان كنيستنا الكلدانية كانت تفتقر الى الاصوات النسائية ( لغاية العقد الاخير من الزمن حيث استطاعت عدد من الشماسات تخطي حاجز الخوف  وتتقدم لخدمة المذبح جراء التشجيع كبير من السلطة الكنسية.  ولا ننسى مشاركة بعض الراهبات  من خلال امتلاكهم خامة الصوت والمحافظة على اللحن  وقراءة النصوص او اداء الصلوات والترانيم الفردية  في هذا الجانب  .                    تزايدت الخبرات في الاداء الجماعي و الانفرادي لدى الكورال  بحضور مايسترو او قائد يجيد التوزيع الموسيقي عبر استخدام الاصوات المختلفة والآلات الموسيقية الحديثة المصاحبة للجوق مع الدعم البارز من الكنيسة بهذا الشأن . وهذه خطوة ضرورية لمواكبة الايقاع السريع والجديد  في عالم اليوم ، والابتعاد عن الرتابة والتطويل الغير المبرر . لعلنا هنا نتذكر  الامسيات الروحية التي كانت تقيمها الجوقات بين فترة واخرى  ،  وما لمسناه أجمعنا من اداء سواء لجوقة كنيسة كوخي أو جوقات أبرشية أربيل المشاركين في المراسيم المقامة اثناء الزيارة التاريخية للبابا فرنسيس ( 5-8 آذار 2021) الى العراق،  وبادرة الابداع باستقدام افراد من الفرقة السمفونية العراقية عبر عزفها ومرافقتها  لأعضاء الجوق والذي كان موضع اعجاب كبير وحقيقي خاصة في توظيف اللحن مع الاداء والكلمة التي راقت استحسان الجميع . وهذا ان دل على شيء  فإنما يدل على امكانية ادخال الحداثة والتجديد والاستفادة من الخبرات الحقيقية في هذا المجال .

التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي والاعلامي

        ساهمت التقنيات الحديثة لوسائل التواصل الاجتماعي في محاولات التجديد والانتشار . وان جاءت  بعض منها ضمن اطار انقاذ الموقف او المحافظة على الموروث، الا انها استطاعت ان توفر الكثير من الوقت والجهد لمن يرغب في الاستماع او اعتبارها كوسيلة لزيادة صقل موهبة التعلم والممارسة. الا ان اغلبها اتخذت طابع الفردية في اسلوب عملها و الاداء لكونها تفتقر لوضع المبادئ العلمية الاساسية في التوثيق والتجديد والنوتة الموسيقية ، اضافة الى ان اغلب هذه المواقع تتشارك في نقطة مشتركة واحدة الا وهي ان جميع هذه المواقع تقوم بعملية نشر النص الصوتي فقط كما هو، والمأخوذة من المصدر بكل تشويهاته وضوضائه، وعدم وضوحية الصوت، اضافة الى عدم تعريف المستمع او المتلقي بصاحب الصوت وتاريخ التسجيل وموقعه واللحن والمقام المستخدم، اكثر ما يمكن ان نطلق عليها انها محاولات نسخ ولصق  ( Copy and paste ( لملء فراغات معينة في هذا المجال . وربما يعود السبب الى عدم وجود المتخصصين في هذا المجال وخاصة في مجال الأرشفة والتقنيات الصوتية ونقل المسجل منها سواء أكان عبر الاسطوانات او الاشرطة او الكاسيتات الممغنطة الى التقنيات الرقمية الحديثة في التسجيل الصوتي،  اضافة الى ايجاد مساحة او موقع متخصص لعرضها عبر النت للمتلقي وفق اسلوب حديث ومتسلسل و ممنهج  وهي واحدة من المعضلات الاخرى التي تجابهها الكنيسة اليوم  . ربما الصورة تحسنت نوعا ما مع بدء جائحة كورونا واصرار السلطة الكنسية على نقل وقائع المراسيم الطقسية الى ابناء الكنيسة بهدف التواصل مع مؤمنيها عبر وسائل التواصل الاجتماعي . الكنائس والابرشيات وجدت نفسها مضطرة الى اتباع منظومة الوسائل الاجتماعي لنقل احداث المراسيم الطقسية الى المؤمنين، ومحاولة امتلاك منظومات التصوير والتسجيل الصوتي  والتقنيات المتقدمة لمواجهة احداث حظر التجوال ،  وان كانت هذه الفعاليات غير مفعمة بروحية المشاركة الحقيقية من قبل المؤمنين  الا انها استطاعت ان تغلق الفراغ الكبير في  حياة المؤمن المتعطش للمراسيم الطقسية بالرغم من تفاوت وبدائية وسائل النقل الصوتي والصوري ورداءة شبكات الانترنت ، وايضا لعدم وجود مساحة اعلامية ( قناة فضائية متخصصة تعمل ضمن الاطار الكنسي  ) لها القدرة على توفير مساحة اعلامية لبث البرامج الدينة او الممارسات الطقسية في كنيستنا الكلدانية بشكل خاص بالرغم من ان بعض الابرشيات تمتلك قنوات اذاعية خاصة مثل ” راديو مريم ” الا انها غير قادرة على  ايصال البث الاذاعي مثلا الى كل انحاء العراق ! على عكس الكنيسة المارونية  وما اوجدته من مظاهر متقدمة في مجال الانتشار والتواصل مع ابنائها في دول المهجر من الالحان الطقسية والتقليد الكنسي … الخ وذلك عبر امتلاكهم مؤسسة نورسات الفضائية كواجهة اعلامية كنسية مسيحية  موجهة ( بالرغم من امكانيتها المتواضعة )، الا انها وفرت للكنيسة المارونية بشكل خاص وللناطقين بالعربية بشكل عام و لكل هؤلاء المساحة الكافية للانتشار والتواصل  سواء في العالم العربي او في دول المهجر، ومن ثم توفير مساحة من التوثيق الرقمي لكل هذه الفعاليات والطقوس المقامة هناك للأجيال القادمة .

          ومن الطبيعي ان كل هذه الاعمال لم تظهر للعيان في لحظة من الزمن بل انها جاءت نتيجة تخطيط ودراسة مسبقة بغية الوصول الى الهدف المنشود، ونتيجة حتمية لعمل جماعي مفعم بالروح القدس . او ما قامت به الكنيسة القبطية في مصر عبر امتلاكها او مساهمتها في قنوات اعلامية  مثل ” فضائية سات 7 ” او قنوات فضائية خاصة بالكنيسة القبطية الأرثذوكسية طبعا مع الاستفادة من الخبرات الفنية الموجدة لدى المصريين او اللبنانيين، واسهاماتهم في رفد هذا المجال  بالعديد من التحديث والتجديد. فمن منا لا يتذكر الشماس وديع الصافي او فيروز في الجمعة العظيمة  او ربيع الخولي ( الاب فيما بعد ) او ماجدة الرومي او عبير نعمة او الرحابنة وما جادوا به من الحان، اضافة الى امتلاك الكنيسة المارونية لعدد كبير من الاباء والرهبان والراهبات المتخصصين في المجال الموسيقي مثل الاب الراهب الراحل يوسف الاشقر ( الملقب بقيثارة الكنيسة المارونية ) او العدد الهائل من الممثلين الاقباط في السينما المصرية .

        الا ان احدث ما وصلنا ضمن كنيستنا الكلدانية  في هذا المجال، ما اتخذته البطريركية الكلدانية من قرار بافتتاح معهد مار ابا الطقسي والذي اسس برعاية غبطة البطريرك مار لويس ساكو في كنسية مار يوسف ببغداد بهدف تعليم اللغة الكلدانية والخدمة الشماسية والرتب والالحان الطقسية للشمامسة والشماسات وكل من يرغب بتعلم الخدمة الشماسية. وتقدم هذه الدروس من قبل مجموعة من الآباء الكهنة والتي ابتدأت في  نهاية 2015 ،  يمكنك عزيزي القارئ الاطلاع على بعض المقاطع الصوتية الخاصة بالمعهد وهي مسجلة بصوت الاب البير هشام على  YouTube) ) و لا اعلم ان كانت هذه الدورات مازالت مقامة ام لا الى الوقت الحاضر الا انها استطاعت ان تقدم خدمة كبيرة في هذا الجانب .

الالحان والمقامات في الكنيسة وحركات التجديد   

         اغلب السلالم الموسيقى ( المقامات السبعة المعروفة في التخت الشرقي ) هي موجودة في طقسنا الكلداني او المشرقي . علما بان اغلب هذه الالحان هي غير مدونة ( منوتة ) وعليه فان امكانية ادائها يعتمد على الطريقة السماعية المتوارثة من جيل الى اخر، وهي واحدة من الاسباب التي أدت الى ظهور تغيير في طريقة الاداء . فتجدها تتلى في أبرشية كركوك بلحن معين بينما تجد الصلاة عينها تتلى بأداء مختلف في ابرشية اخرى او قد تكون متشابهة . اسباب اخرى ادت الى الاستعاضة بقراءة النص فقط  من دون اللحن وذلك لفقدان الصوت الرخيم المطلوب او عدم تمكن القارئ او اجادته في اداء اللحن ( المقام ) وللعلم فان اغلبية الالحان الكنسية هي نابعة من المقامات السبعة وتفرعاتها ( الحجاز والرست ، البيات …الخ ) وبالطبع فأن الية تصنيف ( معرفة المقام ) هذه الالحان او المقامات لا يمكن ادراكه ( تشخيص المقام ) الا من قبل المعنيين والمتمرسين او الذين يجيدون ادائها سواء ان كان اكاديميا او ممارسا سماعيا .  الا انها ومع الاسف الشديد اخذت بالاضمحلال  والنسيان والاهمال  يوما بعد اخر لأسباب عدة يطول سردها في هذا المقال المختصر. الا ان الملفت للنظر ان هذا الفراغ قد استغل من قبل البعض بإدخال الحان سريعة الرتم ، غربية الايقاع والمضمون،  خاصة بعد دخول الجيتار و الاورغ والدرامز بالرغم من أن أصل وجود الآلات الموسيقية في المراسيم و الطقوس الدينية موغلة في القدم، والحضارات العراقية القديمة كانت زاخرة بها  مثل القيثارة السومرية والصنوج والدف والطبول  والآلات النفخية الاخرى . نحن نفتقد التخصص الموسيقى  الواجب توفره  اولا  للمحافظة على هذا الموروث الغني للأجيال القادمة وادخال التجديد الى الموسيقى الكنسية  بشكل اكاديمي وحديث ثانيا . والكنيسة الكلدانية الان بحاجة ماسة الى  خدمات اباء كهنة وشمامسة  بارعين في  الحقل الموسيقى .

   ان اول دخول رسمي للموسيقى كانت من قبل الاباء الكرمليين عبر ادخالهم الآلات الموسيقية مثل الاورك الهوائي الى العراق اول مرة وادخال الموسيقى والالحان الطقسية  ضمن منهاج تعاليمهم في معهد  مار شمعون الصفا للآباء الكهنة في الموصل، اذ كانت الدراسة الموسيقية شبه مفتقدة في تلك الفترة، وايضا دور مدارس الراهبات بمختلف مسمياتها والمنتشرة في معظم ارجاء العراق. ولابد ان نستذكر احد ابرز الذين تخرجوا في تلك الحقبة من هذه المدارس الموسيقار والملحن العراقي المعروف سعيد شابو ( ملحن انشودة الفتوة العراقية في منتصف القرن الماضي لاحت رؤوس الحراب ) لاحظ بذلك تأثير التعليم في صقل المواهب وتطوير القدرات الشخصية.

      لعل ابرز ما يشار له بفخر هو ماقدمه الاب الخوري فيليب هيلايي وإسهاماته القيمة في حقل الموسيقى الكنسية سيما وانه المؤلف الوحيد لربما في الكنيسة الكلدانية الذي تطرق في كتباته الى مبادئ الموسيقى ونظرياتها و تحليل التوافق الصوتي – هارموني –  الجزء الاول والثاني من سلسلة دراسات موسيقية و تعليم العزف على آلة الكيتار (كارولي) وتعليم العزف على آلة الأرغن الإلكتروني (جزآن) و مبادئ الموسيقى ونظرياتها. كما وترك الراحل في مكتبته خزينا رائعا من الصلوات الطقسية والمسجلة  سواء كانت على شكل ترانيم او تلاوة صلوات او قداديس على الكاسيتات الممغنطة لعدد كبير من روائع الاصوات في الكنيسة الكلدانية. وقد اجتهد الاب المرحوم في تسجيل المقطوعات المختارة بأكثر من صوت وطريقة اداء سيما ان بعض الصلوات التي اعتدنا على سماعها تختلف في طريقة الاداء واستخدام المقامات  والالحان من منطقة الى اخرى في العراق اي ضمن ابرشياتنا. وهناك رأي كان متداولا فيما ما مضى من الوقت يؤكد ان افضل اداء للصلوات الطقسية والالحان كانت تلك الصلوات المقامة في صوامع وكنائس اديرة الرهبان.

    كما و يمكننا ان نتوقف  هنا بعض الشئ عند التجديد الذي قام به الموسيقار والشماس الانجيلي  حنا بطرس ( مؤسس معهد الموسيقى العراقي 1936 ) واسهاماته العديدة في موضوعنا. ولعل ابرز ما وصلتنا من اعماله ترتيلة (كاروزوثا دحشّا) بالمقام الخاص للجمعة العظيمة وهي من حسن الحظ مسجَّلة على إسطوانتين (HMV) عام 1931 يشارك معه بالعزف كل من: أمير الكمان (الحلبي سامي الشوا) استاذ وعازف القانون (الأرمني-التركي نوبار ملخصيان) وعازف العود العراقي اليهودي داؤد الكويتي. اقل ما يمكنني ان اقولها بحق انها مصدر فخر للجميع سيما ان المرفقين له في هذه المقطوعة بالذات هم من عمالقة الموسيقى العراقية وارشيف إنجازاتهم في حقل الموسيقى ثرية جدا. اذن التجديد  تم هنا من قبل شخص متمرس على الالحان الكنسية (شماس انجيلي) اولا ، وثانيا حنا بطرس هو شخص مثقف موسيقيا ويملك جميع المقومات التي تؤهله الى ادخال الابداع في عمله. و لنعود مرة اخرى الى اعمال التجديد لدى الموسيقار العراقي المعروف رائد جورج وعن امكانياته في تسخير ثقافته الموسيقية في توظيف الموسيقى الغربية ضمن الطقوس والايقاع الشرقي. الحقيقة هي تجارب يشاد له بالبنان، ولعلنا جميعا احسسنا بهذه الروعة حينما نستمع الى تسجيلاته مع جوقة  طلاب المعهد الكهنوتي في اربيل او مع جوقة مار ميخا الكلدانية، واغلب هذه الترانيم مستمدة من الموروث الطقسي  ( متوفر على مواقع اليوتيوب ). ومن جانب كنيستنا في كركوك  نستذكر مدى التغيير والتجديد الذي ادخله ابن أبرشيتنا المايسترو عماد شوكت حين توليه مهام ادارة جوقة كاتدرائية قلب يسوع الاقدس، وكيف استطاع بخبرته الموسيقية وفي فترة قصيرة ان يدخل عناصر التجديد في الالحان الطقسية، بل واشرافه على تدريب وتطوير قابليات العديد من اعضاء الجوقة والعازفين، وبعضا منهم ما يزالوا يمارسون مهامهم ضمن الجوقات في كركوك .

          حداثة الايقاعات السريعة والغربية وجدت طريقها في طقوسنا بأشكال متعددة ومن بين هذه ايقاعات ايقاع المارش التي استطاعت ان تجد لها حيزا في كنيستنا منذ بداية القرن الماضي مع تطور الحس الموسيقي في كنائسنا خاصةَ ( المارش هو إيقاع رباعى بسيط  يعتبر من الإيقاعات الأساسية لجوق الموسيقى العسكرية وفرق الكشافة لتتوافق مع حركة سير الجنود ، انتقل استخدامه إلى الكنيسة ايضا على سبيل المثال في ترنيمة “قام حقا رب المعجزات ” ).

      اخيرا استطيع القول ان قيام النهضات الليتورجية في كنائسنا المشرقية وآخرها في السبعينيات هي نتيجة لتوصيات المجمع الفاتيكاني الثاني. ونحن المؤمنين والكنيسة علينا واجب تقديم الشكر والثناء لكل هؤلاء الرعاة او الذين ساهموا وأغنوا كنائسنا بهذه الصلوات المستمدّة من الكتاب المقدّس والمصادر الاخرى وما رافقته من الألحان والمقامات سواء كانت التقليديّة منها او المستحدثة . والامل قائم على بروز اصوات ( مواهب روحية ) جديدة ومساعي تمتلك من الثقافة و مقومات الابداع الشيء الكبير،  وقادرة على تحمل هذا الموروث والتركة المفعمة بالروحانية في سبيل خدمة مذبح الرب بكل قداسة وعنفوان .

أدي شامل نعوم

كركوك 2021

 

 

عن Maher

شاهد أيضاً

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة الاب أدّي بابكا راعي كنيسة مار أدّي الرسول في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.