أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / شركة القديسين وفايروس كورونا

شركة القديسين وفايروس كورونا

شركة القديسين وفايروس كورونا

المطران فيليكس سعيد الشابي / ابرشية زاخو

معتقد شركة القديسين:

نذكر مرارا بان الكنيسة هي “شعب اللـه”، وليست مجرد بناية او جدران. ومفهوم “الشعب” هذا قد يوقعنا احيانا بالالتباس، اذا ما اختصرنا الكنيسة بنا، فننسى وجود باقي الاعضاء.

تذكرنا الرسالة الى العبرانيين: “لِذلِكَ فنَحنُ الَّذينَ يُحيطُ بِهِم هذا الجَمُّ الغَفيرُ مِنَ الشُّهود، … مُحَدِّقينَ إِلى مُبدِيء إِيمانِنا ومُتَمِّمِه، يسوعَ…” (عبرانيين 12:  1-2). سحابة الشهود هذه هي “القديسين”، وهي ليست سحابة صغيرة، بل تملأ السماء بالكامل من جميع الجوانب.

ان مصطلح “شركة القديسين” ورد منذ القرن 4م، ووضع في “قانون ايمان الرسل” في القرن 5م. البابا الطوباوي بولس السادس يقول: “نؤمن بالشركة من جميع المؤمنين بالمسيح، الحجاج على الأرض، الأموات الذين ينالون تطهيرهم، والمباركون في السماء، جميعهم يشكلون معًا كنيسة واحدة؛ ونحن نؤمن في هذه الشركة، بأن محبة اللـه الرحيمة وقديسيه يستمعان دائمًا لصلواتنا“. اما كتاب التعليم المسيحي القديم لـ 1917 فيقول: “أولئك على الأرض يمثلون الكنيسة المناضلة، والذين في المطهر هم الكنيسة التائبة، ومن هم في السماء هم الكنيسة المنتصرة“.

 

شركة القديسين: التضامن الروحي

أعلن المجمع الفاتيكاني الثاني: “يسود تضامن خارق للطبيعة بين البشر. والنتيجة هي أن خطيئة شخص ما تؤذي الآخرين مثلما تساعد قداسة شخص ما الآخرين. بهذه الطريقة، يساعد المؤمنون المسيحيون بعضهم البعض للوصول إلى مصيرهم الخارق للطبيعة… هذه هي العقيدة القديمة جدًا التي تُدعى شركة القديسين” (الدستور في الكنيسة).

البابا فرنسيس يقول: “يذكرنا التعليم المسيحي بكلامه عن شركة القديسين عن موضوعين: الشركة بالاشياء المقدسة (مفهوم شرقي قديم)، وشركة -الاشخاص- القديسين (مفهوم غربي)”  (# 948)، أود أن أتوقف عند المعنى الثاني: هذه واحدة من أكثر الحقائق عزاءًا في إيماننا، لأنها تذكرنا أننا لسنا وحدنا، ولكن هناك شركة حياة بين جميع أولئك الذين ينتمون إلى المسيح. إنها شركة مولودة من الإيمان. في الواقع ، يشير مصطلح “قديسين” إلى أولئك الذين يؤمنون بالرب يسوع ويتم دمجهم في الكنيسة من خلال المعمودية. لهذا دُعي المسيحيون الأوائل أيضًا “قديسين“.  (راجع مقابلة الاربعاء 30 اكتوبر 2013).

كورونا والنوع الجديد للتضامن

مذ بدأ وباء كورونا، عشنا اوقاتا من الخوف والقلق والمرض وفرض علينا الابتعاد عن الاخرين… وتعلمنا نوعا جديدا من التضامن، من خلال “التباعد الاجتماعي” و”الانعزال”، بعكس مفهوم التضامن الاول بـ”اللقاء” و”الحضور الشخصي”. ولا يزال الصراع بين الواقع الجديد والمفهوم القديم للتضامن يشكل مشكلة خاصة لدى المجتمعات الشرقية. اذ لا تزال تنقل العدوى وتسبب الضرر للاخرين، بسبب الزيارت العائلية، والتعازي والافراح والمناسبات المختلفة… 

كلنا معرضون للخطر، وجميعنا “ناقلين” محتملين للفايروس، لبعضنا وللآخرين ايضا، وأن سلوكياتنا “الخاصة” لها عواقب “عامة وعالمية”. فالتضامن القديم قد اصبح عقبة اليوم في ظروف جائحة كورونا، اي الحضور الفعلي مع المريض او المتوفي، ادى الى اصابة الكثيرين ووفاة العديد، ولا يزال.

وكما نؤمن في العالم الروحي بشركة القديسين، والتي يمكن من خلالها أن تؤذي خطيئة شخص واحد الآخرين، كما وايضا تساعد قداسة شخص واحد في تقديس الآخرين. هكذا في العالم المادي – الصحّي اليوم، مع فايروس كورونا. ممكن لمصاب واحد ان يصيب الاخرين…، حتى مع اخذ اللقاح واجراءات الوقاية والحيطة والحذر، من التباعد الاجتماعي ولبس الاقنعة والكمامات الواقية…الخ.  

هذا دعى جهات كنسية ودولية ومدنية عديدة الى تبديل خطتها وبرنامج سلوكها، فالغي عقد الكثير من اللقاءات والاجتماعات الفعلية، لتصبح عبر وسائل وشاشات التواصل (زووم… وغيرها)، حفاضا على ارواح الاخرين والسلامة العامة والتقليل من فرص انتشار العدوى. وعلى الكنيسة ان تنتبه الى هذا الجانب، لان الرب يقول: “فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَم لِيَدينَ العالَم بل لِيُخَلَّصَ بِه العالَم” (يوحنا 3: 17). فليس الهدف من اللقاء والتضامن، ان نؤذي الاخرين، بقدر ما هو تقديم الفرح والعزاء لهم، ويؤول فرحهم الى فائدتهم الروحية وخلاصهم الابدي. كمسيحيين اذن وكبشر، هناك حقيقة لا يجب ان ننساها، على المستويين الجسدي والروحي: فنحن لا نعيش من أجل أنفسنا، بل من اجل الاخرين ايضا.

خاتمة: شركة بالمحبة

توفي الشاعر الايطالي الشهير دانتي اليكيري قبل 700 عام 1321 بالملاريا، وكانت كورونا عصره. اشتهر بملحمته “الكوميديا الالهية” في ثلاثة اجزاء: (الجحيم، والمطهر، والملكوت). في عمله البديع هذا تجد خيطا ذهبيا منسوجا على طول الملحمة، ويوحد كل شيء: انه المحبة. يقول في السطر الاخير من كتاب الملكوت: “المحبة هي التي تحرك الشمس والنجوم الأخرى  (“L’amore che move il sole e l’altre stelle”).

هكذا فان شركة القديسين تربطنا جميعًا بالمحبة – لأننا جسد واحد. فنحن الاحياء نصلي من أجل الموتى، “النفوس في المطهر”، الذين يحتاجون للصلاة في رحلتهم إلى اللـه. بينما يصلي جموع السماء من أجلنا، ويلهموننا بمثالهم، ويبقون حاضرين معنا بطرق لا نعرفها. قالت القديسة تيريز من ليزيو: “سأقضي سماوتي في عمل الخير على الأرض“.

عن Maher

شاهد أيضاً

المسيحيون العراقيون !!

بقلم سيف الدين الالوسي المسيحيون العراقيون !! شرف كبير للعراق منذ طفولتي عشت مع جيران …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *