أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / وقفة صلاة وتأمل في سر التجسد

وقفة صلاة وتأمل في سر التجسد

وقفة صلاة وتأمل في سر التجسد

المطران رمزي كرمو

اسطنبول/ 8 كانون الأول 2021  – عيد الحَبَل بلا دنس

     إنها لنعمة كبيرة أن نستغل فرصة حلول عيد الميلاد المبارك لكي نتأمل ونتعمق في رسالتنا كمسيحيين ونحن نسلط أنظارنا، باندهاش وانبهار وتسبيح، على طفل المغارة، متسائلين من هو هذا المولود المتواضع والفقير الذي بميلاده أنشدت الملائكة: “الـمَجدُ للهِ في العُلى وعلى الأرضِ السلام والرجاءُ الصالح لبني البشر”، والذي كان الرعاة البسطاء أول من حظوا برؤيته وفرحوا بلقائه (لوقا 2/ 8-20). 

غالبا ما نتصور ونعتقد بأننا نعرف جيداً من هو هذا المولود العجيب الذي أبوه من السماء وأمه من الأرض، مستندين بذلك الى ما تلقيناه من تعاليم منذ صغرنا ومتناسين أننا نجهل الكثير عن السر الذي يكمن فيه والذي يفوق إدراكه العقل البشري. نعم، إن سرَّ يسوع إبن مريم ويوسف النجار لا يكشفه لنا إلا ذلك الذي أرسله الينا، “فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه” (متى 11/ 27 ).

إن الموضوع الأساسي الذي يدور حوله أنجيلنا المقدس برواياته الأربع: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، هو موضوع: “من هو يسوع الناصري؟” وبالهام من الروح القدس ونعمة الايمان أجاب مؤلفو الأناجيل الأربعة على هذا السؤال الجوهري بالنسبة لحياتنا المسيحية بما لا يترك مجالاً للشك. لقد استهلَّ يوحنا الرسول إنجيله بهذه الآيات: “في البَدءِ كانَ الكَلِمَة والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله. كانَ في البَدءِ لَدى الله…. والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا” (يوحنا 1/ 1- 2 و 14). وفي إنجيل متى نقرأ “ها إِنَّ العَذراءَ تَحْمِلُ فتَلِدُ ابناً يُسمُّونَه عِمَّانوئيل، أَيِ اللهُ معَنا” (1/ 23). والقديس مرقس يبدأ إنجيله بهذه الكلمات “بَدءُ بِشارَةِ يسوعَ المسيحِ آبنِ الله” (1/ 1). أما الكاتب الملهم للرسالة الى العبرانيين فإنه يفتتح رسالته بهذه الايات “إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديماً بِالأَنبِياءَ مَرَّاتٍ كَثيرةً بِوُجوهٍ كَثيرة، كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثاً لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين. هو شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه، يَحفَظُ كُلَّ شيَءٍ بِقُوَّةِ كَلِمَتِه” (1/ 1- 3). 

كل هذه الآيات وآيات كثيرة أخرى، تعبر تعبيراً واضحاً عن إيمان المسيحيين الأوائل بطفل المغارة الذي ولد من العذراء مريم بقوة الروح القدس. بالنسبة لهم، إنه حقاً انسان حقيقي صار مثلنا في كل شيء عدا الخطيئة واله حقيقي مساوي للآب في الجوهر. هذه الحقيقة الإيمانية نعلنها اليوم حينما نتلوا قانون الإيمان أثناء الاحتفال بالقداس الالهي.

إن الاحتفال بعيد الميلاد يدعونا الى تجديد إيماننا بسر التجسد، سر الله الذي صار إنسانا لكي يقول لنا: “إني احبكم محبة مجانية”. “هكذا فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة. لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظمُ مِن أَن يَبذِلَ نَفَسَه في سَبيلِ أَحِبَّائِه” (يوحنا 3/ 16 و15/ 13). على ضوء هذه الآيات يمكننا القول بأن محبة الله لنا ليست كلاما فارغا أو شعاراً مزيفاً بل إنها عمل وشهادة حياة. إن كلمة الله الأزلي بتجسده من اُمنا مريم العذراء بقوة الروح القدس، كشف لنا أهم ميزات المحبة الإلهية. في رسالته الى أهل فيلبي، وهو يتأمل في سر التجسد، يقول بولس الرسول، شهيد الحب الإلهي، ما يلي: “فمع أنه هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت، مَوتِ الصَّليب” (2/ 6 – 8). نعم، حسب هذه الآيات، ان التضحية حتى الموت هي الصفة الجوهرية والأساسية لمحبة الله لنا. لا من حب صادق ومثمر من دون تضحية. منذ موت ربنا والهنا على الصليب، أصبح الصليب العلامة البارزة والمتميزة للمحبة الحقيقية والعلامة التي تميز المسيحيين. فقط المحبة التي تتجسد بأعمال التضحية وبذل الذات تبني الكنيسة وتساهم مساهمة فعالة ومؤثرة في تحقيق رسالتها الخلاصية وتضمن مستقبلها رغم التحديات والمحن التي تواجهها خلال مسيرتها الارضية . 

غالباً ما يحذر البابا فرنسيس، في إرشاداته الأسبوعية، من خطر سيطرة روح العالم على بنات وأبناء الكنيسة، خاصة على الذين يتحملون فيها مسؤوليات جسيمة ومهمة كالأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات. أننا نعيش في زمن كثرت فيه أسباب العثرات وهي ترافقنا دائماً، كالتعلق المفرط بالمال والثروات المادية والاستعباد للشهوات الجسدية واللذات الدنيوية والبحث عن السلطة ومجد العالم الباطل. لنسمع ونتأمل فيما يقوله يوحنا الرسول في رسالته الأولى بهذا الخصوص: “لا تُحِبُّوا العالَم وما في العالَم. مَن أَحَبَّ العالَم لم تَكُنْ مَحَبَّةُ اللهِ فيه. لأَنَّ كُلَّ ما في العالَم مِن شَهوَةِ الجَسَد وشَهوَةِ العَين وكِبرياءِ الغِنى لَيسَ مِنَ الآبِ، بل مِنَ العالَم. العالَمُ يَزولُ هو وشَهَواتُه. أَمَّا مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله فإِنَّه يَبْقى مَدى الأبد” (2/ 15- 17). أما التكنولوجيا الحديثة، أصبحت هي الأخرى سبباً آخر للعثرة والسقوط بسبب انتشارها السريع وسيطرتها على العالم الذي حولته الى قرية صغيرة. رغم الإيجابيات التي تحملها هذه التكنولوجيا لكن سلبياتها وأخطارها على الحياة الفردية والاجتماعية ليست قليلة. إننا نعيش اليوم في عالم إزداد فيه عدد المدمنين على وسائل التواصل الاجتماعي إزدياداً مذهلاً وخطيراً حتى بين المكرسين والمكرسات، بحيث ان هذه الوسائل قضت على الحياة الديرية والعائلية والاجتماعية ونشرت روح الانعزالية والانفرادية علاوة على بثها البرامج الإباحية واللاأخلاقية التي تقود إلى الانحراف وفقدان القيم الروحية والدينية. يا لها من خسارة فادحة للمجتمع البشري. 

ونحن على أبواب عيد الميلاد، لنسعى الى ان نعيد الى هذا العيد المبارك، عيد لقاء الله مع الإنسان، معناه المسيحي وجماله الروحي وذلك بواسطة الصلاة والتوبة وتنقية القلب من الخطيئة. لنحتفل به احتفالاً يليق بمكانته المقدسة ويعكس فرحنا العميق بمجيء المخلص. “فقال لهم الملاك: لا تَخافوا، ها إِنِّي أُبَشِّرُكُم بِفَرحٍ عَظيمٍ يَكونُ فَرحَ الشَّعبِ كُلِّه: وُلِدَ لَكُمُ اليَومَ مُخَلِّصٌ في مَدينَةِ داود، وهو الـمَسيحُ الرَّبّ” (لوقا 2/ 10-11). لنتجنب الاحتفالات الصاخبة والسهرات الليلية والإسراف في المأكل والمشرب وتقديم الهدايا التي تشوه جمال هذا العيد وتحرمنا من السلام والرجاء والفرح الذي يحمله إلينا. لنتذكر أيضاً بأن أجمل وأثمن هدية وهبها لنا الله ابونا في هذا العيد هي: “هدية إبنه الوحيد والعزيز”. طوبى إذا هيأنا قلبنا كما يجب ويليق لاستلامها.

لنتعلم من اُمنا مريم العذراء التي ولدت لنا المخلص، ان نحتفل بعيد الميلاد بروح الفقر والتواضع والاستماع الى كلمة الله والتأمل فيها كي تغدو غذاء روحياً لحياتنا اليومية ويتقوى فينا الإنسان الباطن، أي الإنسان الذي امتلأ من يسوع المسيح. “وكانَت مَريمُ تَحفَظُ جَميعَ هذهِ الأُمور، وتَتَأَمَّلُها في قَلبِها” (لوقا 2/ 19). 

لنصل ونطلب من الروح القدس، أن يكشف لنا، أكثر فأكثر، السر الكبير المخفي في طفل المغارة الصغير، لكي نزداد حبا له وتعلقا به ونشهد له شهادة حسنة أمام الناس الذين نعيش معهم، وهذه هي رسالتنا الوحيدة كمسيحيين في عالم اليوم. “هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات” (متى 5/ 16).

أرجو من الذين يقرأون هذه الأسطر، أن يصلوا من أجلي كي أعيش ما تبقى لي من الحياة الزمنية بالإيمان والرجاء والمحبة وشهادة الحياة حتى النهاية. مع الشكر ولنبق متحدين بالصلاة رباط المحبة الذي لا ينقطع. 

عن patriarchate

شاهد أيضاً

القداس اليومي

القداس اليومي البطريرك لويس روفائيل ساكو تبنّى الكلدان شيئاً فشيئاً القداس اليومي بعد إتحادهم مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.