أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / رسالة الميلاد من ابرشية زاخو، 2021

رسالة الميلاد من ابرشية زاخو، 2021

رسالة الميلاد من ابرشية زاخو، 2021

في سر التجسد

اذ نحتفل باعياد الميلاد المجيد ورأس السنة الميلادية الجديدة 2022، لابد لنا ان نتأمل برهة بمعانى الميلاد والتجسد اولا، ثم التامل بظروف مسيحيينا الحالية في زاخو والعراق والعالم في خضم الظروف والتحديات الحالية.

1- عيد الميلاد- سر التجسد:

التجسد يعني ان ابن اللـه الكلمة صار جسدا (يوحنا 1: 14). الذي اتخذ طبيعتنا البشرية ليحقق فيها خلاصنا. “بالمعنى الحصري يدل – التجسد – على الساعة التي اتخذ فيها كلمة اللـه جسدا في احشاء مريم العذراء. وايضا يدل -التجسد- على حياة المسيح واعماله كلها، وهذا يشمل سر الفداء” ايضا[1]. في نشيد لمار بولس، ونذكره في القداس الكلداني، يذكر:

“فلْيَكُنْ فيما بَينَكُمُ الشُّعورُ الَّذي هو أَيضاً في المَسيحِ يَسوع. هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للـهِ غَنيمَة. بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان. فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب. (فيلبي 2: 5- 8).

لا نقصد بسر التجسد بان قسم من يسوع هو انسان، وقسم اخر هو إله، بل نعلن بانه “اله حق وانسان حق”. اي ان يسوع المسيح هو اله حق وانسان حق[2]. وبانه ابن اللـه بالطبيعة لا بالتبني، ومولود من اللـه وليس مخلوقا. وهو والاب واحد بالجوهر. وأدانت الكنيسة العديد من البدع والهرطقات بخصوص سر التجسد…[3].

“لقد اشتغل ابن اللـه بيدين بشريتين، وفكر بعقل بشري، وعمل بارادة بشرية، واحب بقلب بشري، وانه ولد من مريم العذراء، وصار في الحقيقة واحدا منا، شبيها بنا في كل شيء، ما عدا الخطيئة” (المجمع الفاتيكاني2، الكنيسة في عالم اليوم 22 § 2)[4].

نشيد لمار افرام: (ترنيمة لمريم):

“… كيف ادعوك ايها الغريب عنا والذي صار منا؟… أادعوك ابنا؟… اخا؟… خطيبا؟… أادعوك ربا؟… يا والداً امه ولادة ثانية من الماء… يا ابن العلي،… الذي اتى وحلّ بي وصرت امه… وكما وَلَدتُهُ مولدا اخر،… ولدني هو ايضا ولادة ثانية… لقد صار ميلادك يا ربي، اُما للخليقة،… التي حَبِلَتْ من جديد،… وَوَلدَتْ الانسانية،… التي وُلِدتَ منها… هي وَلَدَتكَ جسديا،… وانت وَلَدْتّها روحيا… لكي يلد الانسان من جديد على صورتك،… فولادتك تلد الكل”…[5].

2- التجسد: تضامن اللـه مع البشر:

دائما ما نشعر بان احوالنا هي سيئة جدا! ولكن احوال الناس، زمن ولادة يسوع، ما كانت احسن من احوالنا. لا بل كانت الاسوأ على الاطلاق! لذا اختار اللـه ان يرسل ابنه، “في ملء الازمنة” (غلاطية 4:4)، اي عنما طفح الكيل، وسط بؤس الفقراء وتعاستهم، ليعطيهم الامل بالحياة من جديد، وبالحرية، وعتق نير العبودية من الشر والخطيئة والظلام، ليحرره: روحيا ونفسيا وجسديا، ويؤهله للحياة الابدية، مع شرط واحد بسيط ومهم، ان يتجاوب الانسان مع اللـه في خلاص نفسه والاخرين، مثل المسيح الذي جاهد في سبيل خلاصنا وقدم ذاته “كفارة عنا وعن العالم اجمع” (1يو 2: 2)! 

– التجسد يبدأ مع البسطاء

هكذا بدأت بشرى سر التجسد الالهي، في العهد الجديد، مع البشر البسطاء والابرار، بكلمة بسيطة وناعمة وواثقة، من قبل الملاك جبرائيل المرسل من اللـه: “لا تخف يا زكريا” (لو 1: 13)، “لا تخافي يا مريم” (لوقا 1: 30)، “لا تخف يا يوسف” (متى 1: 20)، وللرعاة: “لا تخافوا” (لوقا 2: 10)… وقالها يسوع في بشارته لتلاميذه مرارا: “ما بالكم خائفين؟” (متى 8: 28)… ان معنى اسم يسوع “اللـه يخلص” (متى 1: 21)، ولقب عمانوئيل يعني: “اللـه معنا” (متى 1: 23). فلم يبحث الملاك عن ملك، او امير، او وزير، ليبشرهم بمجيء المسيح، بل ذهب ليبشر المساكين والفقراء والرعاة، ذوي الارادة الصالحة!

– التجسد يزيل الخوف والقلق البشري:

فلم الخوف اذن ممَ يدور من حولنا؟ هذا التضامن الالهي يعكسه مار بولس للمسيحيين الاولين مرات مختلفة، ويضل صدى كلماته يرن في اذاننا حتى اليوم، اذ يقول: “انتم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح” (غلاطية 3: 27)، كما ويعطينا الامل العميق والثقة باللـه: “ان كان اللـه معنا فمن يقدر علينا؟” (رومة 8: 31).

فلا نتشبه بزكريا الخائف ونقول “كيف اتيقن من هذا؟” (لوقا 1: 18) فاحيانا ما نشترط على اللـه: ان انجحتني او عملت لي شيئا ما… فساعطي نذرا، او ساخدمك في بيتك… او إن اعطيتني اشارة ما، سافعل ما تطلبه انت مني! ان مثل هذا التصرف والسلوك يحزن قلب اللـه، اي عندما نتشارط معه، في الامور الايمانية، وعندما يسيطر القلق والخوف على قلوبنا، وينشطر قلبنا بين اللـه وبين احتياجاتنا الارضية الزمنية، ونخاف ان نخسر القليل (حسب تصورنا) الذي بيدنا، أو المكانة التي نحوزها… لكن يجب ان لا ننسى ان اللـه يعتني بنا في كل لحظة من دون شروط، وبانه يهبنا جل العطايا، بصورة اكثر مما نتصورها: “لِذلكَ أَقولُ لكُم: لا يُهِمَّكُم لِلْعَيشِ ما تَأكُلون ولا لِلجَسَدِ ما تَلبَسون. (متى 6: 25)، كيف لا يكون اللـه كريما معنا وهو يهبنا حبه كاملا: فإِنَّ اللـه أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة (يوحنا 3: 16). ان اللـه يهبنا ابنه هدية، هذا هو معنى سر التجسد، وسر الفداء، انه ات لخلاصنا، فلا نقلق، “فالرب ات”: “مارن اثا” (1قورنثية 16: 22)!

3- ظروف الميلاد ابرشية زاخو:

        امام كل انعامات اللـه الوافرة هذه، نقف في ابرشية زاخو على ابواب عتبة الميلاد، بفرح والم معا. بفرح العيد أكيدا، وبالم الفقر والجوع والفاقة والعوز والبطالة من جراء الحالة الاقتصادية المتردية وفايروس كورونا الذي يهدد حياة الناس في كل لحظة. لقد ناشدت ببداية هذا الشهر (12)، الخيرين في كل مكان، للنظر باحوال مسيحيينا المتعبين والرازحين تحت اثقال الحياة اليومية واتعابها وهمومها.

فالكبار والمسنين بالكاد يتمكنون من ضمان قوت معيشتهم. والشباب والخريجين يبحثون عن عمل منذ سنوات ولا يجدون، كمن يبحث عن الذهب في نهر سريع الجريان. والطلاب يضطرون للتوقف عن دراستهم او احيانا لاعطاء المجال لاخوتهم الاخرين للدراسة عوضهم، بسبب عدم تمكن الوالدين من تحمل نفقات الدراسة لجميع الاولاد. وماذا بشأن الاب الذي لديه بنات فقط بالبيت، خاصة ان كان يعاني الاوجاع والامراض المختلفة، ويعجز عن العمل، وان لم يكن كبير السن! هل يقدّر له ان يعيش مُحدد الدخل والحركة لانه في مجتمع لا يخلق المجالات والفرص لعمل المرأة اسوة بالرجل بعدالة وانصاف؟

واذ نشكر كافة المتبرعين والخيرين الذين يمّدون يد العون لابرشية زاخو الناشئة في 2020، وفي مقدمتهم غبطة ابينا البطريرك الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو، ووالسادة الاساقفة في الابرشيات الكلدانية في العراق والعالم اجمع، والاباء الكهنة في الخورنات الكلدانية في اوروبا… من اجل مستقبل افضل لابناء الابرشية المباركين.

اننا اذ نعيد هذا الميلاد متحدين مع الرب يسوع، في ولادته وسط مغارة خربة متروكة ومهجورة، لكننا بالتاكيد في حال احسن من هذا الحال، والشكر للـه. لا بل اننا نشكر اللـه على فرحتنا هذا الميلاد خاصة بعد ان كرّسنا وافتتحنا كنيسة جديدة في ابرشية زاخو لعبادة الرب، لتمجيد اسمه في حياتنا. فالشدة لابد لها ان تمر، والفرح والراحة والامان لا بد لهم ان يملكوا على الارض، مهما طال الزمان. مؤمنين بمقولة الرب “بالصبر تقتنون انفسكم” (لوقا 21: 19). 

عيد ميلاد مجيد اتمناه لجميعكم

وكل عام وزاخو والعراق والعالم باجمعه بالف خير

+ فيليكس سعيد الشابي ، مطران زاخو للكلدان،

[1] الاب صبحي حموي اليسوعي، معجم الايمان الكاثوليكي، بيروت 1998، ص 138

[2] التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، لبنان 1997، فقرة 464.

[3] التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، لبنان 1997، فقرة 465.

[4] التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، لبنان 1997، فقرة 470.

[5] الاب منصور المخلصي، روعة الاعياد، بغداد 2011، ص 79.

عن Maher

شاهد أيضاً

القداس اليومي

القداس اليومي البطريرك لويس روفائيل ساكو تبنّى الكلدان شيئاً فشيئاً القداس اليومي بعد إتحادهم مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.