أخبار عاجلة
الرئيسية / اخر الاخبار / رسالة الميلاد

رسالة الميلاد

رسالة الميلاد

“المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرّة

يجمعنا إلهنا وملكنا كلَّ سنة لنستقبلهُ، لا كضيفٍ يزورنا مُحمّلاً بفيضٍ من الهدايا التي تغمرنا بالمحبّة والأفراح والمسّرات، بل كإلهٍ مُحبٍ شاءَ أن يولّد بيننا كطفلٍ، لا بيت له، ويرغبُ في أن يكونَ له بيتُ في قلبِ كلِّ واحدٍ منّا، ليتخذه مسكناً ومُستقرَّاً، وليبدأ مع بني البشر بأجمعهم عهداً جديداً، حاملاً بُشرى الميلاد للمسكونة بأسرها، فالبُشرى هي للعالم أجمع: “لاَ تَخَافُوا. فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ” (لو 2: 10)، والعالم كلّه مدعوٌّ للفرحِ والاحتفال، وكلٌّ يحتفلُ حسبما يشاءُ، أمّا نحن، فمدعوون إلى تمجيد الله على نعمةِ تجسّد كلمتهِ، فيكون فرحنا استجابةَ شُكرٍ لحضوره بيننا، لذا، نأتي معاً لنُصغي إلى اللّه الكلمة ونُصلي له ونتأمل في سرّه الذي كشفهُ جلياً اليوم بربنا يسوع، ونقبل حضوره في افخارستيا الشّكر التي أعدَّها لنا، ونُحبهُ ونخدمهُ إلهاً أوحد في حياتنا، ونشكرهُ لفرحِ الاحتفال العائلي الذي يُفرِحُ قلبهُ.

تعلّمنا كلمةُ الله أن إلهنا لا يتطلّع إلى علاقةٍ مع إنسانٍ يرتعبُ منه ويخافُ عقابهُ، بل إلى إنسان يتعبَّدُ له بخضوعٍ فيُؤتيهِ الله حكمةً، يُجادلهُ ويسألهُ على مثال أمنّا مريم التي سألت ملاك الرّب: “كَيْفَ يَكُونُ هَذَا” (لو 1: 34). فبخلافِ كل الديانات، نُعلنُ اليوم أننا لسنا نحن المتوجهينَ نحو الله متعبدين، بل هو الذي يأتي إلينا طالباً منّا ألاَّ نخاف في حضرته، بل نتأملَ في جمالهِ وبراءته، ونفرح بحضوره: “لاَ تَخَافُوا. فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ” (لو 2: 10). يأتي تجسّد كلمةِ الله ليُظهِر أنَّ الله يُريد صداقة الإنسان، لذا، يأتيهِ طفلاً وديعاً لا يُخيفُ ولا يُرعِبُ، ليصنعَ سلاماً بينه وبين الإنسان، وينعكس على الأرض سلاماً بين البشر.

بدأت القصة مع الله الآب الذي أرادَ للإنسان أن يُشاركه حياةَ الأُلوهةِ، فتركَ الله سماءَه وانشغلَ بالأرض وأعدّ للإنسان فردوساً عليها، قبلَ أن يخلُقَه على صورتهِ كمثالهِ، ليكون إلى جانب صنعةِ يديه، هذه الصورة التي تشوهَت بكبرياء الإنسان، بعصيان آدم وحواء، فصارَ الإنسان يرتعدُ من الله أو يتجاهلهُ، وفي كِلتا الحالتين يُسيءُ إلى أخيهِ الإنسان.

بالمسيح يسوع صالَحَ الله الإنسانَ وردّهُ إلى حضنَ الآب، فالإنسان مريضٌ ومُتَعبٌ ومُرهقٌ، أسيرٌ جائعٌ وعَطِشٌ إلى الحياة الحقّة، ويأتيه الله ليُنعِش فيه الحياة ويبعثَّ فيه الرجاء، فبالمسيح حلَّ الله بيننا ليكون حاضراً، وصارَ قريباً منه، صارَ مثلنا لنكون نحن على مثالهِ، لذا، يدعونا، نحن كنيسَتَهُ، إلى أن نجعلَ حضوَرهُ واقعاً نعيشهُ، على مثالِ أمنّا مريم، وكما قدّمته هي للرعاة، لنقدّمه نحن للعالم من حولنا، وعندما يختبرُ المحيطون بنا حضوره فينا، سيُخبرونَ بذلِك ويكونوا هم المبُشرين به: “فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلاَمِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هَذَا الصَّبِيِّ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ” (لو 2: 17- 18).

“الكلمة صارَ جسداً وحلَّ بيننا” (يو 1: 14)، هذه خلاصة سرِّ التجسّد، الذي به صارَ الله الكلمة، أي ربنا يسوع المسيح، جسداً، ثم أعطانا جسده ذلك مأكلاً لنا، ليلةَ العشاء الأخير. وحرص لوقا الإنجيلي على تذكيرنا أن الطفلَ الذي وُلِدَ اليوم في بيت لحمَ، بيت الخُبز، هو نفسه الذي سيُقدِم جسدهُ لتلاميذه في العشاء الأخير مع تلاميذه قائلاً: “هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ.” (لو 22: 19)، فقد وُلِد في مذودٍ لأنه لم يكن لهما موضعٌ حيث نزلا، تلك حقيقةً أعلَنَها يوحنا في بدء إنجيليهِ قائلا: “إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ.” (يو 1: 11)، مذودٌ قال عنه القديس أوغسطينوس: “هو المكان الذي تجد فيه الحيوانات قوّتَها، وهوذا الله يُعدُّ للإنسان مائدة ينعمُ فيها بالغذاء الحق، فأضحى المذود مذبحاً للكلمةِ. لذا، فعندما نقبل جسَدَ المسيح ودمَه في الافخارستيا اليوم، فنحن نقبل كلمةَ الله مثلما قِبلتها أمُّنا مريم البتول، فنسمح له بأن يَكبرَ فينا ومن خلالنا، لنُقدِّمهُ بركةً للعالم. ونساءَل مع أمّنا مريم مرّة أخرى: كيف يكون لنا هذا؟

يأتي الجواب من الملاك: “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ” (لو 1: 35)، ويعود يوحّنا الإنجيلي ليؤكدَ على حقيقة البنوّة هذه عندما يُنشِدُ هو الآخر قائلا: “كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ اللَّهِ. وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً” (يو 1: 12- 14). يشدِّد لوقا البشير على إصغاء مريم لكلمةِ الله، وأمّا مريم فكانت تحتفظ جميع هذا الكلام متفّكرةَ في قلبها (لو 2: 19)، هذا الصمت والإصغاء وحِفظِ كلمةِ الله على مثالِ مريم أمّنا التي تبقى مندهشةً من عظمةِ رحمةِ الله وحنانهِ، وسرّ تدبيرهِ، سيقودنا إلى حيث الطفلَ ولنعرِفَ ما ينتظرهُ منّا، فهو جاء لينشرَ سلامَهُ في العالم أجمع. والسلام الذي يُبشر به الملائكة على الأرض اليوم، يكون واقعاً بقرار الإنسان تَباعةَ بُشرى الله، والعلامة ليست قواتٍ مُقتدرةً تُخيفنا وترعبنا، بل طفلٌ مُضجَعٌ في مذودٍ، يعني: بدءاً جديداً للإنسانية، فيه تُقدّم المجدِ لله وتُحيي السلام على الأرض وتسعى لأن تكون المسرّة بين الناس، ويتحقق ذك من خلال تباعة هذا الطفل الذي يقودنا إلى قبول غفران الله والمُصالحةِ معه. إلهنا لا يُريد منّا ذبيحةً، بل أن نقبل الآخرين بالرّحمة، لأنه إلهٌ يُريد الرحمة (هو 6: 6/ متّى 12: 7). فالإنسان جرّبَ أن يسيرَ في دروب الحياة بمفرده دونَ الإصغاء إلى الله، فتكبّر وتعجرفَ وقسى وانتهَك كرامةَ القريب وحياته، واستحقّ حُكمَ الناس عليه بسبب جرائمه، ولكنّه وجدَ أن الله كان ينتظرهُ حيثما وصلَ، لينتشِلَهُ من حضيضه ويُعيدهِ إلى الفردوس. كحالِ اللص الذي عن جنب اليمين حينما أقرَّ: “أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ”. ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: “اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ”. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ”. (لو 23: 40- 43)

لم يعد الفردوس حلماً أو مُبتغى أو أمنيةً، بل صارَ بالأحرى مسؤوليةَ كلَّ واحدٍ منّا، وكلنّا مدعوون لنعمل معاً يكون واقعاً مُعاشاً على الأرض، من خلال مُسالمةِ بعضنا بعضاً والجلوس على مائدةِ الله وقبول أحدنا للآخر إخوةً وأخواتٍ في عائلة الله، والاستعداد الدائم لتقديم أيّ مساعدة لكلّ مَن هم في حاجةٍ إلى المعونة، فتكون حاجة الآخر فرصةً لإعلان المحبّة وللحوار والعلاقة معه، وليست دافعاً للغضب والكراهية، بل لقاء نُظهِرُ فيها طيبةَ الله التي فينا، وتكون حياتنا حضور نعمةٍ في حياة الآخرين، وهذا يُعطي حياتَنا معنًى ورسالة، فأنا وأنت لسنا مخلوقين صُدفةً، بل حياتنا، بكل ما فيها من خبراتٍ، لها أهميّة وتأثير في حياة الآخرين، فأنا وأنت مُخلّص (ماشيحا) للمُحتاج إلينا، وهكذا يولدُ الانسجام والوئام والسّلام بين الناس الذين يؤمنون بأهميّة حياة كلِّ واحدٍ منهم على الأرض، وتكون حاجة إخوتنا في الإنسان فرصةً لخلق الألفةِ والتناغم بيننا، ولإنشاءِ علاقة صداقةٍ معه لنعتنيَّ الواحدُ بالآخر، فالفردوس يبدأ من الأرض ليكتملِ مع الله.

 “وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا”. (لو 2: 19)، هذا هو الموقف الذي ينتظره الله منّا جميعاً، فكل ما نختبره في حياتنا هو ضمنَ تدبير الله الآب الذي يُحبنا. الميلاد فرصةٌ لنفتكِرَ بالآخر المُحتاج، ونذهبَ، على مثال المجوس حاملين إليه هدايانا ليتكمِلَ احتفالُ أبناء عائلة الله، العالم أجمع، بالميلاد ويتحقّق ما أنشده الملائكة: “المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة”.

ميلادٌ مُباركٌ عليكم جميعاً.

عن Maher

شاهد أيضاً

 البطريرك  ساكو في اليوم الثاني للباعوثا: سلوكُنا يكشف شخصيَّتَنا

 البطريرك  ساكو في اليوم الثاني للباعوثا: سلوكُنا يكشف شخصيَّتَنا   اعلام البطريركية    ترأس غبطة البطريرك الكاردينال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.