أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

 فَاجْعَلَكَ امَّةً عَظِيمَةً وَابَارِكَكَ وَاعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً” (تك 12: 2)

اللقاء الأول

سيادة المطران بشار وردة 

المُقدمة

نتابع رحلتنا في أسفارِ العهد القديم بقراءة سفر الخروج، لكنها ليست رحلة مع أفرادٍ مثلما كانت في سفر التكوين، حيث تعرّفنا إلى مسيرة إيمان الآباء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف، بل هي رحلةٌ مع شعبٍ نما وكثُرَ، وتحقق فيه وعدُ الله: بنسلٍ كثير. فسفر الخروج هو مواصلة لقصّة سفرِ التكوين، حيث اختارَ الله الآباء ليبدأ معهم العهد، وها هو يختار نسلهم ليكونوا له شعباً، مُحقِقاً الوعدَ الذي الذي قطعهُ للآباء.

هو وعدُ نعمةٍ أرادَ الله به أن يقولَ لنا: إن العهد مع الله ليس عهدَ مُشترعاتٍ وقوانين وأحكامٍ، بل عهدُ نعمةٍ ومرافقةٍ من الله الآب. فالعلاقة تسبقُ القوانين والمُشترعات، هذه العلاقة بدأت مع البشرية جمعاء قبل أن تُحتضِنَ شعباً بعينه، وكشفت للبشرية كلّها أن هناكَ إلهاً واحداً، خلقَ العالم بأسرهِ ليس بغرضِ أن يكون في خدمتهِ، ولا كان ذلكَ نتيجة صراعات دامية بين الآلهة، أو تزاوجٍ بينهم، كما أنه ليس جزءاً من الطبيعة: الشمس والقمر والكواكب، مثلما إدّعت قصص الخلقة لشعوبٍ أخرى، بل إنَّ الله هو خالقُ الطبيعةِ ومبدعها في أحسنِ صورةٍ: “وَرَاى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَاذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّا” (تك 1: 31) 

لكنّ الإنسان، وهو المخلوق على صورة الله ومثالهِ، إِختارَ بإرادتهِ الحُرّة أن يفعلَ الشّرَّ، فقتلَ وارتكبَ المظالم، حتى تفاقمَت الخطيئة، لكنّ الله تدخّل لصالحِ نوح البار، وأنقذَ من خلاله البشريةَ. ثم كشفَ الله عن نفسهِ إلهاً لإبراهيمَ ليُبارِكَ به العالمَ أجمع، وكلّفهُ بأن يُعلم أبناءه وبناتهِ البرَ والعدلَ (تك 18: 19)، وأنعمَ عليه بأن يكون أباً لإسحاق ويعقوب، الذي أعطى له إسم: “إسرائيل”، لأنّ الله يُريد أن يكون في علاقة مع الإنسان الذي يُبادلهُ الحبَّ مهابةً وحواراً وحتى جدالاً: “لا يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إسرائيل لانَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ الله وَالنَّاسِ وَقَدِرْتَ” (تك 32: 28). ثم رافقَ الله يوسف، أحد أبناء يعقوب (إسرائيل)، إلى منفاهُ في مصر الذي صار إليهِ بسبب حسدِ إخوته وكُرهِهم له، وهناك، وهبه الله الحكمةَ وأنقذه من حبسهِ وأنعمّ من خلالهِ بالحياة على مصرَ، وبالغفران لإخوتهِ، وهنا تبدأ حكاية الإخوةِ في مصرَ: “وَهَذِهِ أسْمَاءُ بَنِي إسرائيل الَّذِينَ جَاءُوا إلى مِصْرَ. مَعَ يَعْقُوبَ، جَاءَ كُلُّ انْسَانٍ وَبَيْتُهُ” (خر 1: 1).

موضوع تأملنا الأساس في سفر الخروج، هو كيف مكَّنَ الله  جماعة صغيرة مُضطَهَدَة من التحرّر من عبوديةِ وبطشِ حاكمٍ طاغٍ، فتقرّب الله  نفُسه إليهم، ورعاهم وكشفَ لهم أنه إلهُ الحياة، وهو الإلهُ الحق، وكشفَ للعبرانيين، ولنا من خلالهم، هويتهم الإنسانية وأرسلهم ليبدأوا حياة جديدة، وعملَ ذلك كلّه على الرّغم من عناد المتسلّطين (ملكُ مصر) وتعاونَ الضُّعفاء (النسوة)، وهو المجال الذي يظهر الله فيه قوّته الذي تتجلّى فيه قدرة الله، لأن الله ، لم ولن ينسَى المُضطهَدين، بل تراه دائما التفتَ إلى معاناتهم، وسمِعَ صُراخهم، فكان لهم مُعيناً ومحرراً ثم مُعلّماً، فالحُرية (الخروج من مصرَ) إلاّ بكمال الأخلاق، فكانت الوصايا العشر، إذ لا يُمكن لعلاقة أن تدوم ما لم تكن مبنيّة على قواعد أخلاقية تحفظ أمانة الطرفين أحدهما للآخر في علاقة العهد التي تجمعهم، فيكون العهدُ بين الله  وشعبه، نعمةً تُصلِحُ العلاقات التي أفسدها الإنسان بتكبّره وجهالتهِ، والتي سبّبت فسادَ الخليقةِ كلّها.

هذا كلّه من أجل تهيئة أرضية الاحتفال بالفصحِ، الحدث الأهم في سفرِ الخروج، ليفهمَ كلُّ المحتفلين به، حاضرهم وماضيهم ومُستقبلهم، ويُواصلوا الحياة يحملّهم الرجاء والإيمان بالله الأمين في وعدهِ.

يوُسفُ المنسي

“ثُمَّ قَامَ مَلِكٌ جَدِيدٌ عَلَى مِصْرَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُف” (خر 1: 8)، حَرِص يوسف في حياته على أن يجعل من مصرَ مكاناً آمناً لشعبهِ، ولكنَّ هذا الأمان انقلب تهديداً خطراً على شعبهِ فيما بعد، لأن يوسف لم يعش للأبد، فماتَ مثلما يموتُ كلّ العظماء، وهكذا فقدَ الشّعب حاميه فاكتنفت حياته الأخطار، وحلَّ الخوف محلَّ الثقة التي كانت تُميّز علاقة بيت يوسف مع فرعون مصر والمصريين، فصاروا متباعدين عن بعضهم بعضاً بعدما كانون متضامنينَ، بل شكّلوا خطراً على مصرَ بحسبِ قولِ فرعون: “هُوَذَا بَنُو إسرائيل شَعْبٌأاكْثَرُ وَأعْظَمُ مِنَّا. هَلُمَّ نَحْتَالُ لَهُمْ لِئَلا يَنْمُوا فَيَكُونَ إذَا حَدَثَتْ حَرْبٌ أنَّهُمْ يَنْضَمُّونَ إلى اعْدَائِنَا وَيُحَارِبُونَنَا وَيَصْعَدُونَ مِنَ الأرض” (1: 9- 10).

          ولو عُدنا إلى بداية سفر الخروج، لوجدنا الراوي قد بدأ بتثبيت أسماء أبناء إسرائيل الاثني عشر سبطاً أولاً (1: 1- 3) ويذكرنا بأنهم كانوا سبعينَ نفساً فيحملنا بذلك إلى السبعينَ نفساً المذكورين سابقاً في سفر التكوين (46: 8- 28)، ثم يُحدثنا عن شعبٍ كثير العدد: “فَأثْمَرُوا وَتَوَالَدُوا وَنَمُوا وَكَثُرُوا كَثِيرا جِدّا وَامْتَلاتِ الأرض مِنْهُمْ” (خر 1: 7). وهكذا يطلِعنا على الطريقة التي بها حققَ الله وعدهُ لشعبهِ الذي كان عائلة، من عدّة أفراد، خرجت من أرض أورَ الكلدانيين فصارَ شعباً كبيراً: شعبَ الله. ولا يفوتنا أن نتذكر أنَّ الآيةَ السابعة: تُعيدنا إلى وصيةِ الله لأبوَينا الأوَّلين في سفر ِالتكوين: “أثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلاوا الأرض” (تك 1: 28)، ليقول لنا الراوي إننا سنستمِع إلى قصّة خَلق جديدة، فالله أعادَ خلقَ شعبهِ من جديد، وأفاضَ فيه الخصب، وما أراد أن يُحققهُ في الخلقِ الأول، حققهُ في هذه العائلةِ، والتي جعلها علامة، آية، لتدبيره للكونِ كلّهِ، ليكونَ شعبه نقطةَ إنطلاقٍ له نحو البشريةَ كلّها. لذا، جاءت الأيات (خر: 1- 7)، إشارة إلى الوعدِ والبركةِ والنسلِ العظيمِ، فبفضلِ وعدِ الله وإيمان يعقوب به وحكمةِ يوسف، صارَ شعبُ الله عظيماً في مصر، بل كثرُ جداً.

لذا، فقصّة سفر الخروج قصّة مُكمّلة لقصّة سفر التكوين، والعهدُ يتواصل مع أبناء إبراهيم. هذا من جهةٍ. من جهةٍ أخرى؛ علينا ألاَّ نُفكّر في مصرَ كموقعٍ جغرافيّ فحسب، بل إشارة إلى عقلية ما زالت مودودة حتّى الآن. فتكون مصر رمزاً لمجتمع يعتمد على السلطة وعلى بطشِ الأقوى، وعلى تنافسٍ لا رحمة فيه. ملكُ مصرَ، الفرعون، يُمثلُ الإنسان المُتكبِّر الذي يبحث بتعجرف عن تثبيت تسلّطهِ على الآخر، وحتّى على الله نفسه لأنّه يحسبُ نفسه أكثر أهميةً من الآخرين وأكثر ذكاءً ويستحقّ التمجيد، بل والعبادة، فهو الإلهُ على الأرض، ويحقُّ له أن يفرِض جميع أشكالِ المُشترعات والقوانين حفاظاً على سلطته وكرامتهِ، فيظلم ويلاشي ذلك الإنسان الآخر (أو الجماعة الأخرى) الذي يعدّهُ خطراً على حياتهِ. لذا، صارت قصّة الخروج قصّة كلّ الناس، فسعادة الإنسان الحقيقية لا تكون في البقاء في مصر، مجتمع السّادة والعبيد، بل كلّ الناس مدعوون إلى العيش في مجتمعٍ يسوده التضامن والتعاون المُتبادَل والمحبّة، لا يتسلّط فيه القويّ على الضعيف، بل يتضامنونَ معاً كإخوةٍ، ويسمي الكتاب المقدس ذلك المجتمع: “أرض الميعاد”.

ملكُ مصرَ الجديد كان أوّلَ المُتكلّمينَ في سفرِ الخروجِ مؤكداً على كثرةِ أبناء إسرائيل وقوّتهم، والأخطار المُحتَمَلة جراء ذلك، فما كان علامة البركة أضحى الآن إشارةً إلى تهديدٍ مُحتَمل، والتهديد انضمامهم إلى الأعداء أو هربهم نحو جهةٍ بعيدة عن مصرَ، وبذلك يُعطينا الرّاوي صورة مُسبقة عمّا سيحدث لاحقاً في السفرِ.

هربُ بني إسرائيل هو الخطرُ الأكبر الذي يُواجه مصرَ، لأنهاَ ستفقدُ العمالةَ الرخيصة، بل تفقدُ السند الذي تحتاجُ إليه وقتَ الأزمات العسكرية والاقتصادية التي قد تواجهُ البلادَ. لذلك، خافَ هذا الملكُ من أن ينقلِبَ حضور العبرانيين حضوراً مُخرِّباً، وبالتالي يسببون ضرراً كبيرا على الأمنِ القومي لمصرَ كلّها، لذا، أمر بتشديدِ ظروف العمل وجعلها أكثرَ قساوةً، فأرهقَّ العبرانيين بالأشغالِ. والتاريخ الإنساني حافلٌ بذكرِ العظماء الذين بَنوا لأنفسهم مباني عظيمة تُخلّدهم، ودفعَ الفقراء والضعفاء ثمنَ هذه العظمةِ. مُدنُ خزنِ الطعام، مدنُ الحياة، صارتَ مُدن العمل الشاق، بل مدن الموت.

هذا الملك، مثلهُ مثل كثير من الناس نسي ما قدّمهُ يوسف من خيرٍ لمصرَ، فالناس تنسى على نحوٍ سريع الخير الذي يُصنَع معهم فتُصبِح ناكرةَ للجميل، في حينَ أنها تبقى تتذكّر الحزن والألم الذي تختبرهُ، ويُسبب النسيان دوماً أزمةً في علاقاتِ الإنسان مع أخيه الإنسان ومع الله، ومن مثل الله الذي يبقى يتذكّر! إليكم الأمثلة في الكتاب المُقدس عن أهمية التذكّر: “فَسَمِعَ الله أنِينَهُمْ فَتَذَكَّرَ الله مِيثَاقَهُ مَعَ إبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ” (خر 2: 24)، تعليم موسى للشعب: “اُذكر” (خر 20: 8)، وعن الفصح الذي هو يوم التذكّر: “وَيَكُونُ لَكُمْ هَذَا الْيَوْمُ تَذْكَارا” (خر 12: 14)، ووصيّة ربّنا يسوع: “اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي” (لو 22: 19)، فيكون التذكّر مناسية لتجديد العلاقة العهدية بين طرفي العلاقة، وهذا ما نقوم به في كل إفخارستيّا.

مذبحة تلو الأخرى (خر 1: 15- 22)

قرّرَ الملكُ، الذي لا نعرِف اسمهُ، اقتراف مذبحة بحقّ هؤلاء العبيد، وهذه علامةُ هزيمةٍ، فأمرَ أولاً بمعاملتهم بقسوةٍ وإذلالهم، وفعلَ الوكلاء كما أمرهم الملك من دون مُعأرضة، قذ نفهم هنا لماذا عاقبَ الله جميع شعبِ مصر. صحيحٌ أن المُبادرة جاءت من قبل الملك، إلا أن الشّعب تعاوَن معه في إذلالِ بني إسرائيل، وهي حالة لطالما تكررت عبر التاريخ، فنجد شعوباً لم تُعأرض ممارساتٍ شريرة لحُكّامٍ طُغاة وتوافقت مع هذه الممارسات إمّا طوعاً أو لكونهم مُستفيدينَ منها بغياب أصواتٍ جريئة وشجاعة تُعأرض هذه الممارسات.

لم تنجح خُطة الملك الأولى، فاستدعى القابلتينِ بشأن قتلِ الذكور وأمرهم بالتخلّص من الذكور، فيكون الموت موجِّهاً لسياسة الملك، فصارَ يُفكِر في كيفيّة إنهاء حياة الآخرين لا إزدهارهم، وعوضَ أن ينتظر َحتى يكبروا ليضطهدهم، أمرَ بقتلهم ساعة مولدهم، ليختصر الوقت والجهود. أوصى الملك القابلتين: “حِينَمَا تُوَلِّدَانِ الْعِبْرَانِيَّاتِ وَتَنْظُرَانِهِنَّ عَلَى الْكَرَاسِيِّ – إنْ كَانَ ابْنا فَاقْتُلاهُ وَإنْ كَانَ بِنْتا فَتَحْيَا”. طلبٌ يُشيرُ إلى تخبّطٍ في السياساتِ؛ فالمملكةُ بحاجةٍ إلى عمالٍ ذكور لإنجاز مشاريعها، وهذا الملك يأمرُ بقتلهم، فيُسهِم عبر سياسته هذه في دمار المملكة بنفسهِ، على عكس الملك السابق الذي وَثقَ بيوسف الغريب فأَسهم في خلاص المملكة ورفاهيّتها: “هَلْ نَجِدُ مِثْلَ هَذَا رَجُلا فِيهِ رُوحُ الله؟ … بَعْدَ مَا أعْلَمَكَ الله كُلَّ هَذَا لَيْسَ بَصِيرٌ وَحَكِيمٌ مِثْلَكَ”. (تك 41: 38- 39).

“وَلَكِنَّ الْقَابِلَتَيْنِ خَافَتَا الله وَلَمْ تَفْعَلا كَمَا كَلَّمَهُمَا مَلِكُ مِصْرَ، بَلِ اسْتَحْيَتَا الاوْلادَ”. من الواضح جداً أن القابلتين أصغتا إلى الناموس الذي فيهما، ناموس مكتوب في ضميرِ الإنسانية قبل ناموس موسى، مثلما أشارَ بولس: “لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ فَهَؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ. الَّذِينَ يُظْهارون عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوباً فِي قُلُوبِهِمْ شَاهِداً أَيْضاً ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً”. (روم 2: 14- 15) لذا، حفظَ الله اسم القابلتين (شفرةَ) و(فوعةَ)، ولم يذكر اسم ملك مصر، لأنَّ فيهما مخافةُ الله، فعصتا أوامرَ الملك لتُصبحا أولَ من مارسَ العصيان المدني كونهما أصغتا لصوتِ الضمير الذي يسمو على أوامرِ السّلطة الظالمة، لذلك نجد لاحقاً في أسفارِ العهد القديم ضرورة وجود النبيّ إلى جانب الملك، لئلا يتجبّر الملك ويتشامخ.

دعونا نسألُ هنا: هل يحقُّ لنا الكذب في ظروفٍ مثل التي واجهتها شفرَ وفوعةَ؟

قولُ الحقيقةِ هو واجبٌ ومسؤولية، وسنأتي إلى هذا الموضوع بالتفصيل عندما نتحّدث لاحقاً عن الوصايا العشر. ولكن، في الظرفِ الذي واجهتهُ شفرة وفوعةَ، إذ كانت الطاعةَ لأوامرِ الملك ستؤدي إلى قتلِ طفلٍ وإفناء حياة برئيةٍ، سنجد أنه كان عليهما إخفاء الحقيقة وتأجيل إعلانها لإنقاذ حياة الأطفال، وهذا ليس مبرّرا للكذب على الإطلاق، بل يبقى خطيئة (خطيئة عرضيّة)، ولكنّ الذي دفعهما إلى إخفاء الحقيقة عن الملك، هو خوفهما من الله ومعرفتهما أن قرار الملك ظالمٌ، لذا، جاءت خطوتهما حكيمةٌ: “مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ. أَمَّا الْجَاهِلُونَ فَيَحْتَقِرُونَ الْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ” (أمثال 1: 7).

القابلتان كانتا تخافان الله إذاً، فإستهزأتا بالملكِ عَزَيا سلامة ولادة ذكور العبرانيات إلى زخم الحياة لدى أولئك النسوة: “إنَّ النِّسَاءَ الْعِبْرَانِيَّاتِ لَسْنَ كَالْمِصْرِيَّاتِ فَانَّهُنَّ قَوِيَّاتٌ يَلِدْنَ قَبْلَ أنْ تَاتِيَهُنَّ الْقَابِلَةُ” (19). فصارت القابلتانِ ملائكي الرحمة وحرستا حياة الأطفالِ وليستا من ملائكة الموت كما أرادهما الملكُ الطاغية، وهذه كانت بدايةِ رحلةِ التحرر من العبودية عندما نعرف أن نقو (لا) للظالم ونتحرر من الخوف منه، لا من مخافة الله.

فخوفُ الملك والمصريين من العبرانيين أدّى إلى فشلهِم، وخوفُ القابلتين من الله سيقودهم إلى نجاحهم: “أحْسَنَ الله إلى الْقَابِلَتَيْنِ وَنَمَا الشّعب وَكَثُرَ جِدّا. وَكَانَ اذْ خَافَتِ الْقَابِلَتَانِ الله انَّهُ صَنَعَ لَهُمَا بُيُوتا”. هذه المكافأة لم تكن لأنهما كذبتا على ملك مصرَ، بل لأنَّ فيهما مخافة الله، ومخافةُ الله تعني وعي الإنسان أنّه سيمثُلُ أمام الله ليؤدي حساباً على الوزناتِ التي عُهِدَت إليه، هذا الوعي سيجعل الإنسان مُربّياً لمشاعره وغرائزه، فمخافةُ الله لا تعني “الارتعاد” أمام الله، بل تعني: إجلال الله إلهاً أوحد، وعدم الانحناءِ لأية سلطةٍ أخرى دونه، فضلاً عن الدفاع عن القريب المظلوم والتزام جانب الضعيف. مخافةُ الله تعني الإيمان بأن الحياةَ مُقدسة ويجب احترامها منذ اللحظةِ الأولى، وهكذا صارَ الحفاظُ على حياةِ الأطفالَ مسؤوليةً كُبرى، وتعبيراً جوهريا عن معنى: مخافة الله.

وقام الملكُ الجديد بخطوةٍ ثالثة في مُسلسل العنف، فأصبحَ أكثر وحشية وازدادَ عنفاً إذ أعلن مذبحة جماعية بقتلِ الذكور، والقضاء على العبرانيين عوضَ الحدّ من تكاثرهم: “أمر فرعون كل شعبه قائلاً: “كُلُّ ابْنٍ يُولَدُ تَطْرَحُونَهُ فِي النَّهْرِ لَكِنَّ كُلَّ بِنْتٍ تَسْتَحْيُونَهَا” (خر 1: 22)، فيكونُ كلُّ وليدٍ ذكرٍ محكوماً عليه بالموت، لا لجرمٍ اقترفهُ، بل لأن الملك يخافُ منه، فأمرَ بإغراقِ الذكور، وكأنهُ يستبقُ الأحداث إلى غرقِ جيشهِ لاحقاً (خر 14: 26 – 28)، موقعاً بنفسهِ قرارَ إعدامِ شعبهِ، والنهر الذي هو منبعُ الحياة، جُعِلَ مقبرةً لأطفالِ العبرانيين، ولكنّه سيضحي الخِدرَ الذي سيحتضن مَن سيقودُ الشّعب نحو الخلاص، وبأوامرِ الملك الطاغية نفسهِ، فصارَ الملك أداةً بيد الله  دونَ أن يدري. إلهنا قديرٌ حتى على أن يصنع أعاجيبه من خلال الذين لا يعرفونهُ أيضاً.

في مثل هذا العالم العنيف سيولَد موسى، مُخلّصُ الشّعب، مصحوباً بتساؤلِ يطرحُ نفسهُ: كيف يُمكن للصبيّ أن يعيش إذا كانت هناكَ أوامرَ صريحة بالقتل: “كُلُّ ابْنٍ يُولَدُ تَطْرَحُونَهُ فِي النَّهْرِ لَكِنَّ كُلَّ بِنْتٍ تَسْتَحْيُونَهَا”؟

سؤال سنعرِف إجابتهُ عندما نواصِل الإصغاء إلى القصّة  .

عن Maher

شاهد أيضاً

صدور نسخة جديدة منقحة من كتاب حياتنا الليتورجيا الكلدانية للبطريرك ساكو

صدور نسخة جديدة منقحة من كتاب حياتنا الليتورجيا الكلدانية للبطريرك ساكو إعلام البطريركية صدر أمس، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.