أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج) “فَأجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً” (تك 12: 2)

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج) “فَأجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً” (تك 12: 2)

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

“فَأجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً” (تك 12: 2)

اللقاء الخامس

المُقدمة

        انتهت المواجهة الأولى ما بين موسى وهارون والشّعب من جهة، وفرعون مصرَ من جهة أخرى، بكارثة على الشّعب الذي أمعنَ فرعونَ في إذلالهِ، الأمر الذي اسفرَ عن غضبِ الشّعب على موسى وهارون، فضلاً عن خيبةِ أمل في نفس موسى: “يَا سَيِّدُ لِمَاذَا أسَأتَ إلى هَذَا الشّعب؟ لِمَاذَا أرْسَلْتَنِي؟ فَانَّهُ مُنْذُ دَخَلْتُ إلى فِرْعَوْنَ لأتَكَلَّمَ بِاسْمِكَ أسَاءَ إلى هَذَا الشّعب. وَأنْتَ لَمْ تُخَلِّصْ شَعْبَكَ” (خر 5: 22- 23)، لذا، [وبعد العتاب المرير] كان لا بّد لله من التدخل وإعادة التأكيد على [ثبات] الوعد لموسى، ومن خلاله للشّعب كلّه: “الآنَ تَنْظُرُ مَا أنَا أفْعَلُ بِفِرْعَوْنَ. فَإنَّهُ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ يُطْلِقُهُمْ وَبِيَدٍ قَوِيَّةٍ يَطْرُدُهُمْ مِنْ أرضهِ” (خر 6: 1). كلامُ الله موجَّهٌ إلى موسى متفّهماً اعتراضهُ ومُثبتاً إيمانهُ بأنّ اللّه إلهٌ موثوقٌ به وسيُتمِّمَ وعده ولن يكون هذا في المُستقبل البعيد، بل الآن.

        ومن أجل تحقيق هذا الوعد، سيقوم الله بإعادة ترتيب العلاقات بين شخوص القصّة، إضافة إلى التحضير للمهام الكهنوتية التي سيطلبها من هارون ونسلهِ، والأهم الكشف عن حقيقةِ علاقتهِ بالشّعب، بكرهُ الذي اختاره من بين شعوب الأرض، اختيارٌ لا يتحدد في قضيّة تحرير الشّعب من العبودية فحسب، بل تأكيد على العهد الذي صارَ مع آبائهم والذي سيُختَم بالدم.

الله الوعد والعهد

رفض فرعون طلب موسى وهارون في منح الشّعب فرصة التعبّد لله، وعاملهم بقسوة أكثر من ذي قبلُ، وربما كان اعتراض موسى على الله لأنّه اختاره لهذه المهمّة المُستحيلة، والتي تسبّبت في زيادة عذابات الشّعب، ربّما أعطى الله الفرصةَ ليُؤكّد على أنّه أمينٌ في وعده للآباء، وعندما يتذكّر الله، فمعنى ذلك أنه مُقبلٌ على التّدخّل لتحرير الشّعب: “أنَا الرَّبُّ. وأنَا ظَهَرْتُ لإبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِأنِّي الإلَهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَأمَّا بِاسْمِي “يَهْوَهْ” فَلَمْ أعْرَفْ عِنْدَهُمْ. وَأيْضا أقَمْتُ مَعَهُمْ عَهْدِي: أنْ أعْطِيَهُمْ أرض كَنْعَانَ أرض غُرْبَتِهِمِ الَّتِي تَغَرَّبُوا فِيهَا. وَأنَا أيْضا قَدْ سَمِعْتُ انِينَ بَنِي إسرائيل الَّذِينَ يَسْتَعْبِدُهُمُ الْمِصْرِيُّونَ وَتَذَكَّرْتُ عَهْدِي” (خر 6: 2- 5). ليكون التحرير الموعود خلقاً جديداً، فيُشرقُ نورُ الله على الفوضى التي سبّبها فرعون بعجرفته، ليُبدعَ منها الله حياةً [جديدة] لمَن حُكِمَ عليهم بالمهانةِ والموت، مُحافظاً على الوعدِ الذي أقسمهُ للآباء، وعد بدأ فيه الله قصّته مع الشّعب وكان على فرعون أن يتجاوبَ مع متطلّبات هذا الوعد، وعلينا ألاَّ ننسى هذه الحقيقة عندما نتحدّث عن ما جرى بين الله وفرعون، فالبداية هي مع وعدِ الله، وكان على فرعون احترام العهد الذي جمعَ الله بشعبه وألاَّ يفتَرض لنفسه سلطة إلهية على الشّعب، فهم شعبُ الله وليسوا شعب فرعون. 

كشف الله لموسى أنه سيُحقق وعدهُ من خلال أربعة أفعالِ خلقٍ وثلاثة أفعال وعدٍ (سبعة): “قُلْ لِبَنِي إسرائيل: أنَا الرَّبُّ. وَأنَا أخْرِجُكُمْ مِنْ تَحْتِ أثْقَالِ الْمِصْرِيِّينَ وَأنْقِذُكُمْ مِنْ عُبُودِيَّتِهِمْ وَأخَلِّصُكُمْ بِذِرَاعٍ مَمْدُودَةٍ وَبِاحْكَامٍ عَظِيمَةٍ. وَأتَّخِذُكُمْ لِي شَعْبا وَأكُونُ لَكُمْ إلَها. فَتَعْلَمُونَ أنِّي أنَا الرَّبُّ إلَهُكُمُ الَّذِي يُخْرِجُكُمْ مِنْ تَحْتِ اثْقَالِ الْمِصْرِيِّينَ. وَإدْخِلُكُمْ إلى الأرض الَّتِي رَفَعْتُ يَدِي أنْ اعْطِيَهَا لابْرَاهِيمَ وَاسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وَأعْطِيَكُمْ إيَّاهَا مِيرَاثا. انَا الرَّبُّ” (خر 6: 6- 8). وما زال الشّعب يحتفل بهذه الأفعال من خلال شرب أربع كؤوس من الخمر في العشاء الفصحي، في إشارة إلى الأبعاد الجغرافية والجسدية والقانونية والروحية بهذا التحرير، فالله سيُخرجُ الشّعب من مصر (تحرير جغرافيّ)، وسيُنقذهم من الاضطهاد (تحرير جسديّ)، ويُحرّرهم من فرعون (تحرير قانونيّ)، وسيتخذهم شعباً له ليكونوا تحت حمايتهِ (تحرير روحي)، حينها سيعرفونه إلهاً ارتبطَ معهم في علاقة عهدٍ، فهو ليس إلهاً يُخفي ذاتهُ عن شعبه، أو يُبقي الشّعب جاهلاً إلهه، بل كشفَ عن ذاتهِ له أولاً، وللعالم أجميع حينما تجسّد وحلَّ بيننا بيسوع المسيح (يو 1: 14)، لتكون لهم الحياة وملؤها (يو 10: 10). فيكون لهم إلهاً أوحد، ويتبعونه تاركينَ خلفهم مصرَ وكلّ ما حملتهُ هذه الخبرة من ظواهر وأحداث.

“وَأتَّخِذُكُمْ لِي شَعْباً وَأكُونُ لَكُمْ إلَهاً”، يُعدّ هذا الفعل إذاً أهمَّ فعل خَلقٍ يقوم به الله تجاه شعبه، فأمام رفض الشّعب الإستماع إلى نبيّه موسى وتعنّت فرعون كشف الله عن عهده مع الشّعب، وأنّه سيكون أمينا لهذا العهد حتّى لو الشّعب، فاستخدم لغة العقد الزوّجي حيث يُقدِّم الخَتَن عرضاً لعروسه: “أُريد أن أكتب عليكِ لتكوني زوجتي”، وعندما تقبل العروس العرض، يُعد العقد عهداً ابدياً، مؤكداً لموسى متانة العلاقة التي تربطهُ بالشّعب، وهي اللغة ذاتها التي اعتاد الأنبياء مُخاطبة الشّعب بها مثلما نقرأ في هوشع: “وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إلى الأَبَدِ. وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالْعَدْلِ، وَالْحَقِّ وَالإِحْسَانِ وَالْمَرَاحِمِ. أَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالأَمَانَةِ فَتَعْرِفِينَ الرَّبَّ” (هو 2: 19- 20)، ولدينا هنا سبع إعلانات من هوشع والتي تُرجِمت إلى سبع بركات تُصلى في ختام طقس الزواج إلى يومنا هذا.

المُلاحَظ أيضاً أنَّ الله كلّم موسى عن وعده لإبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يهبهم الأرض من دون أن يذكر لهم أنها أرض تُدِرُّ لبناً وعسلاً، مثلما وعد الشّعب، فإبراهيم والآباء، وموسى معهم، كان لهم إيمان أكثر رسوخاً من إيمان الشّعب المُتزعزع، الذي كان على الله أن يُقنعه بضرورة مُغادرة مصرَ والتوجّهِ نحو أرض أكثر خصوبةً وأمناً، وهو ما لم يجد الله ضرورة في أن يقولهُ للآباء. كما أنَّ الخروج سيمنح هذا الشّعب والذي لم يكن يحظى بالاحترام والكرامة الإنسانية، سيمنحهُ هويةً كانت تُعطى للملوك: “الابن البِكر”، فلا يكون الخروج طقساً ليتورجياً يُحتفَلُ به لذكرى حدثٍ حصل في الزمن البعيد وحسب، بل احتفالٌ بقبولِ هويةٍ جديدة: (شعبُ الله)، وهو رجاءٌ لمَن يُعانونَ المهانةَ والاضطهاد في أسرِ بابل. 

كلّم موسى الشّعب، ورفض الشّعب الاستماع إليه، فليست لهم القُدرة ولا الحماس للمغامرة من جديد مع موسى. فوجّه الرب موسى ليطلبَ من فرعون أنْ يُطْلِقَ بَنِي إسرائيل مِنْ أرضهِ، فجاء اعتراض موسى: “هُوَذَا بَنُو إسرائيل لَمْ يَسْمَعُوا لِي فَكَيْفَ يَسْمَعُنِي فِرْعَوْنُ وَأنَا أغْلَفُ الشَّفَتَيْنِ” (خر 6: 12)، فعاد الربّ وكلّم موسى وهارون معاً مؤكداً على طلبهِ: إخراجُ الشّعب، بمعنى تحريرهُ، وهذا الشّعب مؤلَّف من عدة عشائر، يذكرها الراوي بشيءٍ من التفصيل، ليُعرّفَنا في الوقت نفسه بإسم والديّ موسى وهارون: عمرام ويوكابد، التي كانت عمّة عمرام فأخذها زوجة له، وهو زواج حرّمتّه الشريعة فيما بعد (لاويين 18: 12 – 13). ونجد أن القائمة تُركز على ربط موسى وهارون بأبناء يعقوب، وخاصة بني لاوي، للتأكيد على حقيقة أن خدمتهم الكهنوتية هي خدمة لتدبير الله وهو ما قصدّه منذ بدء قصّة الخروج.

بدءُ المواجهة

عاد الرواي ليؤكد أن الربَّ كلّفَ هَارُون وَمُوسَى بإخراج الشّعب بحسب أجنادِهم، وهي لغة عسكرية، ليُبيّن لهم أنهم عازمٌ على أن يفعلَ ما هو عجيبٌ في عيون البشر، فاعترض موسى مُجدداً: “هَا أنَا اغْلَفُ الشَّفَتَيْنِ. فَكَيْفَ يَسْمَعُ لِي فِرْعَوْنُ” (خر 6: 30)، إضافة إلى ضعفِ معنوياتِ الشّعب (خر 6: 9)، وقسوة قلب فرعون وتعجرفهِ، بمعنى أن المواجهة صعبة في ظلّ كل هذه الصعوبات والتحديات العديدة.

أمام هذه العقبات، قام الله بإعادةِ تنظيم العلاقات التي تربط شخوصَ القصّة، فلم يعد موسى نبيَّ الله أمام فرعونَ، بل إلهاً لهارون وفرعون، ويكون هارون نبياً لموسى أمام فرعون، بمعنى المتحدِّث باسمه، وهي مهمّة النبي الأساسية، لكن يبقى الله هو سيّد الأحداث فهو الذي يأمرُ موسى ويُوجههُ في كلّ خطوة: “أنْظُرْ! أنَا جَعَلْتُكَ إلَها لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ. أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ وَهَارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ لِيُطْلِقَ بَنِي إسرائيل مِنْ أرضهِ” (خر 7: 1-2)، بذلك ثبّت الله سلطةَ موسى وعظَّم كلمتهُ التي ستكون لها سلطة الله نفسه على الأنبياء، وليس على موسى أن يشكَّ ولو للحظة في هذه الحقيقة، فكلّ ما سيقوله موسى سيكون مُلزما من طرف الله. هذا من جهة، من جهةِ أخرى، سيؤدي موسى دور الله في حياةِ فرعون، هو الذي يحسُب نفسه إلهاً، ويُكرمهُ شعبهُ بصفته إلهاً أيضاً.

ثم أكَّد الله لموسى أن عليه أن يكون راسخاً في إيمانهِ به (الله) على الرّغم من قساوة قلب فرعون، فهذه ستكون مناسبة ليُكثِر الرّبُّ آياتهِ وعجائبه، حتّى يُطلقَ فرعون الشّعب، وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ أنّه هو الرّبُ. فالغايةُ من الآيات هي إجبارُ فرعونَ والمصريين على إطلاق سراح العبرانيين، ومعاقبة فرعون وشعبه بسبب العذابات التي أنزلوها بالعبرانيين بدءاً من قتل المواليد الذكور وصولاً إلى قسوة ظروف العمل، والأهم من كل ذلك هو أن يعرِف الجميع؛ المصريون والعبرانيين، أنَّ الله هو الإلهُ الحق، فالضربات ستكون موجّهةً على نحو مُباشر ضدَ آلهةِ المصريين، ومعهم فرعون الذي يُكرمه المصريون إلهاً، لا سيّما وأن الإعلان الإيماني الأساس للكتاب المُقدس هو: “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض.” (تك 1: 1)، وهو خالقُ الطبيعة، وخالقُ الإنسان، كلّ إنسان، على صورته ومثاله (تك 1: 26- 27)، وبالتالي لا يُمكن الإبقاء على النُّظم الظالمة التي هي مصدر الفوضى لخليقة الله الحسنة.

“دَخَلَ مُوسَى وَهَارُونُ إلى فِرْعَوْنَ وَفَعَلا كَمَا أمَرَ الرَّبُّ، فطَرَحَ هَارُونُ عَصَاهُ أمَامَ فِرْعَوْن فَصَارَتْ ثُعْبَانا” (خر 7: 10)، فحسِبَ فرعون ذلك سحراً، فَدَعَا سَّحَرَةَ مصر وعَرَّافيها، وطَرَحُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَصَاهُ فَصَارَتِ الْعِصِيُّ ثَعَابِينَ. وَلَكِنْ عَصَا هَارُونَ ابْتَلَعَتْ عِصِيَّهُمْ” (خر 7: 12)، فتبيّن أن ما فعله السحرة كان خداعاً واستغباء للحاضرين، وهو سلوكٌ مرفوضٌ فالسّاحِر يدعّي كذباً إستدعاء سلطاتٍ إلهية لتنفيذ ما يُريدهُ أو ما يطلبهُ الآخرون منه، وهو كذبٌ مفضوح، لذا، انهار هذا السّحر أمام عصا هارون، ولم يعد في إمكانِ سحرة مصر خذاع الحاضرين ثانية.

بدأ الله المواجهة ضد فرعون بمعجزة العصا ليُعلّمهُ مَن هو صاحب السيادة هنا، فالعصا علامة السّلطة التي تحوّلت إلى ثعبان، والأصح أنها: تحولّت إلى وحشٍ، في إِشارة واضحةٍ إلى جسامة الانتهاكات الحاصلةِ في مصرَ، وعلى الرغمِ من أن لفرعونَ القُدرة على التعامل مع هذا الوحشِ عبر مُستشاريه وسحرة ِالبلاد وعرّافيها، إلا أن إرادة الله  هي التي ستغلبُ في نهايةِ الأمرِ، فابتلَعَت عصا هارونَ عِصيَّهُم، وعوضَ أن يُميّز فرعون القوّة الإلهية التي تدعم موسى وهارون، اشتدَّ قلبهُ ولم يسمع لهما، وهو ما يعرفهُ الربُّ منذ بدء المواجهة، إلاَّ أنّه أرادَ أن يمنح فرعون أكثر من فرصة للعدول عن موقفهِ هذا، مع الانتباه إلى أن الله سيُصعّب المهمّة على فرعون مع تزايد الفرص من أجل أن يعترِف أن الرّب هو الإلهُ الحق، ولا يُمكن لفرعونَ أن يقفَ عائقاً أمامَ إرادتهِ، وإرادتهُ هي: العدالةُ للمظلومين والحياة الكريمة للفقراء لأنَّ توفيرها هو واجبهُ كملكٍ، وهذا ما لم يحصل في مصر، مما جعلَ الله  يتدخّل لصالح الشّعب المُستعبَد، ليُحررهم وليُثبّت سُلطانهُ، ويجعلَ هذا واضحاً في عيون فرعون وفي عيون ِالسلطات الحاكمةِ أينما كانت.

الضربات العشر: ضربة النيل

أمرَ الله موسى بأن يلتقي فرعون في الصباح عند حافّة نهر النيل، الإله حابي، إذ يؤمِن المصريون به إلهاً، ففيضانهُ يجلب الخصب للأراضي الزراعية، إضافة إلى كونه مصدرَ السمك الوفير ومياه الشرب، غير متناسين أنّه كان آلةُ الموت التي اختارها فرعون لقتل ذكور العبرانيين (خر 1: 22)، فعندما يُضربُ النهر سيكشِف الله جسامة خطئية الشّعب المصري علّهم يتوبون.

على موسى أن يكون واضحاً ومُباشراً في رسالتهِ إلى فرعون: “الرَّبُّ إلَهُ الْعِبْرَانِيِّينَ أرْسَلَنِي الَيْكَ قَائِلا: أطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي فِي الْبَرِّيَّةِ. وَهُوَذَا حَتَّى الانَ لَمْ تَسْمَعْ. هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: بِهَذَا تَعْرِفُ إنِّي أنَا الرَّبُّ: هَا أنَا أضْرِبُ بِالْعَصَا الَّتِي فِي يَدِي عَلَى الْمَاءِ الَّذِي فِي النَّهْرِ فَيَتَحَوَّلُ دَما. وَيَمُوتُ السَّمَكُ الَّذِي فِي النَّهْرِ وَيَنْتِنُ النَّهْرُ. فَيَعَافُ الْمِصْرِيُّونَ أنْ يَشْرَبُوا مَاءً مِنَ النَّهْرِ” (خر 7: 16- 17). ولأن النيل كان وسيلةً لإنقاذ موسى عندما كان رضيعاً، فليس أخلاقيا أن يكون موسى مَن يضرب النيل، فأوصى الله موسى قائلاً: “قُلْ لِهَارُونَ: خُذْ عَصَاكَ وَمُدَّ يَدَكَ عَلَى مِيَاهِ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى أنْهَارِهِمْ وَعَلَى سَوَاقِيهِمْ وَعَلَى أجَامِهِمْ وَعَلَى كُلِّ مُجْتَمَعَاتِ مِيَاهِهِمْ لِتَصِيرَ دَما. فَيَكُونَ دَمٌ فِي كُلِّ أرض مِصْرَ فِي الاخْشَابِ وَفِي الاحْجَارِ”، وفَعَلَ مُوسَى وَهَارُونُ هَكَذَا كَمَا امَرَ الرَّبُّ. رَفَعَ الْعَصَا وَضَرَبَ الْمَاءَ الَّذِي فِي النَّهْرِ امَامَ عَيْنَيْ فِرْعَوْنَ وَامَامَ عُيُونِ عَبِيدِهِ فَتَحَوَّلَ كُلُّ الْمَاءِ الَّذِي فِي النَّهْرِ دَما. وَمَاتَ السَّمَكُ الَّذِي فِي النَّهْرِ وَانْتَنَ النَّهْرُ فَلَمْ يَقْدِرِ الْمِصْرِيُّونَ انْ يَشْرَبُوا مَاءً مِنَ النَّهْرِ. وَكَانَ الدَّمُ فِي كُلِّ أرض مِصْرَ (خر 7: 19-21).

وإذ فعلَ عَرَّافُو مِصْرَ كَذَلِكَ بِسِحْرِهِمْ. فَاشْتَدَّ قَلْبُ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يَسْمَعْ لَهُمَا كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبّ” (خر 7: 22)ُ. إنّها الفرصة الثانية لفرعون للعدول عن قرارهِ، لكنه لم يفعلَ، بل تركَ مسرحَ الأحداث وشعبهُ يتعذّب بحثاً عن الماء: “وَحَفَرَ جَمِيعُ الْمِصْرِيِّينَ حَوَالَيِ النَّهْرِ لاجْلِ مَاءٍ لِيَشْرَبُوا لانَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَشْرَبُوا مِنْ مَاءِ النَّهْرِ” (خر 7: 24). غضبَ فرعون وعادَ إلى بيتهِ في حين بقيَّ موسى هادئاً هذه المرّة، ولم يغضبَ من الله إزاء رفض فرعونَ الاستجابة لطلبِه.

قسوة قلب فرعون

يذكر الرّاوي هنا أن فرعون انصرف “وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَلَمْ يُوَجِّهْ قَلْبَهُ إلى هَذَا أيْضا” (خر 7: 23)، عبارة تحمل معاني مهمّة جداً في حديثنا عن الإرادة الحُرّة لفرعون، فالانسحاب إلى الداخل فيه إشارةٌ إلى أثر الفعل الشرير في حياة فاعلهِ، ليُصبِحَ الفاعلُ أسيرَ فعلتهِ مثلما علّمنا ربّنا يسوع: “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ.” (يو 8: 34)، بمعنى آخر: التعنّت في فعل الشر، ورفض الاستجابة لطلبِ الله حوّلَ فرعون من سيّد أفعالهِ إلى أسيرٍ لها، ففقدَ قُدرة التفكير على نحوٍ سليم ومنطقي فيما يُقدِم عليه من أفعال، ولم يعد يُميّز بين ما هو خيرٌ لشعبه أو شر، ولم يسمع الأصوات التي تدعوه إلى أن يُحكِّم عقلهُ فيما يفعلهُ، ففقدَ السيطرة على مُجريات حياتهِ، مع أنه سلطانٌ على الجميع، فالمُقتدِر، هو القادرُ على أن يتغلّبَ على نفسه، وليس على أعدائهِ.

الإرادة الحُرّة، مثلها مثل كلِّ موهبةٍ يجب أن تُنشّأ على اختيار العمل الصالح، وتُدَرّب على نحو صحيح من خلال القيام بالأفعال الصالحة، فالحُرية لا تعني الإنفلات بل التربية على فعلِ الخير واختيار المواقف الصحيحة والسليمة. يقينا أن هناك تأثيرات جينيّة أو اجتماعية أو اقتصادية تُحدُّ من اختياراتنا، ولكنها تبقى تأثيرات وليس لها القُدرة على السيطرة علينا ما لم نسمح لها بذلك، فالقابلتين كانتا قادرتين على تجاوز أوامر ملك مصر بقتل ذكور العبرانيين، في الوقت الذي أطاع الشّعب مثل هذه الاجراءات التعسفيّة.

وُلِدَ فرعون حُراً، ولكنهُ صارَ عبداً لُحريته، في حين أن موسى وُلد في مجتمع عبيد ولكنّه كان قادراً على قيادتهم إلى الحُرية، فمن دون امتلاك الإنسان إرادةً حُرة لا يُمكن الحديث عن علاقة أصيلة مع الله، ووجود الوصايا والمشترعات يفترض الإرادة الحّرة لقبولها أو رفضها. صحيح أننا نولَد وننمو تحت تأثير الوالدين والعائلة والمجتمع، ولكن علينا أن نتعلّم كيف نكون أحرار لنتملِكَ قرارنا الشخصيّ، وكلّما فهمنا [طبيعة] العقل الإنساني نُدرك على نحو أفضل أكثر توجهاتنا ومواقفنا وقراراتنا والسلوك الذي يتوجَب علينا أن ننتجهه لنستحقَّ حرية أبناء الله.

عن Maher

شاهد أيضاً

تجاوزات على المسيحيين العراقيين، وإقصاء متعمّد

تجاوزات على المسيحيين العراقيين، وإقصاء متعمّد الكاردينال لويس روفائيل ساكو أوَد أن أتقاسم معكم بعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.