أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الخطايا السبع الكبرى والمراحل البشرية الأربع الأخيرة

الخطايا السبع الكبرى والمراحل البشرية الأربع الأخيرة

الخطايا السبع الكبرى والمراحل البشرية الأربع الأخيرة

سامر يوسف هندو         

هي لوحة زيتية تُنسب إلى الفنان هيرونيموس بوش، وقد رُسِمَت في بلجيكا حوالي عام 1500 وتمثل سلسلة من المشاهد الدائرية. تُعرض حاليًا في متحف ديل برادو في مدريد (إسبانيا).

حول اللوحة يوجد أربع دوائر صغيرة، تُصور احداث لحياة الانسان الروحية في عقيدتنا المسيحية وتمثل: “موت الخاطئ“، “الدينونة الأخيرة“، “الجحيم” و “المجد“. في داخل هذه الدوائر الأربعة توجد دائرة كبيرة تحوي الخطايا السبع الكبرى: الغضب في جزئه السفلي، ثم في اتجاه عقارب الساعة، الحسد، الجشع، الطمع، الشراهة، الكسل، الشهوة. وفي وسط اللوحة توجد دائرة تُمثل عين الله ويتوسطها المسيح القائم من القبر وتحته كتابة باللغة اللاتينية وتعني: احذر احذر الله يراك. Cave cave dominus videt

فوق الصورة المركزية وتحتها توجد اقتباسات لاتينية مأخوذة من سفر التثنية، تحتوي على الايات التالية: (32: 28-29) أبناء هذه الامة لا يتعظون، لأن لا بصيرة فيهم. ليتهُم حُكماءُ فَيعقلون. وآية (32:20) يقول الرب: “احَجُبُ وجهي عنهم، وأرى ماذا تكون آخرتُهُم.

إن موضوع لوحة الفنان هيرونيموس عن الخطايا السبع الكبرى (Capitaux) وتترجم أحيانا بالأساسية او المميتة والذي اخترت التكلم عنها اليوم، لم تكن من بنات أفكاره، لكنها كانت بالاصل سلسلة من أفكار وكتابات آباء الكنيسة الاولين؛ وآباؤنا بالإيمان استوحوها بدورهم من الكتاب المقدس. بالحقيقة هو ~موضوع مهم في نظري~ لان الغضب، الحسد، التكبر، الجشع، الطمع، الشراهة، الكسل والفتور والشهوة… هم من التجارب اليومية التي ممكن ان نعيشها، موجودة فينا، او أحيانا تكون جزء من صفاتنا وطبيعتنا لكننا لا نكترث بِعُظُم وخطر أهميتها على حياتنا الروحية وحياة الاخرين.

يقول الكاتب واللاهوتي جون وين (1616-1683): “الخطيئة هي في عدم امتثالنا لقانون الله الأخلاقي عن طريق أفعالنا أو مواقفنا أو طبيعتنا. من خلال أخذ هذا التعريف في الاعتبار، فإننا نفهم أن يسوع قد تعرض للتجربة في كل شيء ولكن في كل مرة كان يتصرف وفقًا لقانون الله الأخلاقي“. (كتاب إماتة الخطيئة).

تقول الرسالة الى العبرانيين (4 :15): “وهو الذي [يسوع] خضع مثلنا لكُلِ تجربةٍ ما عدى الخطيئة“. فالتجربة ليست خطيئة لكن جوابنا او استجابتنا عليها ممكن ان يصبح خطيئة. وإن كان المسيح جُرِبَ بكل شيء، فنحن أيضا معرضون للتجربة بكل شيء.

يأتي فعل (جَرَبَ، يُجرب) في الكتاب المقدس بمعنيين: المعنى الأول هو التجربة اما الثاني فيأتي بـ المحنة. ففي نص الإنجيلي متى في الصلاة الربانية يقول على لسان يسوع: “ولا تُدخِلننا في التجربة” (مت 6 :13). في الليتورجيا الفرنسية وابتداءً من سنة 2017، الزموا أساقفة فرنسا على اتباع الترجمة الجديدة للكتاب المقدس والتي صدرت من مجمع العقيدة الإلهية والاسرار المقدسة في روما عام 2013، اتفقوا على ترجمة “لا تتركنا ان ندخل بالتجربة“. لان مصطلح “لا تُدخِلنا” يُعطي مفهوم بأن الله هو من يُدخِل البشر في التجربة لكن التجربة وبحسب الترجمة الجديدة تأتي من المُجرِب (الشرير) وليست من الله. وسأتكلم عن هذا الموضوع لاحقاً.

في نص (مت 26 :41) يقول يسوع لتلاميذه: “اسهروا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة. الروح مُندَفع وأما الجسدُ فضعيف“. وفي انجيل لوقا عندما كان التلاميذ يتجادلون عن السلطة ومن يكون اكبرهم، نرى كلمة “محنة“: “أنتم الذين ثبتوا في محنتي” (لو 22 :41). وفي رسالة القديس يعقوب يقول: “افرحوا كل الفرح، يا اخوتي حينما تقعون في مختلف المِحن” (يع 1 :2). والقديس بولس يحدثنا عن محنته الجسدية فيقول: “وكانت حالتي الجسدية محنةً لكم” (غل 4 :14). وفي ثلاثة نصوص من رسالة القديس بطرس يكلمنا قائلا: “أيها الأحباء، لا تتعجبوا مما يصيبكم من محنةٍ تصهركم بنارها لامتحانكم” (١بط 4 :12) و “به تبتهجون، مع انكم لا بُدَ ان تحزنوا حيناً بما يصيبكم الآن من أنواع المحن التي تمتحنُ ايمانكم كما تمتحن النار الذهب..” (١ بط 1 :6). و” فالرب يعرف كيف يُنقِذُ الاتقياء من محنتهم ويبقي الأشرار للعقاب يوم الحساب” (٢ بط 2 :9). وعلى خشبة الصليب، عاش ربنا يسوع المسيح المحنة والتجربة.

ما نتعلمه من هذه النصوص الكتابية وغيرها أن عبارتي التجربة والمحنة تتكامل أحيانا وأحيانا أخرى تتضاد. فَتُعَبِرا عن مدى الضغط الذي نعيشه كلنا ما بين طبيعتنا الخاطئة او الخطاءة، أي تميل للخطينة والتي تقودنا الى الاختيارات السلبية عن طريق التجربة، وبين قوانين وشرائع الرب والتي يدعونا الروح القدس لإطاعتها.

وهنا أتكلم عن موضوع التمييز بين الفعلين او الكلمتين: التجربة والمحنة. ففي كلا الحالتين يعتمد معناها مِن مصدرها، فإن كانت من الله، فهي محنة لان غايتها منفعتنا وخيرنا، لكي تصهرنا بنارها لامتحاننا (١بط 4 :12)، فالرب لا غاية له في مضرتنا. يقول القديس يعقوب في رسالته: “هنيئاً لمن يصبر على المحنة، لأنه إذا امُتُحِنَ ينال اكليل الحياة الذي وعد الرب به من يحبونه. اذا جُرِبَ احدٌ فلا يقُل ‘‘إن الله يُجَرِبُني‘‘ إن الله لا يُجَرِبُهُ الشر ولا يُجَرِبُ احداً، في حين ان لكل انسان شهوةً تُجربهُ فتفتنهُ وتُغويه” (يع 1 :12-13). اما إن كان مصدرها الشرير فتكون تجربة وغايتها اسقاطنا في الخطيئة. نقرأ في انجيل لوقا: “وقال الرب: سِمعان سِمعان، هوذا الشيطان قد طلبكم لِيُغَربِلَكُم كما تُغَربَلُ الحنطة. ولكني دعوت لك ألا تفقد ايمانك.” (لو22: 35-36). فالشيطان يخلق لنا مختلف أنواع الفرص لكي نسقط في الخطيئة ونكون عُصاة كما عصى هو الرب، ونفقد ايماننا، هذا هو هدفه، هذه هي غايته. إذاً، المحنة هي شي إيجابي مصدرها من الله اما التجربة فهي شيء سلبي اصلهُ من الشرير. وفي كلا الحالتين يبقى الايمان مركز القضية الجوهرية وان إماتة الخطيئة، القضاء عليها تبقى مسألة مهمة في حياة المسيحي حتى يصل الى غايته الأسمى وهي القداسة والتمثل بالمسيح.

في كتاب الاعترافات للقديس اوغسطينوس، نجد أربع مراحل للإنسان مع الخطيئة ويقتبسها من الكتاب المقدس.

  • الحالة الأولى: هي حالة الانسان الذي باستطاعته ان يخطئ او ألا يخطئ.
  • الحالة الثانية: هي حالة الانسان الغير قادر على ألا يخطئ او يزل.
  • الحالة الثالثة: هي حالة الانسان الذي بإمكانه عدم السقوط بالخطيئة او بمقدرته ألا يخطئ.
  • الحالة الرابعة: هي في عجز الانسان عن الخطيئة.

في الحالة الأولى: يحدثنا القديس اوغسطين عن الانسان في سفر التكوين عندما كان نقياُ حراً. فعندما اغوت الحية ادم وحواء، كان باستطاعتهما السقوط او عدم السقوط في التجربة (الخطيئة وعصيان الله).

في الحالة الثانية: هي حالته ما بعد السقوط بالخطيئة، حالة ضعف وعبودية، الى درجة انه لا يستطيع بعد مقاومتها؛ أي انها أصبحت اقوى منه وأصبح بدون إرادة. (حالة قبل قدوم المسيح)

في الحالة الثالثة: (بعد قدوم المسيح)، هي حالة الإنسانية المتجددة، أي ان المسيحي باستطاعته عدم السقوط بالخطيئة (تحرر من عبودية الخطيئة).

الحالة الرابعة والأخيرة: هي حالة الانسان المُمَجد بالمسيح من بعد القيامة من بين الأموات ورجوعه الجديد الى ملكوت السماوات. فلا وجود بعد للتجربة والخطيئة للسقوط فيهما.

وللرجوع الى موضوعنا الأول عن الخطايا السبع وأحيانا الثماني الكبرى، فقد كتب لنا كثيرٌ من اللاهوتيين وآباء الكنيسة الاولين ومنهم: يوحنا كاسيان، غريغوريوس الكبير، إڤاغاريوس البنطي او المتوحد، توما الاكويني عن هذا الموضوع والذي اخذه فنانُنا الرسام هيرونيموس ليعمل منه لوحة.

وبدوري اخترتُ القديس إڤاغريوس المتوحد (345-399) هو من أحد اهم آباء الكنيسة ودكاترتها، كان راهب وناسك ولاهوتي كبير تتلمذ على يد القديس غيرغوريوس الناسينزي وباسليوس القيصري ومقاريوس الكبير. ترك لنا من احدى كتاباته، كتاب يدعى: “حياة المسيحية او المسيحي” وفيه يحدثنا عن ثماني فئات من الخطايا: الشراهة، الزنى او الفاحشة، الطمع، الجشع، الاكتئاب او البؤس، الغضب، الفتور وعدم المبالاة، المجد الباطل او العَظَمة. ويقصد بالأخيرة التكبر والتباهي بالنفس. ويعتبر ان أعظمهم هو التكبر. ويقول إن هذه التجارب والأفكار إن اثرت او لم تأثر بالنفس فهذا ليس بيدنا. ما هو بيدنا وإرادتنا، هو تجنبها او عدم تجنبها. وبتعبير آخر: الخطايا ومغريات الحياة موجودة وبإمكانها التأثير على النفس البشرية ولا حرية لي بوجودها، لكن حريتي تكمن في الانصياع لها ام لا، ان أكون عبداً لها ام سيداً عليها.

يكتب القديس بولس الرسول الى كنايس غلاطية قائلا: اسلكوا سبيل الروح فلا تقضوا شهوة الجسد، لان الجسد يشتهي ما يُخالف الروح، والروح يشتهي ما يُخالف الجسد: كلاهما يقاوم الآخر حتى انكم تعملون ما لا تريدون. ولكن إذا كان الروح يقودكم، فلستم في حكم الشريعة. واما اعمال الجسد فإنها ظاهرة، وهي الزنى والدعارة والفجور وعبادة الاوثان والسحر والعداوات والخصام والحسد والسخط والمنازعات والشقاق والتَشَيُع والحسد والسكر والقصف وما اشبه. وانبهكم، كما نبهتكم من قبل، على إن الذين يعملون مثل هذه الاعمال لا يرثون ملكوت الله. واما ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام والصبر واللطف وكرم الاخلاق والإيمان والوداعة والعفاف. وهذه الأشياء ما من شريعة تتعرض لها. إن الذين هم للمسيح يسوع قد صَلَبوا الجسد وما فيه من اهواء وشهوات. فاذا كنا نحيا حياة الروح فالنسِر أيضا سيرة الروح: لا نُعجَب بأنفسنا ولا يَتَحَدَ ولا يحسد بعضنا بعضا” (غل 5 :16-26).

وهنا أحب ان اختم موضوعنا الطويل هذا بدعوة عامة (لنا جميعا)، وخصوصا في هذه الأيام المباركة، أيام الصوم (الباعوثا والصوم الكبير)، الى مراجعة ذواتنا، تصرفاتنا، افكارنا، اقوالنا… فالصوم لا يقتصر على الطعام والشراب فقط كما يفهم او يضن البعض، لكن على ترويض النفس والجسد، عمل (ابديت) تحديث نظام حياتي والعمل “بثمر الروح” الذي يكلمنا عنه القديس بولس الرسول. جميعنا مدعوين ان نكون أفضل، أحسن، قديسين. يقول لنا القديس بطرس في رسالته الأولى: “بل كونوا قديسين في كل ما تعملون، لان الله الذي دعاكم قدوسٌ. فالكتاب يقول: كونوا قديسين لأني انا قدوس” (١بط 1 :15-16).

مخلصنا ومعلمنا يسوع المسيح ترك لنا إرثاً لا قيمة له، ترك لنا منهاج حياة، دروس وتعاليم موجودة في كتابنا المقدس وخصوصا في عهده الجديد، إن أردنا اتباعها والعمل بها، فعلينا أولا مراجعة قراءتها من جديد والمًضي على خًطاهُ.

فلتغمرنا نعمة ربنا يسوع المسيح لتجاوز التجارب والتغلب على الخطايا ومغريات الشرير لنكون فَعَله صالحين وننعم بالحياة الأبدية. آمين                                    

عن Maher

شاهد أيضاً

ظهورات السيدة مريم العذراء ما بين الحقيقة والوهم

ظهورات السيدة مريم العذراء ما بين الحقيقة والوهم الشماس سامر يوسف تم مؤخرا تقديم تقرير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.