أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / بواسطة الصلاة ينضج الإيمان ويثمر

بواسطة الصلاة ينضج الإيمان ويثمر

بواسطة الصلاة ينضج الإيمان ويثمر

لا إيمان ناضج ومثمر من دون صلاة

سيادة المطران رمزي كرمو

نقرأ في رسالة بولص الرسول إلى أهل غلاطية ما يلي: “أما ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام والصبر واللطف وكرم الأخلاق والإيمان والوداعة والعفاف” (5/ 22 – 23). نفهم من هذه الآيات أن الإيمان هو أحد ثمار الروح القدس، أي إنه هبة مجانية يمنحها الله للإنسان لكيما بواسطتها يكتشف سر ومعنى حياته ويعيش عيشة تليق بكرامته الانسانية التي يستمدها من كونه مخلوق على صورة الله ومثاله. 

نعم، إن الإيمان بمفهومه المسيحي هو نعمة كبيرة يهبها الله لنا لكيما نختبر منذ هذه الحياة حضوره الحقيقي والفعال فينا. إنها نعمة الإيمان التي تجعلنا أن نشهد ونقول بأن يسوع المسيح الذي ولد من مريم العذراء هو حقا إنسان كامل وإله كامل، إنها نعمة الإيمان التي تعطينا القوة والشجاعة لكي نشهد حتى الموت لذلك الذي قال: “أنا الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14/ 6). أما كاتب الرسالة الى العبرانيين يقول: “فالإيمان قوام الأمور التي ترجى وبرهان الحقائق التي لا ترى وبفضله يشهد للأقدمين. بالأيمان ندرك بأن العالمين أنشئت بكلمة الله، حتى إن ما يرى يأتي مما لا يرى” (11/ 1 – 3). 

نحن المسيحيين نؤمن بأن بذرة الإيمان زرعت في قلبنا يوم عمادنا، أي يوم ولدنا ثانية من السماء بقوة الروح القدس الذي حل علينا. “أما الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه فقد مكنهم أن يصيروا أبناء الله: فهم الذين لا من دم ولا من رغبة لحم ولا من رغبة رجل بل من الله ولدوا” (يوحنا 1/ 12 – 13). “الحق الحق أقول لك: ما من أحد يمكنه ان يرى ملكوت الله إلا إذا ولد ثانية” (يوحنا 3/ 3). 

إن نعمة الإيمان تجعلنا أن ندخل في علاقة شخصية وحية مع ربنا والهنا يسوع المسيح له كل المجد والإكرام والسجود، ومن خلاله مع إلهنا الواحد والثالوث، كما تجعلنا أن نبني علاقات أخوية ومثمرة مع أعضاء جماعة المؤمنين الذين يشكلون كنيسة المسيح المقدسة، أي جسده السري. لذلك نستطيع القول بأن رسالة المؤمنين هي إعطاء الشهادة ليسوع المسيح إبن الله الحي ومخلص العالم. “ولكن الروح القدس ينزل عليكم فتنالون قوة وتكونون لي شهودا في اورشليم وكل اليهودية والسامرة، حتى أقاصي الأرض” (أعمال الرسل 1/ 80). نستنتج من هذه الآية بأن الإيمان الذي لا يتجسد بشهادة الحياة فإنه باطل. بهذا الخصوص نقرأ في رسالة يعقوب ما يلي: “كذلك الإيمان فإن لم يقترن بالأعمال كان ميتا في حد ذاته. إن الإيمان من دون أعمال شيء عقيم. كما أن الجسد بلا روح ميت فكذلك الإيمان بلا أعمال ميت” (2/ 17 و 20 و 26).

إن الإيمان هو كالبذرة، يحتاج الى عمليتين أساسيتين لكيما يثمر، وهاتين العمليتين هما: التجذر والنمو. إن البذرة التي لا تمد جذورها في أعماق الأرض فإنها لا تنمو ولا تثمر بل تيبس وتفنى، كذلك الإيمان الذي لا يتجذر في حياتنا لا ينمو ولا يثمر ومع مرور الزمن يزول. أما الوسيلة الفعالة والضرورية والتي لا يمكن الاستغناء عنها لتجذر الإيمان في حياتنا ونموه هي: الصلاة. الذي لا يصلي يفقد إيمانه تدريجيا، ولهذا السبب يذكرنا ربنا والهنا يسوع المسيح، بوجوب المداومة على الصلاة من دون ملل (لوقا 18/ 1). أما بولص الرسول الذي غذى إيمانه ونشاطه الرسولي والتبشيري بالصلاة فيقول: “لذلك نصلي من أجلكم دائما عسى أن يجعلكم الهنا أهلا لدعوته وأن يتم بقدرته كل رغبة في الصلاح وكل نشاط إيمان” (2 تسالونيقي 1/ 11). وفي رسالته الى أهل قولسي يقول: “نشكر الله ربنا يسوع المسيح دائما ونصلي من أجلكم بعد أن سمعنا بإيمانكم في المسيح يسوع وبمحبتكم لجميع القديسين من أجل الرجاء المحفوظ لكم في السماوات” (1/ 3). 

نعم، إن النضوج في الإيمان يتم بواسطة الصلاة ومن خلال التركيز على شخص يسوع المسيح الذي هو مصدر حياتنا المسيحية وهدفها الاوحد. إنه يقول لنا، له كل المجد والإكرام والسجود: “أنا الكرمة وأنتم الأغصان. فمن ثبت في وثبت فيه فذاك الذي يثمر ثمرا كثيرا لأنكم بمعزل عني لا تستطيعون أن تعملوا شيئا” (يوحنا 15/ 5). من دون الاتحاد بيسوع المسيح والثبات فيه من غير الممكن أن نشهد له. إننا نحن المسيحيين، من خلال حياتنا المطابقة لتعاليم الإنجيل المقدس نستطيع أن نجذب الناس إلى نور الإيمان بالإله الواحد الحي والقدوس، وأن نساهم في نشر ملكوته في عالمنا الذي تسيطر عليه إلى حد كبير ثقافة الإلحاد والاستعباد للماديات. إن الخطابات والمقالات والمؤتمرات والدراسات العلمية والظهور على منصات التواصل الاجتماعي لوحدها لا تكفي لكي نكون أمينين على وديعة الإيمان التي اؤتمنا عليها، وذلك لأن الإيمان ليس موضوع درس وبحث وتحقيق بل إنه لقاء شخصي وحقيقي مع يسوع المسيح الحي دائما. إنجيلنا المقدس، يعطي لربنا وإلهنا يسوع المسيح لقب العريس وللكنيسة لقب العروس (متى 25/ 1 – 13) و (أفسس 5/ 25 – 33) وذلك لكي يقول لنا بأن الايمان هو حياة مشاركة بيننا وبينه وليس مجموعة أفكار ومعلومات نظرية نحملها عنه.

إننا نعيش الآن في زمن الصوم الكبير، زمن التوبة والاستعداد للاحتفال بعيدنا الكبير، عيد قيامة ربنا والهنا يسوع المسيح. لنوجه أنظارنا إليه محدقين به، لنتعلم منه كيف نعيش رسالتنا المسيحية لنكون شهودا حقيقيين له بين الذين نشاطرهم الحياة. خلال الأربعين يوما وليلة التي قضاها في البرية بالصوم والصلاة قاوم الإبليس الذي جربه ثلاث مرات وانتصر عليه لأن سلاحه الوحيد كان الأمانة لكلمة الله الحي (متى 4/ 1 – 11). إنه يدعونا اليوم إلى أن نسلك سلوكه ونسير في طريقه لكي نجسد في حياتنا المسيحية القيم التي عاشها أثناء حياته الارضية وخاصة قيمة المحبة التي يجب أن تكون الميزة الاساسية لكل مسيحي يعيش إيمانه كخبرة عملية وليس كمعرفة نظرية.

إنما ما ينقص للكنيسة اليوم هو عدد الشهود الذين يعكسون صورة المسيح الحي في حياتهم اليومية، أي أولئك الذين تجذر الإيمان في حياتهم ونما ونضج وأثمر وليس عدد الذين يكتفون بشهادة العماد الورقية والذين يفوق عددهم 2 مليارد معمد. لنصل بحرارة في هذا الصوم المبارك، طالبين من الروح القدس، الذي قاد يسوع الى البرية، أن يكشف لنا جمال دعوتنا وأهمية رسالتنا المسيحية لكي نعيشها بالفرح والرجاء رغم الصعوبات والتحديات التي لا بد منها. لنسمع الى ما يقوله رسول الاُمم وشهيد الحب الإلهي بهذا الخصوص:” يسرني الان ما اعاني من أجلكم فأتم في جسدي ما نقص من شدائد المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة” (قولسي 1/ 24). أما بطرس الرسول فيقول في رسالته الاولى: “أيها الاحباء، لا تستغربوا الحريق الذي أصابكم لامتحانكم، كأنه أمر غريب حل بكم، بل افرحوا بقدر ما تشاركون المسيح في آلامه حتى إذا تجلى مجده كنتم في فرح وابتهاج” (4/ 12 – 14).

في الختام، لنطلب الى امنا مريم العذراء، التي رافقت ابنها الى الجلجلة لتشاركه آلامه وهي تصغي وتتأمل في كلماته الأخيرة التي كشف من خلالها حبه اللامتناهي لاعدائه، ووعد لص اليمين بنعيم الفردوس، ووهبها أما لنا في شخص يوحنا الحبيب، أن ترافقنا خلال فترة الصوم بصلاتها المستجابة لكيما نزداد ثقة بكلام الله الذي ما من شيء يصعب عليه.

أرجو من الذين يقرأون هذه الأسطر أن يصلوا من أجلي كي أحيا ما تبقى لي من الحياة الأرضية الزمنية بالإيمان والرجاء والمحبة وشهادة الحياة حتى النهاية. مع الشكر ولنبق متحدين بالصلاة.

 

اسطنبول في 15 آذار 2022 

عن patriarchate

شاهد أيضاً

تجاوزات على المسيحيين العراقيين، وإقصاء متعمّد

تجاوزات على المسيحيين العراقيين، وإقصاء متعمّد الكاردينال لويس روفائيل ساكو أوَد أن أتقاسم معكم بعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.