أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / طقس الكاتدرائية (الرعية) وطقس الدير

طقس الكاتدرائية (الرعية) وطقس الدير

طقس الكاتدرائية (الرعية) وطقس الدير

    الكاردينال لويس روفائيل ساكو

  الليتورجيا كانت دائماً واضحة لمن يمارسونها عبر القرون، ولم تكن ثمة حاجة لتعريفها لانها ليس مجرد فكرة، بل انها فعل العبادة الرسمي والاسمى للكنيسة. وهي بطبيعتها “اجتماع صلاة”  لذا ينبغي ان تكون واضحة ومفهومة من الجميع لكي يعبدوا الله بالعقل والقلب لتغذية إيمانهم وتقديسهم وترسيخ التزامهم بسر المسيح وتاريخ الخلاص.

المشكلة الحالية تكمن في دمج الطقس الراعوي – الكاتدرائي بالطقس الرهباني مما جعلها تستغرق وقتاً أطول ويحصل فيها التكرار.

طقس الكاتدرائية (الرعية)

 نظمت الصلاة في الكنائس وفقاً لدعوة يسوع: “صلوا كل حين ولا تملُّوا” (لوقا 18/ 1) وكذلك دعوة مار بولس الرسول: “أقيموا كل وقت الصلاة والابتهال في الروح، وتنبهوا لذلك واحيوا الليل في الدعاء”(افسس 6/18). بدأت كنيسة المشرق بتنظيم طقوسها منذ نهاية القرن الثاني والثالث شيئاً فشيئاً حول كنيسة كوخي. وكان المؤمنون يشتركون في صلاة الصباح والمساء في الآحاد والأعياد، أما القداس فكان يُحتَفل به فقط أيام الآحاد والأعياد والتذكارات. طقس الكاتدرائية “ܨܦܪܐ ܘܪܡܫܐ (صلاة الصباح والمساء) كان بسيطاً يتضمن عناصر الحمد والسجود والتضرع الى رحمة الله لنيل الغفران واستشراق مستقبل أفضل في السلام والأمان ووفرة الخيرات. وشكَّل فيها سفر المزامير والتراتيل ܥܘܢܝܬܐ الشعرية العنصر الاساسي.

كانت الليتورجيا اليومية الرسمية للكنيسة صباحاً ومساءً جزءً من حياة المؤمنين، بها يفتتحون نهارهم ويتباركون، وبها يختمونه. سميت بليتورجيا الكاتدرائية لوجود الاُسقف فيها. كان الكهنة والشمامسة والمؤمنون من كلا الجنسين يلتفون حوله ويرتّلون: صلاة الأبناء (أبانا الذي في السماوات) واضيف اليها قانون “قدوس قدوس قدوس انت..” الذي يُنسَب للبطريرك طيمثاوس الكبير (+ 823)، انتفونة لاخو مارا ، وقديشا الآها وبعض المزامير والتراتيل. صلوات الكاتدرائية قصيرة، ونصوصها عموماً شعرية ملحَّنة، ولغتها مفهمومة ومعانيها بليغة. احياناً، كان المؤمنون يكررونها على ظهر القلب لانهم لم يكونوا لا يقرأون ولا يكتبون.

في الصلاة الكاتدرائية، كان يُتلى المزمور 140 / 141 في صلاة الرمش – المساء لورود هذه الآية: لتكن صلاتي بخوراً أمامك، ورفع كفيَّ تقدمة مساء“. وكان يتناوب شماسان أو أكثر على تلاوته من الصفين “ܓܘܕ̈ܐ“. تسبقه وتعقبه صلاة كهنوتية قصيرة تختصر المعنى الاساسي لما قبلها مثلا صلاة بعد لاخو مارا: ” : إنكَ يا رب أنت حقّاً باعثُ أجسادِنا، ومخلِّصُ نفوسِنا الصالح، وحارِسُ حياتِنا الدائم، فلكَ ينبغي أن نؤدي الحمدَ والمجدَ والسجود، يا ربَّ الكُل الآن وإلى الأبد، آمين

هذه الصلوات والمزامير والالحان والطلبات مُختارة بدقة متناهية لتتماشى مع السياق العام لمحور الصلاة. وبسبب هذا المزمور 140/ 141 قُسِّمت صلوات الرمش الى ما قبل هذا المزمور وما بعده: ܩܕܡ ܘܕܒܬܪ. في المناسبات المهمة كعيد الميلاد والدنح كان المؤمنون يرددون بعد كل بيت من المزمور لازمة ملحَّنة سمّوها ܩܢܘܢܐ – قانون يُنسب تأليفها الى مار ابا الكبير (+552) واليكم هذا المثال: “ܫܘܒܚܐ ܠܟ ܫܒܝܚܘ ܝܠܕܟ – المجد لك، ممجد ميلادك”، هذه الردات متكررة في طقوسنا، كما في رتبة الجناز: “ܡܚܐ ܡܝܬܐ ܫܘܒܚܐ ܠܫܡܟ – يا محيي الموتى المجد لاسمك”.

اما الالحان “ܥܘܢܝܬܐ” وهي نص شعري يُرتَّل ويتنوع لحنه وتبدأ دائماً باية من المزمور. كما في رمش الاثنين الفردي: ܗ̇ܘ ܕܐܝܼܬܼܵܘܗܝ ܡܼܢ ܩܕ݂ܵܡ ܥܵܠܡܹ̈ܐ. ܐܲܒܼܐ ܚܲܢܵܢܵܐ. ܘܲܒܼܪܵܐ ܡܪܲܚܡܵܢܵܐ. ܪܘܼܚܵܐ ܡܪܲܚܦܵܢܵܐ. ܡܩܲܕ݁ܫܵܢܵܐ ܕܛܲܡ̈ܐܹܐ. ܩܲܕܸ݁ܫ ܦܲܓ݂ܪ̈ܲܝܢ ܘܢܲܦ̮̈ܫܵܬܲܢ. ܘܐܸܬܼܪܲܚܲܡ ܥܠܲܝܢ܀ الربُّ كائنٌ من قَبلِ العالم: يا أباً حنّانْ، وابناً رحيماً، روحاً رؤوفاً ومقدِّساً، قدِّسْنا بنعمتك وإرحمنا يا رب.

تتكون الحان الرمش من خمسة ابيات: يبدا البيتان الاولان باية من المزمور منسجمة، وثم بالمجد للاب، ومن الازل والى الابد، وليقل الشعب آمين..

كذلك ثمة تسابيح جميلة ومعبِّرة لاهوتياً نجدها خصوصاً في صلاة الصباح مثلاً عند شروق الصبح واشرق النور على الابرار، اما المزموران الاساسيان لصلاة الصباح فهما مزمور 100 “اِهتِفوا لِلرَّبِّ يا أَهلَ الأَرضِ جميعاً* يا ربُّ يا مُعطيَ النور نرفعُ إليكَ المجد” والمزمور 91 “السَّاكِنُ في كَنَفِ العَلِيِّ يَبيتُ في ظلِّ القَدير* جميلٌ الإتكالُ عليكَ أيُّها المسيحُ مخلُّصُنا”. وكانوا يرفعون ادعية _ طلبات – ܟܪܘܙܘܬܐ من أجل السلام والاستقرار وخصب السنة ورؤسائهم الروحيين والمدنيين.

نشأت الليتورجيا الاولى في كنيسة المشرق حول كنيسة كوخي، كنيسة الكرسي البطريركي.. يبدو ان طقوسها كانت شبه متكاملة عندما قام البطريرك ايشوعياب الثالث وفريقه من الرهبان بتنظيمها في منتصف القرن السابع ودمج الطقسين في طقس واحد.

طقس الدير

 تغيرت الليتورجيا بظهور الرهبانيات في بلاد ما بين النهرين في نهاية القرن الخامس بسبب ثقافتهم ونفوذهم. فحياة الرهبان تقوم على الصلاة ويقضون فيها أوقات طويلة وفي ساعات مختلفة من النهار والليل كما نرى في زمن الصوم الكبير: صلاة منتصف الليل ܠܠܝܐ مزمور 3″ أضجع انا وأنام واستيقظ لان الرب يسندني” وكذلك مزمور 118 ح : “في نصف الليل أقوم لحمدك” وصلاة السهرة ܫܗܪܐ وصلاة الصباح ܨܦܪܐ وصلوات “الساعات” الساعة الثالثة ܩܘܛܥܐ والسادسة ܥܕܢܐ والتاسعة ܡܓܗܝ والافطار ܣܘܒܥܐ عوض الرمش في الأيام العادية. كانوا يدمجون بعض الصلوات كالثالثة والسادسة فتغدو خمسة أوقات بدل السبعة. وقد إقتبس المسلمون الاوائل خمس أوقات صلاتهم من الرهبان: (الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء).

سكن الرهبان في البداية الجبال والسهول ثم تحولوا للسكن في المدن او بقربها. ونظموا طقوسهم بعدد كبير من المزامير1 يتلونها بالتسلسل، وعددها 150 مزمورا. وزّعوها الى ܗܘܠܠܐ – هولالي لربما انطلاقاً من المزمور 95/ 1 “هلموا نهلل للرب“. يضم كل هولال ثلاث ܡܪܡܝܬܐ مرميتات ولكل مرميتا (نافذة) ثلاثة او أربعة مزامير. يصلّون تسعة مزامير الى جانب مزامير اخرى قصيرة سمّوها ܫܘܪܝܐ، اي البداية. وقد أضافوا الى المزامير هولالا آخر ترقيمه 21، مقتبس من الكتاب المقدس، (من سفر الخروج وسفر اشعيا وتثنية الاشتراع). تنظيم هذه المزامير الطويلة رهبانية بامتياز. كما نظّموا مجموعة كبيرة من المدائح سموها ܫܘܚܠܦܐ  و ܩܠܐ ܕܥܘܕܪܢܐ ܐܝܟ ܛܟܣܐ ܕܕܝܪܐ ܥܠܝܬܐ أي الحان الاستغاثة وفق طقس الدير الاعلى (كنيسة الطهرة – الموصل)، الذي كان فيه مدرسة شهيرة تدعى مدرسة “أم الفضائل”.

انها الحان شعرية سهلة الاداء وجميلة لما فيها من إيمان وعاطفة روحية. يتغير لحنها لملء وقت صلاة ܡܘܬܒܐ-المجلس2. البيت الاول منها يسمى ܪܫ ܩܠܐ اي مفتاح اللحن.  يتغير طول هذه الالحان فمثلاً ܫܘܚܠܦܐ – شوحلافا الاول يتضمن 27 بيتاً فضلاً عن بيتين أو اربعة أبيات من تراتيل المتوفين ܥܘܢܝ̈ܬܠ ܕܥܢܝܕ̈ܐ. يعزو عبديشوع الصوباوي3 تأليفها الى الملفان يوحنا بيت ربان (+ 566). على الارجح ا الَّف بعضها، لكن زاد عليها الرهبان عبر السنين الحانا اخرى. من المؤسف ان الأب بولس بيجان اللعازري عند طبعه كتاب الحوذرا سمّى هذا القسم بـالصلاة القانونية للكهنة ܨܠܘܬܐ ܩܢܘܢܝܬܐ ܕܟܗܢܐ كما نرى في الشكل اعلاه. انها تسمية لاتينية غريبة عن تراثنا الاصيل. ضاع لحن بعض هذه التراتيل مع الزمن ويتم اداؤها ببساطة – ܬܢܝܐ. وكانت لهم ادعية كاروزوثا.

هذا التغيير الليتورجي حصل في الدير الاعلى بالموصل (الطهرة) والذي كان يُعرَف أيضاً بدير مار كبريئل (+738) وبتاثير تقليد دير بيث عابي (عقرة)، الذي كان البطريرك ايشوعياب الثالث نفسه أحد رهبانه. وكان مساعدوه في تنظيم الطقوس رهباناً كـ عنانيشوع سكرتيره، لذا دمجت الرُتَب في رتبة واحدة طويلة. واليوم لا يمكن أداءها كما هي، فقمتُ باختصار وترجمة صلاة الصباح والمساء الى اللغة العربية مع الحفاظ باغلبية النصوص السريانية – الكلدانية لتغدوَ طقساً كاتدرائياً سلِساً ومؤثراً يساعد المؤمنين على إيجاد النور والقوة والزاد الروحي لحياتهم اليومية. نمارسه في البطريركية ومعظم خورنات بغداد وكركوك ويشترك فيه المؤمنون. ان اصلاح الطقوس ضروري لتاتي خلاقة ومبدعة بجمال الكلمة ومعانيها فنحس بكلمة الله وعطاياه مثلما فعل آباؤنا في زمانهم!

____________

1 ثمة اختلاف في ترقيم المزامير بين النص العبريالسريانيالكلداني المعروف بالبسيط والنص اليوناني السبعيني septanta

يبدا الاختلاف بالمزمور 9 الذي قسم في الترجمة السبعينية الى اثنين ودمج المزموران 14 و15 فيلتقي الترقيمان في المزمور 116 طالع الكتاب المقدس، العهد القديم طبعة الاباء اليسوعيين ، بيروت 1988 ص 1116-1117

3 للمزيد من هذه التفاصيل راجع كتابالاب خوان ماتيوس Lelya Sapra, Roma 1972 pp17-32 وكتاب المطران جاك اسحق، الصلاة الليتورجية على مدار السنة، بغداج 2011 ص 78-86.

Baumstark Geschichte p.116

عن patriarchate

شاهد أيضاً

اعلام  البطريركية يستنكر حملة الانتقادات على غبطة البطريرك ساكو

اعلام  البطريركية يستنكر حملة الانتقادات على غبطة البطريرك ساكو   ثمة أشخاص معدودون على عدد الأصابع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.