أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

“فَأجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً” (تك 12: 2)

اللقّاء العاشر

المُقدمة

خرجت أسباط إسرائيل الاثنا عشر من مصرَ مع جمعٍ من الغرباء الذين انضمّوا إليهم سعياً وراء الحريّة التي وُهِبَت نعمةً مجانية من اللّه، وهكذا انضمّت جماعاتٌ جديدة إلى إيمان شعبِ إسرائيل، لأن الحرية الممنوحةَ لهم، تعني في الوقت عينه حريةً للآخرين المنضمينَ إليهم والسائرين معهم وشركاءهم في الخلاص الموهوب لهم، فهو خلاصٌ للعالم أجمع، وهكذا حقّق الله وعدهُ لإبراهيم: “أجْعَلَكَ أمَّةً عَظِيمَةً وَأبَارِكَكَ وَأعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاعِنَكَ ألْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأرْضِ” (تك 12: 2-3)، فصارَ أبناء إبراهيم نسلاً عظيماً، وهم “الابن البكر”، أي المُكرَّس لخدمة اللهّ كاهناً ليكون إنموذجاً للآخرين، ومن خلال هذا الشعب تتبارَك شعوبُ الأرض كلّها، ولا يُمكن أن تحصل هذه البركة إن كانوا هم أنفسهم عبيداً مُضطهدينَ في مصرَ.

غاية الخروج ليست التحرّر من عبودية مصر فقط، بل الغاية الأسمى هي التعبّد لله الذي وعدَ إبراهيم بأن يُبارِك من خلاله شعوبَ الأرض. إذ تذكّر الله: “فَسَمِعَ اللهُ أنِينَهُمْ فَتَذَكَّرَ اللهُ مِيثَاقَهُ مَعَ إبْرَاهِيمَ وَإسحق وَيَعْقُوبَ.” (خر 2: 24)، ما يعني أنه عازمٌ على تجديد العهد الذي أبرمه له مع شعبه، الأمر الذي نختبرُه نحن في كلّ إفخارستيا نحتفل بها، والتي بادرَ بها ربّنا يسوع نحونا، فأوصانا أن نصنعَ ذلك لذكرهِ (1 قور 11: 25)، فنشترك في فصحهِ ونُجدد العهد معه ونستمدَّ منه الحياة عندما نتناول جسده الذي يُقدّمهُ لنا، فلا يكفي الإيمان بأن المسيح قدّمَ حياتهُ من أجلنا، بل أن نتناولَه، كما أن احتفال الفصح لا يكتمِل بتقديم الذبيحةِ فحسب، بل بأكلها كلّها (خر 12: 8- 10).

الاستعداد للاحتفال بالفصح

برزت توصيات عديدة خلال هذه الرواية التي مزجت بين حدثٍ تاريخيّ مهم في حياةِ الشّعب، وبين كيفية الاحتفال بهذا الحدث المؤسِّس. بيّنت لنا هذه التوصيات أن من الضروري جداً أن يكون للعائلة استعداد مُتميّز للاحتفالِ بهذا الحدث، وسعيٌ حثيثٌ للمحافظةِ على طقوسهِ، فالموضوع ليس تجمعاً ومائدة، بل وليمة عائلية يبقى الله هو المُبادِر فيها وخادمها: “هِيَ لَيْلَةٌ تُحْفَظُ لِلرَّبِّ لإخْرَاجِهِ إيَّاهُمْ مِنْ أرض مِصْرَ. هَذِهِ اللَّيْلَةُ هِيَ لِلرَّبِّ. تُحْفَظُ مِنْ جَمِيعِ بَنِي إسرائيل فِي أجْيَالِهِمْ”. (خر 12: 42) هي ليلةُ اليقظةِ المصحوبة بالايمان بأن الله هو الحارسُ الأمين (مز 121) والتي على شعب الله أن يحفظها إذ فيها نالَ الخلاصَ نعمةً مجانية من الربِ الإله الذي لم يعتمد فيها على طاعةِ الشّعب، بل انتظرها. عملُ الله الخلاصي يملأ كلّ هذه المشاهِد الكتابية.

من الواضح جداً أن مُشاركة جميع أفراد العائلة في احتفالية الفصح هي ضرورة كونه تعرّفهم بماضيهم: مَن هم؟ وما هو حاضرهم؟ ولماذا يحتفلون بالفصح؟ وبمُستقبلهم أيضاً: ماذا يُريد الله منهم؟ هذه المُشاركة لا تخلو من تساؤلاتٍ حول معاني طقوس الاحتفالية، فيضع الراوي أسئلة متنوعة تُشير إلى أن لكلّ طفلٍ في العائلة شخصيتهُ المتمايزة عن أخيه، وعليه، يجب أن تأتي الأجوبة مناسبة لهذا التمايز، وهي ليست أجوبة عقلانية، بل دعوة للطفل ليعرِف أنه عضوٌ في شعبٍ له هويةٌ خاصّة وقصة متميّزة عن بقية شعوب الأرض، وهو مدعّو ليختبرها وكأنه كان مع الجماعة التي تعذبّت مُستعبدَة واحتفلت بالفصحِ شاكرةً وخرجت من مصر مُحرَّرَة.

لم يُحدِّثهم موسى عن جمال أرض الميعاد التي تدرُّ لبناً وعسلاً، ولا عن التحديات التي سيواجهوننا هناك، بل أكدّ على أهمية تثقيف الأطفال بالقصّة التي ميّزتهم بين الشعوب بأنهم “الابن البكر”، كهنة الله على الأرض، وأعادَ ولثلاث مرات: “وَيَكُونُ حِينَ يَسْألُكُمْ أوْلادُكُمْ: مَا هَذِهِ الْخِدْمَةُ لَكُمْ؟” (خر 12: 26)، “وَتُخْبِرُ ابْنَكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَائِلاً: مِنْ أجْلِ مَا صَنَعَ إلَيَّ الرَّبُّ حِينَ أخْرَجَنِي مِنْ مِصْر” (خر 13: 8)، “وَيَكُونُ مَتَى سَألَكَ ابْنُكَ غَداً: مَا هَذَا؟ تَقُولُ لَهُ: بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أخْرَجَنَا الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ.” (خر 13: 14)، فلكلّ شعبٍ هوية وذاكرة وقصّة، وهوية هذا الشعب وقصتّه هي: أن الله اختاره (باركه) ليكونون “الابن البكر”، ومن خلالهم يُريد أن يُباركَ الأرض كلّها، لذا، يُعلن كلّ أفراد هذا الشعب مرّة في كل عامٍ: “ثُمَّ تَقُولُ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ: أَرَامِيّاً تَائِهاً كَانَ أَبِي فَانْحَدَرَ إلى مِصْرَ وَتَغَرَّبَ هُنَاكَ فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ فَصَارَ هُنَاكَ أُمَّةً كَبِيرَةً وَعَظِيمَةً وَكَثِيرَةً. فَأَسَاءَ إِليْنَا المِصْرِيُّونَ وَثَقَّلُوا عَليْنَا وَجَعَلُوا عَليْنَا عُبُودِيَّةً قَاسِيَةً. فَلمَّا صَرَخْنَا إلى الرَّبِّ إِلهِ آبَائِنَا سَمِعَ الرَّبُّ صَوْتَنَا وَرَأَى مَشَقَّتَنَا وَتَعَبَنَا وَضِيقَنَا. فَأَخْرَجَنَا مِنْ مِصْرَ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ رَفِيعَةٍ وَمَخَاوِفَ عَظِيمَةٍ وَآيَاتٍ وَعَجَائِبَ. وَأَدْخَلنَا هَذَا المَكَانَ وَأَعْطَانَا هَذِهِ الأَرْضَ أَرْضاً تَفِيضُ لبَناً وَعَسَلاً”. (تث 26: 5-9)

أن طقوس الاحتفال بالخروج تتجاوبَ مع سياق الحدث، فتكريس الأبكار يُذكّرهم بما اختبرته كلّ عائلة مصرية، وأكل خُبز الفطير يُعيد إلى الذاكرة عُجالةَ الخروج من مصرَ، والأهم أن هذه الطقوس تُقاوم تجربةِ النسيان التي تُصيبُ الناسَ عندما ينعمونَ بالاستقرارِ والرفاهيةِ المادية، فيتناسونَ حضور الله فيما بينهمـ لذا، وجَبَ إبقاءُ الشّعب كلّه، ولا سيما الأطفالُ، في علاقةٍ مع الماضي، فيأتي الاحتفال حاملاً معه تساؤلاتٍ عديدة ويكون فرصة للتعليم وتقديم الشكر، فيختبِر كلُّ مَن يحتفل بالفصح ما اختبره آباؤه وكأنهّ كان معهم في تلك الليلة.

سبق وأن أشرنا إلى أن فقدان الذاكرة مرض يُصيبُ الأفراد ويُعطل حياة الآخرين لأنه يُصيبُ علاقاتهم بفوضى عارمةٍ، ويُصيبُ الجماعةَ أيضاً بالمرض والموت البطيء، فيُغيّب ماضيها ويشوِّش مُستقبلها عندما تتوهّم أنها أنها قادرةٌ على أن تعيش الحاضرِ مُكتفيةً به، فتُصبحَ جماعةً غير قادرةٍ على التذكّر، بل غير قادرةٍ على الرجاءِ والايمان أيضاً، فلا تجد معنى لحاضرها.

تكريس الأبكار لله                 

قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إسرائيل مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. انَّهُ لِي”. (خر 13: 1-2)، مثلما أعلنها لفرعون من قبلُ: “فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إسرائيل ابْنِي الْبِكْرُ.” (خر 4: 22)، وأعادَ التأكيد عليها لاحقاً: “لأَنَّ لِي كُلَّ بِكْرٍ فِي بَنِي إسرائيل مِنَ النَّاسِ وَمِنَ البَهَائِمِ. يَوْمَ ضَرَبْتُ كُل بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ قَدَّسْتُهُمْ لِي.” (عدد 8: 17)، فكان الابن البكر مُكرَّساً لله ليخدمهَ كاهناً، وهو تقليدٌ دينيٌّ واجتماعي سبقَ مؤسسة الكهنوت، والتي طالبتَ بتقديم فديةٍ عنه )الابن البكر( بعد واحد وثلاثين يوماً من ولادته (عدد 18: 16)، ليُعفَى من الخدمةِ في الهيكلِ، وهكذj يتمُّ فداءُ البكرِ المُخصَّصِ للربِّ الإلهِ في إشارة إلى أن البكرَ (وما سيتبعهُ) هو نعمة من الله، فاللَّه هو مانحُ الحياة وسيواصِل هذه البركة التي تبدأ مع الابن البكرِ، كما ويُذكِّر الشّعب بما جرى في الضربةِ الأخيرة التي أوقعها الربّ على مصرَ والمصريين، فالمختار نفسه هو نعمةٌ من الله، والابن البكر هو عطيةٌ من الله: “هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ صَانِعُكَ وَجَابِلُكَ مِنَ الرَّحِمِ مُعِينُكَ: لاَ تَخَفْ يَا عَبْدِي يَعْقُوبُ وَيَا يَشُورُونُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ.” (إش 44: 2).

وكما أشرنا أعلاه، هي مناسبةٌ لتعليمٍ الأطفال كلَّ ما عمّا صنعهُ الرّب شعبه، فطقوس الاحتفال بالفصح تثير في نفوس المُشاركين فيها، ولا سيما الأطفال، تساؤلات جمّة، وعلى الوالدين أن يُقدّموا أجوبةً إيمانية عنها: “وَتُخْبِرُ ابْنَكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَائِلا: مِنْ أجْلِ مَا صَنَعَ إلَيَّ الرَّبُّ حِينَ أخْرَجَنِي مِنْ مِصْرَ.” (خر 13: 8)، “وَيَكُونُ مَتَى سَألَكَ ابْنُكَ غَداً: مَا هَذَا؟ تَقُولُ لَهُ: بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أخْرَجَنَا الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. وَكَانَ لَمَّا تَقَسَّى فِرْعَوْنُ عَنْ إطْلاقِنَا أنَّ الرَّبَّ قَتَلَ كُلَّ بِكْرٍ فِي أرْضِ مِصْرَ مِنْ بِكْرِ النَّاسِ إلى بِكْرِ الْبَهَائِمِ. لِذَلِكَ أنَا أذْبَحُ لِلرَّبِّ الذُّكُورَ مِنْ كُلِّ فَاتِحِ رَحِمٍ وَأفْدِي كُلَّ بِكْرٍ مِنْ أوْلادِي”. (خر 13: 14- 15)، ليعرِف كل الشعب أن فداءه كان مُكلفاً، كلّف الله حياة أبكار المصريين.

يؤكِد هذا التعليم على أن كلَّ شيءٍ هو نعمة من الله: “وَقَالَ مُوسَى لِلشَّعْبِ: “اذْكُرُوا هَذَا الْيَوْمَ الَّذِي فِيهِ خَرَجْتُمْ مِنْ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ فَإنَّهُ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أخْرَجَكُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَا” (خر 13: 3)، فيُكرَّس البكرُ ويُفتدى، وتُقدَّم بواكير الحيوانات ذبيحةً للربِّ، فالاستقرار في أرضِ الحُرية سيعطي للشعب إمكانية أن يأكلوا خبزاً مُختمراً، وحينما يشبعون، سينسون ما فعله الله من أجلهم، لذا، يكون الاحتفال بالفصحِ فرصةً للتذكّر، فيأكلون خبراً فطيراً يُذكّرهم بما فعلَ الله القدير معهم في مصرَ، لا سيما أنهم سيعيشونَ بين جماعاتٍ لها آلهتُها المُزيفة، التي ستبقى تشكّل تهديداً لإيمانِ جماعةِ إسرائيل.

         “وَكَانَ لَمَّا أطْلَقَ فِرْعَوْنُ الشَّعْبَ أنَّ اللهَ لَمْ يَهْدِهِمْ فِي طَرِيقِ أرْضِ الْفَلَسْطِينِيِّينَ مَعَ أنَّهَا قَرِيبَةٌ لأنَّ اللهَ قَالَ: “لِئَلا يَنْدَمَ الشَّعْبُ إذَا رَأوا حَرْباً وَيَرْجِعُوا إلى مِصْرَ”. فَأدَارَ اللهُ الشَّعْبَ فِي طَرِيقِ بَرِّيَّةِ بَحْرِ سُوفٍ. وَصَعِدَ بَنُو إسرائيل مُتَجَهِّزِينَ مِنْ أرْضِ مِصْرَ.” (خر 13: 17- 18). غيّر الله مسار طريق الخروح لأنّه يعرِف أن الشعبَ غير قادرٍ، في المرحلة الحالية، على مواجهةِ عسكرية مع الفلسطينيين لا لأنه يخافهم، بل لأنه عارفٌ أن شعبه سيندم وسيتراجع إذا واجهتم صعوبةٌ أو حربٌ، فهم عبيدٌ خرجوا للتو من مصر، وقبول التحرر من العبودية لن يكون خبرة سهلةً على الشعب الذي تعوّد على العبودية، بل يتطلّب تغييرا في عقلية العبيد أنفسهم، وهو أن يكون لهم اختيارهم الحُر، فلا نستغرب أن الطريق إلى أرض الميعاد أخذ منهم سنواتٍ طويلة.

نلاحظ أيضاً أن قيادة الرّب للشعب لم تكن سُلطة قاهرة مثل سلطة فرعونَ، بل كانت إصغاءً وعنايةً بشعبهِ، وقيادة متواصلة طوالَ الليل والنهار. فكانت سحابةٌ تحميهم من حرِّ الشمس، ونارٌ تُنيرُ ظلمة اللّيلِ. الخروج لم يكن نهايةَ العبودية فحسب، بل بدءَ رحلة صعبة نحو الحُريةِ وبيان هويةِ الشّعب وأنه “محبوبُ الله”. لذا، تطلّبُ الأمرُ قيادةً حكيمة يُمكن الوثوقُ بها، قيادةً لا يغيبُ عن بالها شيءٌ، بما في ذلك ميل الشّعب إلى حياة العبودية ومظاهرها.

        يذكر لنا الرّواي أن موسى، ورغم أنه كان أكثرهم انشغالاً، تذكّر أن يحملَ عظامَ يوسف في هذه الرحلة ليربطَ قصّة الخروجِ بقصةِ التكوين، ويؤكد صحة إيمان يوسف بأن الله لن يتركَ شعبهُ يتعذّب محتملاً ظلم العبودية إلى الأبد. فالخروج كان ممكناً لأن الله تذكّر (خر 2: 24- 25). وجماعة الخروجِ هي امتدادٌ لجماعةِ الرجاء ذاك الرّجاء الذي قبل أجيالٍ من ولادة جماعة الخروج (خر 13: 19). يوسف الذي آمنَ بمجيء الله المُحرِّر، وأعلنَ ذلك بالإيمانِ حتّى وإن لم يَرّهُ، وهكذا يُمكن لرحلة الشّعب أن تكون ممكنة بإلإيمان حتّى وإن كانت صعبةً.

كيف نحتفل بالفصح؟

حفِظَ يوحنا الإنجيلي طقوس احتفالية الفصح التي احتفلَ بها ربّنا يسوع كاهناً وذبيحةً، فهو حملُ الله مثلما قدّمه يوحنا لتلميذيه (يو 1: 29، 36)، مُكرَّسٌ كلّياً لله ومُتَمّمٌ لكلّ ما جاء في الكتب: “وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعاً مَمْلُوّاً خَلاًّ فَمَلَأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إلى فَمِه” (يو 19: 29)، كما لم يُكسَر فيه عظمٌ (يو 19: 33)، والدم والماء الذي نزفَ من جنبه (يو 19: 34)، يُعمّذنا جميعاً لنكون متحدين معه في حياته وموته وقيامتهِ، وهكذا، تُصبح حياتنا كلّها إفخارستيا حيّة تذكاراً لربنا الذي قدّم حياتهُ من أجلنا: “وَأَخَذَ خُبْزاً وَشَكَرَ وَكَسر وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: “هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي”. وَكَذَلِكَ الْكَأْسَ أَيْضاً بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: “هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ” (لو 22: 19- 20).

يجمعنا ربّنا يسوع المسيح في كلِّ قداس نحتفلُ به، لنستذكر سرَّ آلامه وموته وقيامته، أيّ سر قدائنا، وقد تسلمنا من الكنيسة شهادةً عما جرى في العشاءِ الأخير لربنا يسوع المسيح وقد نقلهُ إلينا بولس في رسالتهِ الأولى إلى أهلِ كورنثوس، والتي تُعدّ أول وأقدم شهادة (سنة 55- 57 للميلاد). ولكّن بولس ذكّر كنيسة كورنثوس مُشدِّداً على ضرورة أن نكون على استعداد روحيّ وجسديّ للإحتفالِ بافخارستيا ربّنا يسوع المسيح، لأن الجماعة كانت تحتفلُ بالافخارستيا منتهكةً قُدسيّتها في جعلها مائدة طعام وليست وليمةَ إخوة وأخواتٍ بيسوع المسيح، بل كانوا يحتفلون بالافخارستيا وفيهم انقسامٌ وخصامٌ وغضبٌ وإنشقاقات (1 كو 11: 17- 29). فالافخارستيا لم تغيّرهم، ولم تنقلهم من حالٍ إلى حالٍ، متناسينَ أن ربّنا يسوع هيّأَ تلاميذه للإحتفال (يو 13: 1- 16)، لتكون الأفخارسيتا خدمة بعضا البعض بالمحبةِ (غلا 5: 13).

ربّنا يسوع يدعونا إلى أن نأكل جسده ونشرب دمهُ ويدعونا لأن نُصبحَ واحداً معهُ، أن نحيا مثلهُ ونموت معهُ: مصيرنا واحد، فمثلما أطاعَ هو حتّى الموت ليُتمَّ مشيئةَ ابيهِ، هكذا نحن مدعوونَ لهذه الطاعةِ، وهكذا يُحقق الربُّ ما يُريده بالافخارستيا: تحويل قلوبنا وجماعاتنا كلّها إلى جسدهِ: جسد المسيح، وهذه هي قصّتنا نحن: “لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إلى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ”. (يو 3: 16- 17)

عن Maher

شاهد أيضاً

ظهورات السيدة مريم العذراء ما بين الحقيقة والوهم

ظهورات السيدة مريم العذراء ما بين الحقيقة والوهم الشماس سامر يوسف تم مؤخرا تقديم تقرير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.