أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / طقوس زمن الصوم الكبير

طقوس زمن الصوم الكبير

طقوس زمن الصوم الكبير

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

   الصوم لا يحتاجه الله، انما نحتاجه نحنُ. انه زمن متميز للمؤمنين لمراجعة الذات وتطهيرها، وتصحيح المسار عبر الصلاة الدائمة والتأمل العميق في الكتاب المقدس، من اجل ترسيخ العلاقة مع الله والمصالحة مع الاخرين، وفعل الاحسان لمن يحتاج.

الصوم الكبير

 قررت الكنيسة في مجمع نيقية سنة 325 الاحتفال بعيد القيامة، في الأحد الأول لبدر الربيع، بعد ان كان الاحتفال يتم في كلِّ يوم الأحد. بعده أرادت الكنيسة اعداد المؤمنين لهذا الاحتفال المركزي في إيمانهم، من خلال الصيام وعيش شيء من الزهد، لمدة ثلاثة أيام Triduum إستعداداً لعيد القيامة.

في القرن السابع تم تقسيم الروزنامة الى دورتين تاريخيتين: قبل الميلاد وبعده. ويعود الفضل الى جهود الراهب الإنجليزي المُكَرَّم بيدا Le vénérable Bede من دير نورثمبريا Northumbria المتوفى عام 735 والذي اعتمد تسلسل السنين بين الدورتين، يبدو انه نسي وضع الصفر بينهما: 1001 صار 1000.

 يشير البابا سيريكيوس Siricio (384-399) الى ان المرء يحتاج الى 40 يوما على الأقل قبل الاحتفال بالعماذ. وفي رسالة هيرونيمس الى Marcello عام 384 يقول اننا نصوم 40 يوماً (الرسالة 9/ 24).

 يذكر المؤرخ سقراطُس (380-439) التقاليد المختلفة المتعلقة بالصوم قبل الفصح: في روما يدوم 3 أسابيع، في الاسكندرية واليونان 6 أسابيع ويدعونه الصوم الاربعيني (PG 57,632)، تيمناً بصوم المسيح (متى 4/ 1-2).

لاحقاُ صار التركيز على ذكرى الآم المسيح والاندماج فيه من خلال تطهير الذات وممارسات الزهد. وحصر آباء الكنيسة تعليمهم  وإعدادهم  “الموعوظين” البالغين الراغبين في اقتبال المعمودية خلال زمن الصوم لكي ينالوا العماد في ليلة سبت النور، ومن هنا جاءت تسمية “سبت النور”.

عدّ الصوم الكبير من الممارسات المهمة في حياة المسيحيين والكنيسة. يبدأ الصوم بالنسبة للكلدان والاشوريين يوم الاثنين وينتهي ليلة خميس الفصح. سابقاً كان الصيام من الزفرين والعلاقة الزوجية من الغروب الى الغروب، بعده صار الى الظهر ثم تقلص بسبب ظروف المعيشة الى الاسبوع الأول والأخير… المهم هو التركيز على معنى الصوم وروحانيته.

لا يجوز الصوم في ايام الأحاد: يقول المؤلف المجهول (القرن التاسع): “تشهد الوقائع ان أيام الصوم هي أيام حزن، اذ نركع اثناءها ولا نحتفل باسرار القداس كاملة، انما بدون تقديس1: حين نُلغي الحزن والسجود، ونحتفل بالقداس كاملاً، لا يجوز الصيام أيام الآحاد في الصوم الكبير” (المجلد 1 ص 52).

هكذا يكون الصيام اربعين يوماً يضاف اليها يومي الجمعة العظيمة وسبت النور. ومنذ ان كنتُ راعياً لخورنة أم المعونة بالموصل ثم مطراناً لكركوك وبطريرك سعيتُ لتوعية الناس بعدم الصيام أيام الآحاد عملاً بالتعليمات الطقسية!

 ساعات الصلاة في زمن الصوم تسمى باسماء غريبة كما نشاهدها في الحوذرا: ܩܘܛܥܐ قوطاعا تعني فاصلاً زمنياً، ܥܕܢܐ عدانا تعني الوقت، ܡܓܗܝ من ܓܗܐ تعني وقت (راجع معانيها في قاموس توما اودو وقاموس أوجين منا)، كان من الأفضل تسميتها تسمية طقسية كما هي في الكنائس الاخرى: صلاة الساعة الثالثة، والسادسة، والتاسعة بدل هذه التسميات المبهمة!

تتضمن صلوات ساعات الصوم مزامير( هولاليه) وصلوات كهنوتية وتسابيح وتراتيل وأدعية وغالبيتها رهبانية ما عدا صلاة ܣܘܒܥܐ– الافطار.

  1. صلاة منتصف الليل ܠܠܝܐ. وقد أشرنا الى هذه الرتب في المقالات السابقة. الحانها جميلة وشجية مثل ردة المزمور 3 “أَضَّجعُ أَنا وأَنام وأَستَيقِظُ لأَنَّ الرَّبَّ يُسنِدُني..” والردة: “واجب ولائق ان نبكر لنسبحك يا مخلصنا ونرتل مع الملائكة الحاناً مفعمة بالحمد والمجد لك يا الهنا… (حوذرا مجلد2 ص 66).
  2. السهرة ܫܗܪܐ ترتيلة السهرة: “هوذا الصوم البهي ياتينا مثل الملك، ليعد كل امريء نفسه مثل المدينة…” (حوذرا مجلد 2 ص 69).
  3. ܨܦܪܐ – الصباح شروق النور- الشمس كما في الآحاد وأيام الاسبوع الاول والوسط والاخير هي أيام احتفالية.
  4. ܩܘܛܥܐ الساعة الثالثة (التاسعة بحسب توقيتنا الحالي): يتضمن هولالاً واحداً، اي تسعة مزامير، تسبحة قصيرة مع الردة responsorial hymn “بالحزن والحسرة نتضرع الى المسيح”.. ثم انتيفونة قدوس الله، أبانا الذي في السموات.. والصلاة الختامية.
  5. ܥܕܢܐ الساعة السادسة أي ظهراً، يتضمن هولالاً واحداً، تسبحة الصوم “مُمَجَّدٌ أَنْتَ يا ربَّنا” كما في الاطار. صلاة كهنوتية، ترتيلة واحدة ܥܘܢܝܬܐ عموماً مأخوذة من ترتيلة السهرة، مزمور ܩܢܘܢܐ مع لازمة responsorial psalm ، أدعية – ܟܪܘܙܘܬܐ ܐܠܗܐ ܣܓܝ ܪ̈ܚܡܐ الله الغزير بمراحمه. قدوس الله.
  6. ܡܓܗܝ. انها بكل تأكيد صلاة الساعة التاسعة (الثالثة من بعد الظهر) دمجت في صلاة الرمش، لكن حافظت على عنوانها “ܡܓܗܝ، والا كانت تسمى رمشا وهي الأقدم! تتضمن هولالاً واحداً، تسبحة (كما في الاطار أدناه) مزمور شورايا ما قبله، مزمور الرمش 141، شورايا ما بعده، انتيفونة لاخومارا، صلاة كهنوتية، انتيفونة قدوس الله، شورايا وزومارا، أدعية ܟܪܘܙܘܬܐ يا أبا المراحم وملحقها: (لنصلِ السلام معنا. لنصل ونطلب من الله رب الكل، للبطريرك ايليا الأول +1049)2.
  7. ܣܘܒܥܐ – الافطار. هولالا واحد، سلسلة تراتيل ܥܘܢܝܬܐ، مزمور – ܩܢܘܢܐ، تسبحة قصيرة ثم أدعية ܐܚܝܕ ܚܠ – يا ضابط الكل، انتيفونة قدوس الله، صلاة ختامية. الحان صلاة الافطار جميلة وشجية اذكر ردة مزمور ܩܢܘܢܐ الثلاثاء: “بمَ يُطَهر الفَتى سَبيلَه؟ بِحِفظِه كَلِمَتَكَ” (مزمور 118 ب). الردة: “ثبّتنا يا رب في محبتك، وبالحكمة وطدّ رجاء عنفواننا”.

اما التسبحة ܬܫܒܘܚܬܐ التي تسبق الادعية كاروزوتا تختلف من يوم لاخر: “طوبى للشعب الذي له هذا، طوبى للشعب الذي إلهه هو الرب. طوبى لمن يحفظ وصاياه، ولا يرتكب شراً، إنما يسير في طريق الله” (حوذرا مجلد 2 ص 78).

صوم باعوثا نينوى

“باعوثا” وتعني بالسريانية الطلب والابتهال. وباعوثا نينوى لم تحصل تاريخياً لأنها كانت مدمَّرة في زمن كتابة السِفر. يقدم كاتب السِفر وهو لاهوتيٌّ منفتح، تعليماً جديداً، عن الله. فيؤكد ان الله هو للجميع ورحمته الواسعة تشمل كل التائبين، وليس كما يدّعي اليهود انه الههم وحدهم بكونهم الشعب المختار (اله قومي). الكاتب المطَّلع على ثقافات الشعوب الأخرى وواقعها بتمييز منير، يرى حتمية حقيقة تضامن الله المُحِب مع الخطأة والفقراء بطريقة سامية، و يود ان يُظهرَ لليهود المتطرفين ان الله هو لكل البشر.

الباعوثا ممارسة مسيحية حصلت في زمن البطريرك حزقيال (570-581) اثر انتشار وباء الطاعون في بلاد ما بين النهرين ووفاة عدد كبير من الناس، فأمر البطريرك ان يصوم المؤمنون ثلاثة أيام ويقيموا الصلاة لينتهي الطاعون اللعين تماماً مثلما فعلنا ونفعل في أيامنا هذه لتَعبر جائحة كورونا. بعدها قامت الكنيسة بصياغة وترتيب طقس الباعوثا التي نحييها سنويّاً تيمناً بتوبة أهل نينوى وخلاصهم. ومعظم نصوصها تعود لمار افرام (+373). طقس الباعوثا يُحتفل به بشكل خاص وفيه أكثر من مجلس ܡܘܬܒܐ وسهرة ܘܫܗܪܐ ومزامير وطلبات وتراتيل ثم ميامر ومدرايش وبركات.. طقس جميل ومؤثر.

صيامنا أيام باعوثا الثلاثة، فرصة للتفكير والمراجعة، كي ننال رحمة الله وغفرانه ونغفر لبعضنا البعض ونتصالح ونرسّخ الاخوَّة والتضامن خصوصاً مع الإخوة المحتاجين.

تبريك الشهر ܛܘܟܣ ܝܪܚܐ. تراتيل تبريك الأشهر (ܥܘܢܝ̈ܬܐ ܕ ܛܘܟܣ ܝܪܚܐ) تستهل أبياتها بآيات من المزامير. انها تراتيل طويلة تُتلى بعد صلاة الرمش في أول يوم من الشهر، طلباً للبركة والحفاظ على البيئة وخيراتها، لان حياة الإنسان تتوقف عليها: خصوصاً هطول الأمطار وليس البَرَد الذي يدمر الزرع ومكافحة الجراد.. والحرائق.. يبدو انها ممارسة قديمة مقتبسة من الطقوس اليهودية، وحالياً نادراً ما تُمارس (نصوصها الحوذرا ص 406-410).

 

____________________________________________________

1 في الايام العادية كان المؤمنون يحضرون صلاة الصبح ويحتفلون بالقسم الاول للقداس( قسم الكلمة) ويتناول القربان المكرس في قداس الاحد. وقد قام المطران سرهد جمو بدراسة مفصلة عن هذه الممارسة في اطروحته للدكتوره المنشورة:

Sarhad Y.Hermiz Jammo, La structure de la messe Chaldéenne, du Début jusqu’à l’Anaphore, étude historique in OCA 207, Roma 1979

2 ساكو، سير البطاركة ص 111

عن Maher

شاهد أيضاً

البطريرك ساكو يلتقي في اربيل بالسيناتور الفرنسي كريستيان كامبونCambon

البطريرك ساكو يلتقي في اربيل بالسيناتور الفرنسي كريستيان كامبونCambon اعلام البطريركية  التقى ظهر الجمعة 30 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.