أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

“فَأجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسمكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً” (تك 12: 2)

اللّقاء الحادي عشر

المُقدمة

        أكد الكاتب المُلهَم لقصّة الخروج أن الله هو القائد الحقيقي للشعب، وأن دور موسى اقتصرَ على تنفيذ إرادة الله وتوجيه الشّعب إلى يُريده منهم عبر إصغائه (موسى) إلى تدابير الله الذي أشرفَ على نحوٍ مُباشر على تفاصيل رحلة الخروج، “فَأدَارَ الله الشّعب فِي طَرِيقِ بَرِّيَّةِ بَحْرِ سُوفٍ” (خر 13: 18)، ثم أمرَ موسى بأن “يَرْجِعُوا وَيَنْزِلُوا أمَامَ فَمِ الْحِيرُوثِ بَيْنَ مَجْدَلَ وَالْبَحْرِ أمَامَ بَعْلَ صَفُونَ” (خر 14: 2)، عارفاً بمعنويات الشّعب ومواقفهم التي لا تؤهلهم للدخول في أيّ مواجهات عسكرية، فما زالت ذهنية العبيد تتحكّمُ في مشاعرهم وتصرفاتهم، مثلما يعرِف أفكارَ فرعون وعناده. االله هو المُبادِر والمُخطِّط والمُدبّر، وستحمل المواجهة الأخيرة ضد فرعون وجيشه تعليماً لهم، وللعالم أجمع، أن الله هو الإلهُ الحق وبه وحده يليقُ التعبّد، وكلّما قسّى الإنسان قلبهُ تجاه الله، كلّما عظُمَ مجدُ الله، فهزيمةُ فرعون، ستُعلنَ على لسانِ جيشه: “فَقَالَ الْمِصْرِيُّونَ: “نَهْرُبُ مِنْ إسرائيل لأنَّ الرَّبَّ يُقَاتِلُ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُمْ” (خر 14: 25)، وسيحتفل الشّعب مرنماً بهذا الانتصار مُمجدِّاً ومُعظِّماً قُدرة الله (التعبّد)، وشاهداً لها في العالم مثلما أعلنَ من قبلُ: “وَلَكِنْ لأجْلِ هَذَا أقَمْتُكَ لأارِيَكَ قُوَّتِي وَلِيُخْبَرَ بِاسمي فِي كُلِّ الأرض.” (خر 9: 16)

ما قبلَ عبورِ البحرِ (خر 14: 1- 19)

        بدأت رحلة الخروج (12: 37- 39)، لكنها لم تنتهِ بعدُ، فالله يعرِف أن فرعون يرغبُ في التحرّك ضد إرادتهِ ولم يرفع الراية البيضاء بعدُ، ويريد عرقلة خروج الشّعب، فأمرَ الله موسى بأن يُشير إلى الشّعب ليأخذوا طريقاً آخر: “كَلِّمْ بَنِي إسرائيل انْ يَرْجِعُوا وَيَنْزِلُوا أمَامَ فَمِ الْحِيرُوثِ بَيْنَ مَجْدَلَ وَالْبَحْرِ أمَامَ بَعْلَ صَفُونَ. مُقَابِلَهُ تَنْزِلُونَ عِنْدَ الْبَحْرِ. فَيَقُولُ فِرْعَوْنُ عَنْ بَنِي إسرائيل: هُمْ مُرْتَبِكُونَ فِي الأرض. قَدِ اسْتَغْلَقَ عَلَيْهِمِ الْقَفْرُ. وَأشَدِّدُ قَلْبَ فِرْعَوْنَ حَتَّى يَسْعَى وَرَاءَهُمْ. فَأتَمَجَّدُ بِفِرْعَوْنَ وَبِجَمِيعِ جَيْشِهِ وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ أنِّي أنَا الرَّبُّ”. فَفَعَلُوا هَكَذَا. (خر 14: 2- 4)

معرفة المصريين أن الرّبَّ هو الإله وله وحده يحقُّ الإكرام، هو واحد من أهم دروس القصّة، وهو الذي يدع الإنسان يسلكُ أمامه بحرية متحملاً مسؤولية قراراتهِ وينالُ الجزاء العادل من جرّاء عنادهِ، لتتحقّق العدالة، وبالتالي نحن مدعوون إلى أن نكره الشر: “يَا مُحِبِّي الرَّبِّ أَبْغِضُوا الشَّرَّ. هُوَ حَافِظٌ نُفُوسَ أَتْقِيَائِهِ. مِنْ يَدِ الأَشْرَارِ يُنْقِذُهُمْ” (مز 97: 10)، وعلينا مواجهتهُ (الشر) أينما حصلَ لتكون الأرض مثلما أرادها الله أن تكون، مكاناً حسناً للعيش، واثقين في حكمةِ الله وعدله ومُتيقنينَ أن الأشرار سيواجهون تبعات أفعالهم: “وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ أنِّي أنَا الرَّبُّ”، فوقوع الشّر ليس مناسبة للمُناقشة والمُحاججة في محاولة التعرّف على الأسباب، فمثلُ هذه المحاولة ستؤول حتماً إلى ظاهرة القبول بالشر ومحاولة التعايش معه، عوض مواجهته ومحاربته بكلّ الطاقات والإمكانيات المُتاحة كما فعل ربنا يسوع:

“وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَاناً أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ. فَسَأَلَهُ تلاَمِيذُهُ: “يَا مُعَلِّمُ مَنْ أَخْطَأَ: هَذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟” أَجَابَ يَسُوعُ: “لاَ هَذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ لَكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ الله فِيهِ. يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ. مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ”. قَالَ هَذَا وَتَفَلَ عَلَى الأرض وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِيناً وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. وَقَالَ لَهُ: “اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ”. الَّذِي تَفْسِيرُهُ مُرْسَلٌ. فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيراً”. (يو 9: 1- 7)

        في قصّة الخروج، أكّد الرّاوي على أن الله هو سيّد التاريخ وهو الذي يُسيّر الأحداث، فأعطى انطباعاً لفرعونَ أنَّ الشّعب تائهٌ في الصحراء، ونصبَ الله فخّاً له، وسقطَ فرعون في هذا الفخ، ليكشِف مرّة أخرى عن أنه لا يستحق قيادة شعبه لأنه لا يمتلكُ القُدرة على السيطرة على مشاعره الشخصية والتي تتعأرض وسلامة شعبه، وغير قادرٍ على تمييز تحرّكات الآخرين، فلاحقَ فرعون الشّعب في الصحراءِ ليُعيدهم إلى خدمته، متوهّماً أنهم مُلكهُ هو، وهو الأولى بهم من الله، فشدّ مركبتهُ بنفسه وأخذ معه ستمئة مركبة في مواجهةٍ أخيرة مع شعب الله الذي لم يكن مُستعدّاً لمثل هذه المواجهة العسكرية. 

فوضى في معسكرِ العبرانيين

في الجهة المقابلة، عمّـت الفوضى بين العبرانيين، فبعدما تركوا مصر خلفهم، ارتعبوا عندما سمعوا أن فرعون وجيشهُ يتعقبونهم، فصرخوا إلى الربّ وكلّموا موسى: “هَلْ لأنَّهُ لَيْسَتْ قُبُورٌ فِي مِصْرَ أخَذْتَنَا لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟ مَاذَا صَنَعْتَ بِنَا حَتَّى أخْرَجْتَنَا مِنْ مِصْرَ؟ ألَيْسَ هَذَا هُوَ الْكَلامُ الَّذِي كَلَّمْنَاكَ بِهِ فِي مِصْرَ قَائِلِينَ: كُفَّ عَنَّا فَنَخْدِمَ الْمِصْرِيِّينَ لأنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أنْ نَخْدِمَ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ انْ نَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ” (خر 14: 11- 12). الجميع يعرف أن لمصرَ مقابرَ عظيمةً، كما ويعرف الشّعب قساوة فرعون ومقاصده الشريرة أكثر من معرفتهم بنوايا الربِّ الخيّرة، فاتّهموا موسى بتجاهُلِهم، وبدا لهم أن شرَّ فرعونَ أقربُ إليهم من خيرِ الله.

لنا أن نتصوّر مشهدَ الفوضى، أحدهم يصرخ: “نحنُ المُخطئونَ لأننا صدّقناكَ إذ قلت إن الله حدّثَك، وها نحن سنموتُ كالجرذان، بل نُقدَّم ذبائحَ لفرعونَ أو في أحسن الأحوال، نغرقُ في هذا البحرِ الهائج كهيجان غضب فرعونَ والمصريين علينا”. غيره نادى: “اتركوا هذا الشيخ الخَرف، وتعالوا نرفع الرايات البيضاء لعلّ قلب فرعون يحنُّ علينا ويقبلنا خُدّاماً له، ولنرسل إلى فرعونَ وفداً يتفاوضُ على العودة”. وآخر قال: “عنادكَ يا موسى أصلبُ من عنادِ فرعونَ، وهو أوصَلَنا إلى التهلكةِ، قُم دبّر أمرنا يا موسى”. ولربما قامَ مُحاربٌ ليُشجّع الشّعب: “المصريون أقوى منّا، ولكننا مُسلَّحونَ فلنختم حياتنا بشرفٍ نَمُت أبطالاً ونُمِت بعضاً من أعدائنا!” وهكذا تعالت الأصواتُ بين مؤيدة لموسى، وهي قليلة، بل ضعيفة، وأخرى صاخبة مُتخبّطة، تحاول التحّرك يميناً ويساراً في محاولة لتجنّب الموت المُهلِك!

نتفّهمُ حالة الفزع التي عمّت صفوفَ الشّعب، وعقلية العبيد التي تتحكّم في مواقفهم، ونفهم لماذا لم يدخل هذا الجيل أرض الميعاد، أرض الحُرية، فهم ليسوا قادرين على الدفاع عنها، بل فضّلوا خدمة المصريين وتحمّل عذاباتهم وقتل المواليد الذكور على مواجهة فرعون وجيشهِ. هنا، جاءت كلمات موسى مُعزِّية: “لا تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاصَ الرَّبِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ الْيَوْمَ. فَإنَّهُ كَمَا رَأيْتُمُ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ لا تَعُودُونَ تَرُونَهُمْ أيْضاً إلى الأبَدِ. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأنْتُمْ تَصْمُتُونَ” (خر 14: 13- 14). لا تخافوا، فالله إلى جانبنا، بل سيُقاتِل عنّا، لذلك، اُثبتوا في الإيمان وتأهّبوا، لا للقتال، بل لتنظروا خلاص الربّ الذي سيُحرِّركُم من العبودية، وسترون ذلك بأعينكم، فاهدؤوا، وقد ألهمت هذه العبارة: “قِفوا، وانظروا” … “وأنتم تصمتون”، واضعي القداس في الطقس الكلداني ليضعوا هذه العبارة على لسان الشماس قائلا: “قفوا بصمتٍ وصلّوا السلام معنا”، فذبيحة الأبن هي فعل الله الخلاصيّ، وعلينا أن نكون متأهّبين لقبولها بصمتٍ وتوقير زتقديم الشُّكر والتعظيم إلى الله الآب خالقنا وفادينا.

عرف موسى أن هذا الشّعب عانى الكثير بسبب العبوديةِ، وهو يتفهّم خوفهم، لذا، لم يدِنهم ولم يُوبّخهم على شكواهم، ولم يُرسلهم إلى خيامهم ليُفكّر فيما يجب عملهُ، ولم يقم بتسليحِ الشّعب وتحضيره للقتال، كما لم يُدبّر قضيةَ الانسحاب أو التفاوض للاستسلام، والأهم في كل هذا أنّه لم يكشِف عن مخاوفهِ أمام الشّعب، بل صرخَ إلى الله يطلب العون، فعليه اتكاله، ووجَّههَ الله إلى أن يمُدّ عصاه ليُبيّنَ قدرة الله، فهو مُكَّلفٌ بقيادة الشّعب وعليه، كمُتقدِم المسيرة، أن يجد الحلول لا أن يتشكّى مثلهم: “مَا لَكَ تَصْرُخُ إلَيَّ؟ قُلْ لِبَنِي إسرائيل أنْ يَرْحَلُوا. وَارْفَعْ أنْتَ عَصَاكَ وَمُدَّ يَدَكَ عَلَى الْبَحْرِ وَشُقَّهُ فَيَدْخُلَ بَنُو إسرائيل فِي وَسَطِ الْبَحْرِ عَلَى الْيَابِسَةِ. وَهَا أنَا أشَدِّدُ قُلُوبَ الْمِصْرِيِّينَ حَتَّى يَدْخُلُوا وَرَاءَهُمْ فَأتَمَجَّدُ بِفِرْعَوْنَ وَكُلِّ جَيْشِهِ بِمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسَانِهِ. فَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ أنِّي أنَا الرَّبُّ حِينَ أتَمَجَّدُ بِفِرْعَوْنَ وَمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسَانِهِ”. (خر 14: 15- 18).

عبورُ البحر الأحمر

“فَانْتَقَلَ مَلاكُ الله السَّائِرُ أمَامَ عَسْكَرِ إسرائيل وَسَارَ وَرَاءَهُمْ وَانْتَقَلَ عَمُودُ السَّحَابِ مِنْ أمَامِهِمْ وَوَقَفَ وَرَاءَهُمْ. فَدَخَلَ بَيْنَ عَسْكَرِ الْمِصْرِيِّينَ وَعَسْكَرِ إسرائيل وَصَارَ السَّحَابُ وَالظَّلامُ وَأضَاءَ اللَّيْلَ. فَلَمْ يَقْتَرِبْ هَذَا إلى ذَاكَ كُلَّ اللَّيْلِ” (خر 14: 19- 20). انتقال عمود السحاب من أمام الشّعب إلى خلفهم كان تدبيراً من الله ليُخفي الشّعب عن عيون أعدائهم، فواصلَ الشّعب السير باتجاه البحر الذي هو تحت سيطرة الله، فأرسل الربّ ريحاً شرقية عليه، وهيأ لهم يابسةً ليسيروا عليها، هو الخالق الذي فصل المياه وأبدع اليابسة في البدءِ: “لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ” (تك 1: 6)، وكأن الكاتِبَ المُلهَم يُريد أن يقول لنا: هوذا نحن أمام خلقٍ جديد، فإسرائيل هو الخليقة المُفتداة، ومثلما أبدعَ الله ما هو حسنٌ جداً من الفوضى الأولى في الخلق، سيُبدِع خليقةً حسنةً من الفوضى التي سببها عصيانُ الإنسان وعناده، الذي يبقى رغم عصيانه، حُرّاً أمام الله، ليُقرر، بملء إرادتهِ، مواصلة السير نحو البحرِ أو العودة الاستسلام لفرعون.

اختار الشّعب مواصلة المسيرة على اليابسة، تحت جُنحِ الظلام مؤمنين أن هناك عيوناً تسهر على سلامتهم، وتبعهم المصريون، وهو ما توقعّه الربّ مُسبقاً، ولكنهم وجدوا مع بزوغ الصبحِ صعوبة في تسيير مركباتهم: “وَكَانَ فِي هَزِيعِ الصُّبْحِ أنَّ الرَّبَّ أشْرَفَ عَلَى عَسْكَرِ الْمِصْرِيِّينَ فِي عَمُودِ النَّارِ وَالسَّحَابِ وَأزْعَجَ عَسْكَرَ الْمِصْرِيِّينَ. وَخَلَعَ بَكَرَ مَرْكَبَاتِهِمْ حَتَّى سَاقُوهَا بِثَقْلَةٍ. فَقَالَ الْمِصْرِيُّونَ: “نَهْرُبُ مِنْ إسرائيل لأنَّ الرَّبَّ يُقَاتِلُ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُمْ”. (خر 14: 24- 25) وهكذا أخزى الله المُستكبرين، ونصرَ المتواضعين مُتذكّراً عهدهُ لإبراهيم كما أنشدت أُمنّا مريم (لو 1: 51- 55).

سمعَ الشّعب أصواتاً في معكسرِ المصريين ولم يُميّزوا الفوضى التي صارت بينهم. علِقت عرباتهم في الأرض مما يعني صعوبةَ القتالِ، وعدم القُدرة على العودة إلى الخلف، فيما واصلَ الشّعب سيره ولم يعد أحد لمُقاتلة المصريين المتورطينَ في مشكلات كثيرةٍ، مع أنه كانت خياراً قائماً للانتقام. عناد المصريين جعلهم يتعقبونَ الشّعب وقد أضمروا لهم شراً، ليقضوا على الحياة الحُرّة التي صارت لهم ويُدمّروا ما يُريده الله للعالم. هكذا وقفوا مُعأرضين لا متعاونين، وقادتهم مُعأرضتهم وقساوةُ قلوبهم إلى خزيهم ودمارهم الأخير.

“وَنَظَرَ إسرائيل الْمِصْرِيِّينَ أمْوَاتاً عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ. وَرَأى إسرائيل الْفِعْلَ الْعَظِيمَ الَّذِي صَنَعَهُ الرَّبُّ بِالْمِصْرِيِّينَ. فَخَافَ الشّعب الرَّبَّ وَآمَنُوا بِالرَّبِّ وَبِعَبْدِهِ مُوسَى”. (خر 14: 30- 31) هم يؤمنون بوجوده، ولكنهم الآن اختبروا على نحو شخصيّ حضورهُ معهم، وأنّه أمينٌ في وعدهِ الذي قطعهُ لآبائهم، مثلما قال الرّاوي في بدءِ القصّة: “وَتَنَهَّدَ بَنُو إسرائيل مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَصَرَخُوا فَصَعِدَ صُرَاخُهُمْ إلى الله مِنْ أجْلِ الْعُبُودِيَّةِ. فَسَمِعَ الله أنِينَهُمْ فَتَذَكَّرَ الله مِيثَاقَهُ مَعَ إبْرَاهِيمَ وَإسحق وَيَعْقُوبَ”. (خر 2: 23- 24)

علينا ألاّ ننسى الدور الذي قام به موسى في تنفيذ كلّ ما طلبهُ الله منه من أجل تأمين قيادة آمنةٍ للشعب وإيصاله إلى برّ الأمان. صلابة إيمان موسى بالله، جعلت الشّعب يثقُ به ويواصِل المسيرة، فكان له التحرير، بل حياة جديدة على الضفةِ الأخرى من النهر، فلا عودة إلى مصرَ العبودية بعد الآن، فالله افتداهم وأنعمَ عليهم بخلقٍ جديد مع تباشير الصباح، ليس هذا فحسب، بل كان هذا الخلقُ فرصة للدينونة لكلِّ مَن لم يؤمِن به، وعندما رأى الشّعب كلّ هذا، أنشدوا للربِّ نشيد شُكرٍ يُعلنونَ فيه قُدرة الله.

نشيدُ الانتصار

يُقدم لنا الكتاب المُقدس أحد أقدم المزامير الذي جَمعَ مزمورين قديمين، الأول نشيدُ مريم (خر 15: 21)، والثاني نشيد موسى (خر 15: 1-18) والذي يُعد إسترسالاً لما أنشدتهُ مريم. وإذا كُنّا نتعامل مع الفصول (1- 15) كوحدة بنائية واحدة فسيكون لمريم وللنساء دورٌ مُتميّز فيها. ففي بدء القصة تعاونت امرأتان مع الله في حفظِ مواليد بني إسرائيل (1: 17- 18)، وتقف مريم في خاتمةِ هذه القصة، وقد خرجت جميع النساء وراءها بدفوفٍ ورقصٍ، لتُنشِد خلاصَ الله وانتصاره (15: 20- 21)، مع النساء اللواتي آمنَّ بخلاص الربّ فأخذنَ معهنَّ الدفوف قبل أن يُغادِرنَ أرض مصر على عُجالةٍ ليُنشدنَ ويرقصنَ فرحاً بالانتصار الإلهي.

يحكي نشيد الانتصار ردّة فعل الشّعب على عمل الله الخلاصِيّ في حياتهِم، فالصلاة هي فعلُ استجابةٍ وليست مُبادرة من الإنسان، ولكن لا يُمكن تجاهل نشيدُ الإنسان الذي يُعرِّف العالم بما صنعهُ الله أيضاً، فالخلاص صارَ حقيقةً بفضل مُبادرة الله واستجابة الإنسان الذي آمن بالله وهابهُ، ووثقَ بكلام نبيّه موسى، واحتفلَ فرحاً بالخلاص الذي صارَ له، وجسّد ذلك في طقوس احتفالية الفصح مُستذكراً قصّة الخلا

عن Maher

شاهد أيضاً

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة الاب أدّي بابكا راعي كنيسة مار أدّي الرسول في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.