أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الصلاة طريق نحو القداسة

الصلاة طريق نحو القداسة

الصلاة طريق نحو القداسة

المطران رمزي كرمو

اسطنبول 30 تموز 2022

القداسة نعمة من السماء يعطيها الله لكل انسان، هذا يعني أن الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله مدعو الى القداسة ويستطيع أن يصبح قديسا. إن الذي يعتقد أن القداسة هي إمتياز أو احتكار لبعض الناس أو إنها حالة شاذة أو استثنائية يخطأ خطأ جسيما. كل الذين بلغوا قمة الحياة الروحية وأصبحوا قديسين كانوا مثل بقية الناس، لهم ضعفهم ونقائصهم ومنهم من كانوا خطأة كبار أصبحوا قديسين كبار. من يشك في أنه يستطيع أن يصبح قديسا يرتكب خطيئة ضد الروح القدس، أي الخطيئة التي لا تغفر حسب ما جاء في الأنجيل المقدس (متى 12/ 31). 

إن القداسة قبل أن تكون رغبة أو أمنية شخصية بشرية هي مطلب إلهي. الله هو الذي يطلب منا ويدعونا الى أن نكون قديسين، هذا ما نقرأه في الكتاب المقدس: “وكلم الرب موسى قائلا: مر كل جماعة إسرائيل وقل لهم: كونوا قديسين لأني أنا الرب إلهكم قدوس” (أحبار 19/ 1 – 2). وربنا يسوع المسيح، له كل المجد والاكرام والسجود، يقول لنا في الإنجيل: “فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم السماوي كامل” (متى 5/ 48). أما القديس بولص، رسول الأمم وشهيد الحب الألهي، يذكرنا في رسالته الأولى إلى تسالونيقي بأننا مدعوون الى القداسة، إذ إنه يقول: “إن مشيئة الله هي أن تكونوا قديسين” (4/ 3). وفي رسالة القديس بطرس الأولى نقرأ: “كما أن الذي دعاكم هو قدوس، فكذلك كونوا أنتم قديسين في سيرتكم كلها” (1/ 15 ). 

من خلال التأمل في هذه الآيات، نفهم بأن القداسة هي مشروع حياة يريده الله لكل واحد منا، وتحقيقه مرهون بانفتاحنا على نعمته و تعاوننا معها، والصلاة هي أفضل وأحسن وسيلة للتفاعل والتعاون مع نعمة الرب. نستطيع القول، بأن كل الذين طوبتهم الكنيسة وأعلنت قداستهم منذ بدء رسالتها وحتى اليوم، جمعتهم خبرة واحدة وهي: خبرة الصلاة. لا حياة قداسة من دون صلاة. بواسطة الصلاة نستقي القداسة من الله الذي هو مصدرها و ينبوعها .

نحن المسيحيين، نؤمن إيمانا ثابتا بأن الروح القدس الذي حل علينا يوم عمادنا، هو الذي يقدسنا ويجعلنا قديسين، وإن أول عمل يعلمنا اياه هو الصلاة. لا صلاة مسيحية من دون الروح القدس الذي هو معلم الصلاة الأول. لنقرأ ونتأمل فيما يقوله بولص الرسول بهذا الخصوص: “كذلك فإن الروح أيضا يأتي لنجدة ضعفنا لأننا لا نحسن الصلاة كما يجب. لكن الروح نفسه يشفع لنا بأنات لا توصف. والذي يختبر القلوب يعلم ما هو نزوع الروح فإنه يشفع للقديسين بما يوافق مشيئة الله” (رومية 8/ 26 – 27). وفي رسالته الى أهل غلاطية يقول: “والدليل على كونكم أبناء، أن الله أرسل روح ابنه الى قلوبنا، الروح الذي ينادي أبا، يا أبت” (4/ 6).

إن طقوس ليتورجية كنيستنا المشرقية، التي مر عليها أكثر من الف سنة، والتي ما زالت تغذي حياتنا المسيحية، هي خبرة وثمرة حياة الاباء والشهداء القديسين الذين جعلوا من الصلاة أهم عمل يقومون به يوميا. بواسطة الصلاة الفردية والجماعية، استطاع آباؤنا في الإيمان أن يثمروا الوزنات التي اعطاها اياهم الرب ويصبحوا قديسين وينيروا درب الايمان لأجيال كثيرة أتت بعدهم ونحن منها. 

ممارسة الصلاة اليومية، تجعلنا أن نختبر قرب الله القدوس منا ومحبته اللامتناهية لنا، وهذا الاختبار يملأ قلبنا فرحا وسلاما ويمنحنا قوة عجيبة للصمود أمام تحديات الحياة ومغريات العالم الكثيرة، كالاستعباد للمال الزائل وإرضاء الشهوات الباطلة والتمسك بالكرسي للحفاظ على السلطة والرئاسة. كذلك، الصلاة المستدامة تذكرنا بأن إصلاح الكنيسة وتقديسها، لا يتم إلا عن طريق القديسين والتاريخ خير شاهد على ذلك. لأن القديسين هم اولئك الذين يوجهون الأنظار الى ذلك الذي لا يرى بعين الجسد، أي إلى من هو جوهري واساسي لحياة كل إنسان. نعم، إن القديسين يرسمون للكنيسة الطريق الذي يجب أن تسلكه كي تكون أمينة على رسالتها المقدسة، والطريق هو: إعطاء الأولوية للصلاة و التبشير بإنجيل الخلاص من خلال شهادة الحياة. يقول الرب: “هكذا فليضئ نوركم للناس، ليروا أعمالكم الصالحة، فيمجدوا أباكم الذي في السماوات” (متى 5/ 16). 

اليوم، هناك التزامات كثيرة ومهمات متعددة تملأ حياتنا اليومية ولا تدع مجالا للصلاة والأستمتاع بالسماع الى كلام الله. يسوع يحذرنا من الانجراف وراء النشاطات والفعاليات التي تقلل من أهمية الصلاة في حياتنا اليومية. هذا ما يقوله لمرتا التي كانت منهمكة بأمور كثيرة: “مرتا، مرتا، إنك في هم وارتباك بأمور كثيرة، مع أنه الحاجة الى واحد، فقد اختارت مريم النصيب الأفضل ولن ينزع منها” (لوقا 10/ 41 – 42). إن النشاطات الكنسية بمختلف أنواعها، الراعوية والروحية والثقافية والأجتماعية والخيرية والإعلامية، إذا لا تكون ثمرة حياة تغذيها الصلاة وتقدسها كلمة الله فهي دون جدوى وعديمة الفائدة، انها تضييع وقت. 

لنطلب من أمنا مريم العذراء، ايقونة القداسة، التي سمعت كلام الله وتأملت به واختبرت قوة الصلاة في حياتها، أن تصلي معنا ولأجلنا كي لا نشك أبدا بأن الله قادر أن يجعل منا قديسين إذا سمحنا له بذلك. “وقال لها الملاك: ما من شيئ يستحيل لدى الله” (لوقا 1/ 37). ان السعي الى القداسة هو من الضروريات التي تفرضها علينا نعمة سر العماد المقدس وليس من الكماليات التي نستطيع أن نستغني عنها. الويل لنا اذا لا نسعى الى القداسة بواسطة الصلاة والاستماع الى كلام الله الحي .

أرجو من الذين يقرأون هذه السطر، أن يصلوا من أجلي كي أعيش ما تبقى لي من الحياة الزمنية بالأيمان والرجاء والمحبة وشهادة الحياة حتى النهاية. مع الشكر ولنبق متحدين بالصلاة رباط المحبة الذي لا ينقطع.

عن patriarchate

شاهد أيضاً

لسنا هنا عبثاً، بل اننا نحمل رسالة المحبة والرجاء والثقة، الهجرة اختيار أم تهرب؟

 لسنا هنا عبثاً، بل اننا نحمل رسالة المحبة والرجاء والثقة الهجرة اختيار أم تهرب؟   الكاردينال لويس روفائيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.