أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / الحلقة الثانية: المكرسة “حاملة الله” بالحب والأمانة على مثال مريم المكرَّسة الاولى

الحلقة الثانية: المكرسة “حاملة الله” بالحب والأمانة على مثال مريم المكرَّسة الاولى

الحلقة الثانية

المكرسة “حاملة الله” بالحب والأمانة على مثال مريم المكرَّسة الاولى

 ننشر الحلقة الثانية التي القاها صاحب الغبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو مساء الثلاثاء 6 كانون الأول 2022 ، على الاخوات الراهبات بنات مريم الكلدانيات وبمشاركة رهبانيات أخرى.

إعلام البطريركية

ملاحظة: اقترحت الأم نِعَم كمورا عقد مؤتمر حول المرأة والمكرسة، ووعدها غبطته بتبني المقترح.

تكريس مريم العذراء البتولي، نموذج برَكة وغِنى للمكرَّسات في الكنيسة والمجتمع، ومثلما حملت مريم” الله -عمانوئيل” هكذا على المكرَّسات ان يحملن “الله” بالحب والأمانة على مثالها.

رموز التكريس ومعانيه

تعني كلمة كرّس فَرَزَ، أي وضعَ الشيءَ على الجانب. المكرّس سواء كان نبيّاً أو كاهناً أو ملكاً “يُمسح بالزيت”، للدلالة على ان الروح يَحلّ عليه، ليتفرغ لتحقيق تصميم الله. وفي الرسامة الكهنوتية عند الكلدان، يقوم الاُسقف بقص خصلةٍ من شعرٍ رأس المرتسم، رمزاً لفرزه للخدمة، وتكريسه للمسيح والكنيسة. فمنذ الآن وصاعداً ليست حياتُهُ مُلكاً له أو لأهله أو لعشيرته، بل هي للمسيح والكنيسة.

في رتبة المجاهرة بالنذور الدائمية، ترتدي المكرَّسة ثوباً خاصاً لفرزها عن عموم المؤمنات، انه بمثابة ثوب عرسها. يدلّ على حبّها وتقدمة ذاتها لله، بالكامل من دون تجزئة ولا خوف. كما ترتدي خاتماً يشير الى إرتباطها الأبدي بالمسيح، وغطاءً للرأس والاسكيم لحجب مفاتنها عن الآخرين، لإبراز تكريسها لله. وتشد زناراً – حزاماً على خصرها علامةَ استعدادها للخدمة. ومسبحة الوردية التي تحملها المكرسة فوق ثوبها، انما لتذكرها بأسرار تدبير الخلاص: (البشارة، الزيارة، الميلاد، التقدمة، وجدان يسوع في الهيكل، صلاة يسوع في بستان الزيتون، الجَلد، التكليل بالشوك، حمل الصليب، الصلب – الموت، القيامة، الصعود، حلول الروح القدس، انتقال مريم الى السماء، وتكليلها) وتشير أيضاً الى أهمية الصلاة في حياتها اليومية. وبنات مريم الكلدانيات يرتدين مداليَّتها أيضاً.

يُشبه الاحتفال بالنذور الدائمية الاحتفال بالعرس. وجهكن ينبغي ان يكون فرحاً ومبتسماً دوماً، وليس عَبوساً أو حزيناً. 

برنامج المكرَّسة

تسعى المكرَّسة لعيش خبرة حميمية لحضور الله (أليس الدير بيت الربّ)؟ يقول المزمور:

فَرِحتُ حينَ قيلَ لي: لِنَذهَبْ إِلى بَيتِ الرَّبّ(مزمور 122/ 1).

تنمو المكرَّسة وترتقي بالصلاة والعبادة والتأمل بكلمة الله والتعلم منه: “وبِشَريعَتِه يُتَمتِمُ نَهارَه ولَيلَه” (مزمور 1/ 2)، وأيضاً من خلال خدمة الإخوة. هكذا تعيش حضوراً متميزاً لله والمسيح وتعكسه على من حولها.

هذا التكريس يجب ان تجدده المكرَّسات يومياً بحماسة مثل صموئيل: “هاءَنذا يا رب ادعوني” (1 صموئيل 3/5)، وليس فقط في يوم النذور، وتعشنه في بيئة عَبِقة بصدى الإنجيل، والروح والنور والسلام والفرح. هذا التكريس الواعي والحُرّ يجعل المكرَّسة تشعر بتناغم لطيف بين الجسدي والمعنوي (المشاعر) والروحي والفكري والإجتماعي والكَنَسي. تناغم هو في نهاية الأمر الحياة الأبدية.

هذا التكريس نعمة من الله وبركة وليس استحقاقاً، ويشكل هوية المكرّسة. على المكرّسة ان تعبّر عنه بالامتنان والرجاء والثقة، كما فعلتْ مريم في سرّ اختيارها والدة يسوع! تذكروا نشيدها” تُعظّم نفسي الرب..” انه نشيد المكرسة بامتياز. من هذا المنطلق يتعين ان يخرج التكريس من عقلية الثواب/ الأجر، لان المكرسة تعترف بان الشركة مع الله هي خيره/ ها المنشود” (مزمور 73/ 23/ 27).

الرسول – الشاهد هو من رأى ولمَسَ وعاشَ وشَهِد. تقول الرسالة الاولى ليوحنا: “ذاك الَّذي كانَ مُنذُ البَدْء، ذاك الَّذي سَمِعناه، ذاك الَّذي رَأَيناهُ بِعَينَينا، ذاكَ الَّذي تَأَمَّلناه، ولَمَسَتْه يَدانا.. نُبَشِّرُكم بِه أَنتم أَيضاً لِتَكونَ لَكَم مُشاركَةٌ معَنا” (1 يوحنا 1/ 1-2).

التكريس اذاً مشروع حياة رائع، سواء على المستوى الإيماني، أم على مستوى الحياة الروحية، خصوصاً في ثقافة اليوم، المليئة بالصراعات الدنيويّة، والاضطرابات التي تفتقر الى الروح والاخلاق والإبداع.

يتجسَّد التكريس بقبول ذاتنا كما هي، وقبول الآخرين من خلال فنّ الانفتاح والرحابة والاحترام والمسامحة، والقدرة على جعلهم جزءً منا، والعيش بتناغم، مما يساعد الجماعة على ان تكون جسداً واحداً one body ، في خيمة الاخوَّة، بمساندة “الحضور الالهي”، وإسهام كل واحدة في بنائه، فيغدو الدير بيتاً عائلياً دافئاً، تشعر كل مكرسة أنه بيتها، وواحة مقدَّسة، تُعَمِّقُ فيها حضور الله والمسيح وتعكِسُه على مَن حولها. ثمة حاجة الى مزيد من الحماسة والحزم. 

نحن إذاً أمام سؤال كبير: كيف نقرأ هذا التكريس وهذه الروحانية في عالم اليوم؟

يعيش الشباب اليوم في ظلّ تغييرات روحيةٍ ودينيةٍ واجتماعيةٍ وتربويّة، وصلتِ إنعطافاتها وتأثيرها الى بلادنا أيضاً، لان العالم غدا قرية رقمية صغيرة.. عليكن ان تبحثن عن كيف تقوّين إيمان الشباب، وثقتهم بالسير نحو المسيح ومعه، من خلال مؤسساتكن كالمدارس والمستشفيات وبيوت الاستقبال والتعليم والرعاية والمرافقة بفرح.  

هذه الشهادة جزءٌ من التكريس كما فعلتْ مريم عندما زارتْ اليصابات وأخبرتها عن “الخبر السار” وربما أخبرت غيرها أيضاً. ثم في الولادة إخبار الرعاة والمجوس.

 الشهادة هي أن نجسّدَ تكريسنا بشكل إنساني وروحي متقدّم، وليس متذبذب، وبقلبٍ منفتح على أبعاد جديدة في تجربة الحُبّ كما فعلتْ مريم العذراء، ومريم أخت لعازر، الجالسة عند قَدَمي يسوع، تسمَع له بشغفِ وتتعلم باندهاش.

يتطلب التكريس الأمانة للعهد، أي ثباتاً في تفاصيل الحياة اليومية وصعوباتها، لتعيش المكرسة سلاماً ينعكس على وجهها. 

الحياة المشتركة علامة نبوية ثريّة 

الحياة المشتركة، هدية من الرب، وعُمقْ العلاقات نعمة تشكّل أنغامها مجتمعة سمفونية الحياة الديرية، وجواً عائلياً بهيجاً وليس حصناً أو سجناً كئيباً!

أنتُنَّ أخوات متنوعات، لكلِّ واحدة منكُنَّ مكانُها ودورها وكرامتها. والعيش في العائلة يتطلب تقديم تضحيات وتنازلات، وصَقل الطِباع والعيش بوئام ومحبة وتآلف. 

خطوط القوة للحياة المشتركة

  1. المحبة غير المشروطة، مثل محبة يسوع.
  2. الصلاة (الشخصية والجماعية) ليست نشاطاً نلزم انفسنا به (سخرة- واجب) وتسمية الصلاة بالفرض خطأ! لان الصلاة تسكن في المكرسة، وتتنفس بها وجوديا، وهي مصدر سلام وطمأنينة وأمان وفرح.
  3. قراءة يومية تأملية لكلمة الله (الكتاب المقدس) التي هي يسوع المسيح “الكلمة” الذي يوجّه الحياة ويوطّد الرجاء” انا الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14/6).
  4. القبول بهشاشة طبيعتنا، والاعتراف بالأخطاء التي تفصلنا عن الله مصدر الحياة والبركة. علينا ان نرحم حتى يرحمنا الله. كلنا نخطأ، من لا يخطأ، إما هو الله لانه كامل، أو هو حمار لانه بليد.
  5. أهمية الإرشاد الشخصي والجماعي وفحص الضمير اليومي.
  6. المشاركة في حياة الكنيسة لانكن جزء منها ولستن خارجا عنها: حضور ومشاركة كثيفة في نشاطاتها، وتشجيع المبادرات الروحية والرسولية لكي يكون المكرَّسون والمكرَّسات قوة تغيير إيجابية في الكنيسة والمجتمع.
  7. الاستقبال بطيبة وسخاء، فتصبح اللقاءات واحة محبة وعلاقة وسلام وفرح قد تجذب دعوات جديدة.
  8. قال البابا فرنسيس للشباب يوم الأحد 20 تشرين الثاني 2022 : “نحتاج إلى شباب يغيّرون العالم مثل مريم، ويحملون يسوع للآخرين، ويعتنون بالآخرين، ويبنون جماعات أخوية مع الآخرين، ويحققون إحلال السلام.

مريم كأم وبتول نموذج للسير نحو ملء الشركة

بتولية مريم اخذت أهمية أكبر بكثير من بتولية يوسف وهو رجل! لانها شخصية واعية وقوية، لكن لا ينبغي أن تقتصرَ صورة مريم على جانب واحد “البتولية“، بل يجب ان تشمل كل جوانب حياتها: هي أم وبتول ورسولة وشاهدة وشفيعة. مثالها وكلماتها القليلة ينبغي ان تمسَ قلبنا وحياتنا، كما مسَّت قلوب المسيحيين في الماضي. هذه الكلمات والمواقف هي “فلاشات” لتقوية إيماننا وثقتنا بالله وترسيخ العلاقات بين اُسرة الدير، ومع الآخرين، والمشاركة بكثير من الحنان والمحبة والاهتمام، والشهادة على حضور الله فينا وبيننا.

 

المكرسات على خُطى مريم العذراء

  1. اُمومتها للمسيح نموذج للامومة الروحية من خلال تلمذة الآخرين. أحيانا يأتيني شخص مسلم ويقول اني ابن الاخت مباركة أو الاخت بنينيا، أو وردة أو فيليب. والايطاليون عندما يرون راهبة يدعونها Madre ، اي أم. هذه الأمومة ليست أقل من الامومة الطبيعية.
  2. طاعتها وثباتها وتحمّلها للصعوبات تساعد على إتباع نداءات الله مهما كان الثمن مُكلفاً. تقدر المكرسة تحويلها الى بركة.
  3. إهتمامها بالآخرين كما فعلتْ بزيارتها لنسيبتها أليصابات (لوقا 1/ 39-45) وفي أزمة عرس قانا (يوحنا 2/ 1-13)، دعوة للمكرسات للاهتمام بالاخوة لاسيما المحتاجين منهم معنويّاً وماديّاً، ولا يمكن ان نغلق الباب بوجههم.
  4. حضورها مع الرسل (الكنيسة) خصوصاً في العنصرة (يوم حلول الروح القدس) نداء للمكرسات الى الالتفاف حول الكنيسة ولعب دورهن فيها كعضوات فاعلات وليس متفرجات.
  5. مريم كانت ولا تزال قناة للحضور الالهي، لها مغزى روحي للكنيسة ولكل واحد منّا، للسير على خطاها بالصمت والاصغاء حتى تدخل كلمات الله الى أعماق روحنا وتنعكس على وجهنا: “وكانَت مَريمُ تَحفَظُ جَميعَ هذهِ الأُمور، وتَتَأَمَّلُه في قَلبِها” (لوقا 2/ 19).

المرأة والكهنوت

 تذكر الاخت جوان شتيستر في كتابها (الإيمان والحياة، ترجمة الاب البير ابونا، اربيل 2013) هذه الحادثة.

في وقت كان أحد الأساقفة الامريكان يدعو مرشحاً للكهنوتية ليتقدم للرسامة، واذا بامراة لابسة ثوباً ابيض وحزاماً أحمر، تتقدم وتصعد الى المذبح وتقول للاُسقف المترئس: “اني مدعوة من الروح القدس لان أتقدم واُرسم أنا أيضاً” فأجابها الاُسقف بحيرة ولطف: “اني أفهم مُعضِلتك، وأفهم ان تكوني مدعوّة، واُقاسمك ألمك، واُصلي الى الله مثلك..” (ص 104). من المؤكد قال لها ان الأمر غير مرتبط به، بل بتعليم الكنيسة الكاثوليكية وقوانينها.

البابا فرنسيس شرح هذه القضية في مقابلة نشرت في مجلة أمريكية America Magazine، يوم الاثنين الموافق 28 تشرين الثاني 2022. يقول البابا: “إنّها مشكلة لاهوتية. أعتقد أننا نبتر كيان الكنيسة إذا نظرنا فقط إلى درب الخدمة الكهنوتيّة. الدرب ليست الخدمة الكهنوتية فقط. الكنيسة هي امرأة. الكنيسة هي العروس. نحن لم نطوّر لاهوتاً للمرأة يعكس هذا الأمر. يمكننا أن نقول إن درب الخدمة الكهنوتيّة هو درب الكنيسة البطرسيّة. وبهذا القول أنا أستخدم تصنيف اللاهوتيين”. 

“هناك مبدأ آخر أكثر أهميّة، لا نتحدّث عنه، وهو المبدأ المريميّ، وهو مبدأ الأنوثة في الكنيسة، والمرأة في الكنيسة، حيث ترى الكنيسة صورتها لأنها امرأة وعروس. لذلك تنعكس كرامة المرأة في هذا الخط”.

“هناك المسار الإداري، الذي ليس أمراً لاهوتيّاً، وإنما أمر إداري بحت. وفي هذا الجانب، أعتقد أنه يجب إعطاء مساحة أكبر للنساء. وهنا، في الفاتيكان، الأماكن التي وضعنا فيها النساء تعمل بشكل أفضل. لذا، فإنّ عدم حصول المرأة على السيامة الكهنوتيّة ليس حرماناً، لأن مكانها هو أهم بكثير، وهذا ما لم نطوره بعد، التعليم المسيحي حول المرأة ينبغي ان يتماشى مع المبدأ المريميّ”.

الكهنوت العام

 على كل حال ثمة الكهنوت العام الذي يشير اليه العهد الجديد وهو مختلف عن الكهنوت الخدمي: “أما انتم فشعب مختار وكهنوت ملوكي” (1 بطرس 2/4، الرؤيا 1/6). هذا الكهنوت يؤكد عضوية المؤمنين الكاملة في الكنيسة ولا يتعارض مطلقاً مع الكهنوت الخدمي وربما حان الوقت لبلورته وتحقيق معانيه.

عن Maher

شاهد أيضاً

مسيحيو الشرق “كنز” ينبغي المحافظة عليهم

مسيحيو الشرق “كنز” ينبغي المحافظة عليهم في ضوء الجمعيّة السينودسيّة القاريّة للكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة 12-18 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.