أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / من الدولة الحارسة للأخلاق إلى الدولة الحارسة للحريات

من الدولة الحارسة للأخلاق إلى الدولة الحارسة للحريات

من الدولة الحارسة للأخلاق إلى الدولة الحارسة للحريات

رشيد سعدي – المغرب :

شهدت الكثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة في السنوات الأخيرة -ولا تزال- نقاشًا اجتماعيًّا حادًّا، وحركية سياسية وحقوقية، بشأن علاقة الدولة بالفضاء العام، وحدود سلطتها فيما يخص الأخلاق العامة أو النظام العام. مِن بين أهم تجليات هذه الحركية الاحتجاج ضد مؤسسات “الرقابة الأخلاقية”، التي تستدعي ذريعة الحفاظ على الأمن الأخلاقي، وحماية “الآداب الشرعية” و”الأخلاق الإسلامية” من الانحرافات، بل تذهب أحيانًا إلى حد إلزام الأفراد ممارسة ما يجري تقديمه على اعتبار أنه “واجب شرعي”، وإظهار “الشعائر الإسلامية”؛ وذلك بناءً على تصور فقهي مغلق عن العفة والفضيلة. في دول المغرب العربي، كما في دول المشرق، نرى مرارًا كيف يحاول الأفراد التحرر من قوانين مبنية على تأويل فقهي سياسي للنصوص الدينية، مثلًا: من خلال رفض إجبارية الصوم، أو التزام “اللباس الشرعي” في الفضاء العام.

تكشف تلك القوانين، وبدرجات مختلفة، نوعًا من الشمولية أو الكلِّيَّانيّة السياسية، حيث تسعى الدولة انطلاقًا من عقيدة دينية مبنية على نظرية الحق الإلهي، للسيطرة على كل مناحي الحياة، ويَدخل فيها الفردية، واكتساح مساحات الحريات الفردية والشخصية، وحرية التفكير والتعبير والفن. أيضًا تعمل هذه الشمولية الدينية على خلق مماهاة بين الدولة والمجتمع، وتحُول دون نشأة مجتمع مدني حقيقي يتداول الشأن العام. فيتحول المواطنون إلى مجرد رعايا تمتلكهم الدولة، وتستتبعهم المؤسسات الدينية. تنبني قوانين كهذه على تصور عن الإسلام، بوصفه دينًا شاملًا لكل مناحي الحياة، وهو تصور قد يسعى لِـ”أسلمة” الحياة العامة بالإكراه، وفرض تأويل ديني واحد، ومن ثم قمع الحريات، والتمييز بين المواطنين على أساس العقيدة.

تسعى مؤسسات الرقابة الأخلاقية إلى التحكم في سلوكات المواطنين، من خلال الهيمنة على الفضاء العام، الذي من المفترض فيه أن يكون متاحًا لكل المواطنين والمواطنات، ويجري الخلط بين مفهوم المرجعية الأخلاقية الفقهية والنظام العام الذي يفترض حيادًا دينيًّا للدولة. ويمكن القول: إن فرض تصور ديني وفقهي على مجتمع بكامله، دون استشارته أو التعاقد معه، ليس أمرًا مفارقًا لروح العصور الحديثة فقط، بل حتى لروح الدين ومبدأ الفضيلة نفسها. فكل مؤسسات “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” متهافتة برأيي، لأن السلوك الأخلاقي لا يكتسب قيمته إلا من كونه نابعًا من الإيمان القلبي والالتزام الداخلي.

تكشف هذه الاحتجاجات، حتى في أكثر الدول محافَظةً، عن دخول تدريجي في مرحلة فك الارتباط بين الدين -بوصفه خيارًا فرديًّا- والدين بوصفه أيديولوجية دينية قانونية تسعى لفرض تصور فقهي أو عَقَدِي معيَّن. أيضًا تُسائل الاحتجاجاتُ عن قدرة الفكر الديني عبر مؤسساته عن خلق ترابط إيجابي بين الدين ومنظومة حقوق الإنسان، من خلال تحرير القوانين من هيمنة الدوغما الدينية، والقراءات الفقهية التي تدَّعي امتلاك الحقيقة حول معنى النصوص المؤسسة ومقاصدها.

أعتقد أن هذه الاحتجاجات تُعبِّر عن رفض جماعات مجتمعية لأن تكون الشريعة ذريعة لتقويض الحريات الأساسية المتعارفة دوليًّا، وعن انتقال تدريجي من مقولة تبريرية، وهي الخصوصية، نحو مقولة الكونية المرتكزة على الحرية، بوصفها شرطًا أساسيًّا لكرامة الإنسان، وكونه قيمة في حد ذاته.

أصبح من الضروري إحداث تحول ثقافي وقانوني عميق، من خلال التمييز بين الأخلاق الفردية التي قد تنبني على الإيمان الديني، والأخلاق المدنية المبنية على التعاقد الاجتماعي. فإذا كان الدين يمكن أن يشكل مصدرًا للأخلاق، فإنه لا يشمل الأخلاق في كليتها. من الواضح أن الأخلاق المدنية تفترض وجود نظام قانوني وسياسي مبني على مبدأ التعددية، بدل النظام الشمولي المعتمد على قراءة فقهية تتحول إلى أيديولوجية سياسية تسيِّج الحريات والتأويلات، وتفرض العقيدة الواحدة. لهذا، لا يمكن للنصوص الدينية وتأويلاتها الفقهية أن تكون المرجعية الأساسية والأولى للأخلاق المدنية؛ إذ الأخلاق الدينية نفسها تخضع لقانون التغير والنسبية. فما كان أخلاقيًّا في سياق تاريخي، قد يصبح لاأخلاقيًّا في سياق آخر.

لا شك أنه من حق كل فرد، أن يعتقد أن سلوكه الأخلاقي هو الطريق إلى الخلاص وصلاح المجتمع. لكن المجتمع الفاضل أو الصالح، هو المجتمع الذي يستطيع فيه كل الأفراد أن يعيشوا تصورهم عن الصلاح الأخلاقي، من خلال نظام قانوني يرعى حقوق جميع الأفراد، بصفتهم مواطنين ومواطنات يَحظَون بنفس القدر من الكرامة. هكذا، تُحقق الأخلاق المدنية أو الاجتماعية مبدأ أسبقية المصلحة العامة على المصالح الخاصة، ثم إن القاعدة الأخلاقية الذهبية تؤكد ألَّا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا.

وإلى من يعتقدون أن من حقهم أن يفرضوا نظامًا أخلاقيًّا على الجميع، لأنه ذو مصدر إلهي لا يقبل النقاش، نقول: إن البشر ليسوا أدوات نفرض من خلالهم إرادة الله، بل إنهم غاية الأخلاق نفسها.

عن Maher

شاهد أيضاً

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة الاب أدّي بابكا راعي كنيسة مار أدّي الرسول في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.