أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / البابا بندكتس السادس عشر، حارس العقيدة الكاثوليكية ورجل الحوار بين الإيمان والعقل

البابا بندكتس السادس عشر، حارس العقيدة الكاثوليكية ورجل الحوار بين الإيمان والعقل

 

البابا بندكتس السادس عشر، حارس العقيدة الكاثوليكية ورجل الحوار بين الإيمان والعقل

لويس إقليمس

بغداد، في 2 كانون ثاني 2023

بوفاة البابا الفخري بندكتس السادس عشر (265 في تسلسل بابوات روما) بعمر يناهز 95 عامًا، مساء السبت 31 كانون أول 2022، تكون الكنيسة الكاثوليكية قد فقدت واحدًا من أعمدتها وفلاسفتها ولاهوتيّيها. فقد حمل بحقّ، راية حراسة العقيدة المسيحية الكاثوليكية بفضل رسوخ علومه وثقافته العميقة في بحور اللاهوت والفلسفة التي حفظت وحافظت على نقاوة التعليم المسيحي من النشوز والانجراف خلف التبريرات المعاصرة لنفرٍ من الليبراليين غير الأمناء على العقيدة والدين والأتباع. ويكفي أن يلخص خلفُه البابا فرنسيس مسيرة سلفه الذي ضرب أروع مثلٍ نادرٍ حين تخلّيه عن الكرسي البابوي بملء إرادته في 2013 بوصفه بصفتين راقيتين يستحقهما بجدارة: “إنسانٌ نبيل ولطيف جدًا عمل وضحى من أجل خير الكنيسة”. وهذه شهادة باحتفاظ البابا الراحل بقدرته على حفظ التوازن بين العقل والإيمان، بين الروحانيات والماديات في ظل اشكال المحبة المتناهية التي تعكسها العقيدة المسيحية. لذا، ليس بغريبٍ أن تتوالى قرائن المدح بحقه حيال أصعب وأروع قرارٍ لم يتخذه غيرُه من بابوات الفاتيكان منذ قرونٍ عدة. فقد توالت الإشادات الرسمية بحبريته التي امتدت من 2005-2013 في ظلّ ظروفٍ غير اعتيادية حبلى بالمشقات والتراكمات بسبب تباين الآراء حول مسيرة البشرية ودور الكنيسة الكاثوليكية المتمثلة بشخص البابا ونظرته الواقعية إلى الأحداث، ما جعله أحيانًا في مرمى الانتقادات غير المبرّرة حين تطرقه إلى أحداثٍ ووقائع في تبيان حقائق الأمور التاريخية التي لم تخرج عن السياق التاريخي في التحليل والرصد والرؤية وقول كلمة الحق!

لاهوتيٌّ بعمق هذا البابا، أثبتت مسيرتُه رؤيتَه الصائبة في الكثير من الملمّات والمهمّات والملفات التي عالجها منذ بروزه شخصيةً مثقفة حيّة مسلّحة بفلسفة لاهوتية حامية للعقيدة المسيحية الكاثوليكية لغاية تاريخ استقالته في 28 شباط 2013، بسبب تقدمه في السنّ وشعوره بتراجع قواه وعدم مقدرته الاستجابة والتجاوب مع مستجدّات الأحداث العالمية وما تتطلبه من قدرة فائقة وصحة ملموسة في مجابهة التطورات وقيادة دفة الكنيسة تفاديًا لأية عثرة محتملة في الرؤية والمفاهيم التي تتطلب التجدّد والتجديد. وكلّ ما قيل عنه وفيه عمومًا قبل أو بعد مغادرته ارض الفناء إلى دار البقاء، وما ورد من ردود أفعالٍ من شخصيات دولية ودينية واجتماعية لا تخرج عن الإشادة بمواقفه وشخصيته الفذّة في قيادة دفة الكنيسة الكاثوليكية بعيون الراعي الصالح الساهر على حظيرته التي تجاوزت المليار والربع في عديدها في العالم. فهو المعلّم الحريص على تقديم دروس التعليم المسيحي برؤية متجددة تتلخص في استقامة المبادئ التي نهل منها رؤيته الثاقبة للعقيدة الكاثوليكية، بالرغم من اتهامه من جانب بعض الليبراليين والمضطربين لاهوتيًا بكونه لاهوتيًا محافظًا غير راغبٍ بالإصلاح. وقد تمثل ذلك بصورة أخصّ في مؤلفه الكبير من ثلاثة أجزاء خلال فترة حبريته وفيه تحدث وكتب بإسهاب عن حياة “يسوع المسيح الناصري”. وفي هذا المؤلف الضخم يمكن أن يجد كلّ مسيحي ضالته في شخص المسيح مخلّص الكون.

لقد حظي البابا بندكتس باحترام واسع في الوسط المسيحي ومثله في الأوساط الدولية العديد من الآراء اتفقت على صفاته المستقيمة التي تؤيّد الوصف الطيب الذكر لشخصيته العالمية واتسامه بالحرص على كنيسة المسيح ورعاياها ونظرته إلى الأحداث من منطلقة الروح المسيحية المنفتحة إلى الآخر المختلف. وطالما حُسبت له مواقف دولية مشرفة وصادمة حين تطرقه إلى المخاطر العديدة التي تواجهها البشرية في مسائل النسبية والمادية والنزعة الاستهلاكية وآثار الجشع البشري لفئات وجماعات استغلالية للجنس البشري بكافة أشكاله وألوانه. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كبّرَ فيه إجادتَه بجعل “العالم أكثر أخوّةً”. فيما مجّدَ فيه الرئيس الأمريكي، وهو من أتباع الكنيسة الكاثوليكية “تقواه البارزة تجاه كنيسته وسخاءَه حيال البشرية جمعاء”. بينما أشاد المستشار الألماني أولاف شولتز بشخص مواطنه بندكتس السادي عشر بوصفه ب”الشخصية المهمة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية”. فيما لم يخفي مجمع الأساقفة في فرنسا تحيته لقيادته دفةَ الكنيسة نحو الوحدة ومجابهته الشُجاعة لحقيقة بعض الأفعال غير السوية مثل الاعتداءات الجنسية المرتكبة داخلها من رجالات الكنيسة بحرص الأب على مواجهة الحقيقة مهما كانت. بينما وصفه الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي ب”العالم اللاهوتي المرموق والمفكر والداعم للقيم العالمية”، على حدّ تعبيره. من جهته، عبّر ملك إنكلترا شارلز الثالث عن الحزن العميق بوفاة البابا الفخري مذكرًا ب”الجهود المستمرة للبابا الراحل من أجل التقارب بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية من أجل السلام”. أمّ رئيسة وزراء إيطاليا جيورجيا ميلوني، فقد وصفته ب”الرجل العظيم في التاريخ”. وهكذا توالت الإشادات والتوصيفات بحق البابا الراحل، ومنها تعزية رئاسة جمهورية العراق التي أشادت ب”حياة البابا الراحل العامرة بالتطلع والعمل من أجل حياة إنسانية أكثر عدلاً ومحبة وتسامحًا ولطفًا”.

في مثل هذا الحدث الاستثنائي في زمننا المعاصر، الذي يؤكد صحوة الإدارة العليا لرئاسة كنيسة روما وشعورها بالمسؤولية تجاه رعاياها والعالم على السواء، يكون البابا الراحل قد ضرب أروع مثالٍ في الإيثار والتواضع والتنازل عندما انزوى جانبًا لإتاحة الفرصة لخلفٍ آخر تختاره كنيسة المسيح لإكمال المسيرة لما فيه “خير الكنيسة الجامعة”، بحسب وصف قداسته. فلم تشهد الكنيسة الكاثوليكية قطّ مثل هذا الحدث الاستثنائيّ منذ ما ينيف عن ستة قرونٍ بحسب التاريخ. ويكفيه فخرًا واستحقاقًا، حصول قداسته على امتياز بابوي بترؤسِ خلفه البابا فرنسيس المالك سعيدًا جنازةً تليق به، كاثوليكيًا وكنسيًا ودوليًا. فقد اعتادت الكنيسة الكاثوليكية منذ قرون أن تشهد جنازة البابوات التي تجري عادةً قبل انتخاب خليفة للبابا الراحل. وهذا ما جرى عندما فتح البابا بندكتس السادس عشر الطريق لمثل هذا الحدث الاستثنائي غير المسبوق حين تقريره الاستقالة المفاجئة من أعلى منصبٍ كنسي في العالم في الحادي عشر من شباط 2013م ليقوم بابا آخر بترؤس جنازته شخصيًا كأعلى سلطة في الكنيسة الكاثوليكية. فلم يحصل أن سمعنا عبر التاريخ ببابا الفاتيكان يترأس جنازة سلفه. وهذا ما سيحصل يوم الخميس 5 كانون ثاني 2023 القادم.

 

مسيرة حافلة بالعطاء واللاهوت

“جوزيف ألواسيوس راتزنغر”، ولادته كانت في مدينة “ماركتل” بتاريخ 16 نيسان 1927 في مقاطعة بافاريا/ ألمانيا. ينحدر من عائلة مسيحية ممارسة مناهضة للنازية، أخذ منها حُبَّ النهل من العلوم والغيرة والثقافة التي عزّزت من عقيدته الكاثوليكية منذ نعومة أظفاره. كان له شقيق أكبر منه، جورج، دخل هو الآخر سلك الكهنوت وتوفاه الله في 2020 عن عمر 96 عامًا أيضًا. كانت له مواقف شجاعة ضدّ رجال النازية المعادية للكنيسة ما عرّضه للاعتقال لفترة ستة أسابيع في أحد معسكرات الأسرى في بافاريا، بعد أن اضطرّ للانخراط في إحدى وحدات “الرايخ” في الفيلق النمساوي في عام 1941، رغمًا عنه.

تشير معلومات مقربة من الفاتيكان، بأن حياة البابا بندكتس السادس عشر (ويعني اسمُه مبارك)، قد أخذت منحى مغايرًا حينما دخل سلك الكهنوت في عام 1944 وسيم كاهنًا في 29 حزيران 1951. وحينها شغلت المسائل اللاهوتية جلَّ اهتمامه عندما تخصّص في تدريس العقيدة واللاهوت بعمر 31 عامًا في بلده ألمانيا. وبدأت مسيرتُه الكهنوتية تلقى رواجًا بانتشار سمعته، لحين اختياره رئيسًا لأساقفة “ميونخ وفريسنغ” في 25 آذار 1977على يد البابا القديس الراحل بولس السادس الذي وشحه لاحقًا من نفس العام بالقبعة الكاردينالية، وتمكن من فرض عمق ثقافته اللاهوتية وتمسكَه بالعقيدة الكاثوليكية وتعاليمها المستقيمة، ما هيّأ الطريق أمامه لاعتلاء أعلى المسؤوليات في كنيسة روما لاحقًا، ومنها ترؤسه لمجمع العقيدة والإيمان بعد أربع سنواتٍ، وهو من أهمّ المناصب في الفاتيكان، والذي بقي محافظًا عليه حتى انتخابه لرئاسة الكنيسة الكاثوليكية. فبعد وفاة البابا القديس يوحنا بولس الثاني، تغيّرت الأحوال وارتقى الكاردينال “راتزنغر” إلى السدّة البابوية بانتخابه السريع من قبل “الكونكلاف” (مجمع الكرادلة) الذي اختاره لهذه المهمة الصعبة بتاريخ 19 نيسان 2005. وتسلّم مقاليد السدّة البطرسية رسميًا في 24 نيسان 2005 بوضعه “التاج وخاتم الصيّاد” ليكون رئيسًا للكنيسة الكاثوليكية في العالم أجمع وأسقفًا لروما في ذات الوقت.

من أهمّ المحطات التي تُحسب للبابا الراحل خلال عمله في رئاسة مجمع العقيدة والإيمان، فتحه الباب أمام إصلاحات كنسية في فلسفة المفاهيم اللاهوتية والعقيدة ومنح صلاحيات واسعة للأبرشيات انطلاقًا من رؤيته الواقعية للحياة المسيحية وتجاوبها مع العصر وحاجة الإنسان للانفتاح. ومنها تأكيده على احترام التعددية الدينية وفتح حوارات مع سائر الأديان، ولاسيّما اليهودية والإسلامية في أجواءٍ من التفاهم والمحبة والحوار وصولاً للمشتركات بينها وحق البشر في الحريات الدينية. وكانت مساهمتُه في صياغة وثيقة الإرشاد الرسولي الصادر في عام 2000 في عهد حبرية البابا الراحل يوحنا بولس الثاني خير دليلٍ على حرصه لتثبيت دعائم الكنيسة الكاثوليكية وإثبات نقاط التقارب مع غيرها من الكنائس الأخرى والأديان في العالم وانتهاج الحوار سبيلاً للتفاهم بين الأمم والشعوب. كما له آراؤُه المحافظة إزاء مسائل جدلية عديدة مثل “المثلية الجنسية وتحديد النسل والعلاقة الزوجية والجنسية بين الرجل والمرأة التي وصفها بالمقدسة كونها موهبة من الله لا ينبغي استغلالها لأهداف استهلاكية”. وقد تطرّق إلى هذه المسائل في تعليمه وضمن سلسلة الإرشادات الرسولية التي أصدرها في سنوات حبريته. هذا إلى جانب مواضيع أخرى عديدة طبعت رؤيته لواقع حال الكنيسة الكاثوليكية إزاء الأحداث والأمم والشعوب وشكل الإصلاحات والتعديلات المطلوبة في عصرنا المتغيّر. وجلّ هذه التعاليم تصبُّ في سلّة العقيدة المسيحية التي تنهل رؤيتها ومفاهيمها ومبادئها من تعاليم المسيح والإنجيل والرسل وبما يتوافق مع ثقافة الشعوب والدول من دون تشويه للمبادئ الأساسية. ولعلّ الحدث الأهمّ الآخر قبل انتهاء حبريته يتعلّق بسينودس الشرق الأوسط الذي افتتحه قداستُه، في 10 تشرين أول 2010 في الفاتيكان، وضمّ الكنائس الكاثوليكية لدول المنطقة وممثلين عن كنائس أخرى وغيرهم من ممثلي الديانة الإسلامية من سنّة وشيعة. وحينها تم اعتماد اللغة العربية ضمن اللغات الأساسية التي يعتمدها اليوم الكرسي الرسولي.

أمّا عن زياراته الحبرية خارج إيطاليا، فقد زار البابا الراحل عددًا من الدول والتقى المسؤولين الروحيين والرسميين فيها وفقًا لبرامج لا تخلو من الرمزية والدعم الديني لجماعات وكنائس. فقد زار في عام 2005 بلده الأصلي ألمانيا. أعقبها في عام 2006 بزيارة كلّ من بولونيا وإسبانيا وألمانيا ثانيةً وتركيا. وفي عام 2007 شدّ الرحال إلى كلّ من البرازيل والنمسا. فيما توجه في عام 2008 إلى كلّ من الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وفرنسا، أعقبها في 2009 بزيارة الكاميرون وأنغولا والأردن وإسرائيل والتشيك. بعدها في 2010 قصد كلاًّ من مالطا والبرتغال وقبرص والمملكة المتحدة وجدّد زيارة ثانية إلى إسبانيا. وفي 2011 حلّ ضيفًا في كرواتيا وسان مارين وإسبانيا للمرة الثالثة وبينين، لينهي مشواره من الزيارات البابوية قبل تنازله عن الرئاسة الفاتيكانية في عام 2012 إلى كلّ من المكسيك وكوبا خاتمًا إياها بزيارة لبنان التي بدت حينها زيارة رمزية قصد بها التوقيع على الوثيقة النهائية للسينودس الخاص بالشرق الأوسط ولقائه بالشباب. هكذا العظماء يتذكرهم التاريخ!

عن Maher

شاهد أيضاً

Young Iraqi Man Living at the US Reflecting on Gulf Cup 25

Young Iraqi Man Living at the US Reflecting on Gulf Cup 25   Fadi Youkhanna (PhD …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.