أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / التلمذة الحقة ليسوع

التلمذة الحقة ليسوع

التلمذة الحقة ليسوع

+ المطران فيليكس سعيد الشابي / زاخو 2023

تامل في انجيل الاحد الثالث من الدنح

مقدمة:

زمن الدنح، هو زمن ظهور يسوع المسيح الى العالم، في كرازته وتعليمه للناس ولمدة ثلاث سنوات، بحسب ما ذكر في الانجيل. وكلمة “دنح” الارامية تعني: بزوغ وطلوع الضوء. اي ان مجيء المسيح، وولادته وكرازته بيننا هي نور حياتنا. اذ قال الرب يسوع ذاته “انا نور العالم” (يوحنا 8: 12)، ومن يسلك في طريق النور هذا، يصبح هو بدوره ايضا نور للاخرين: “انتم نور العالم” (متى 5: 14). فزمن الدنح اذن هو زمن الاحتفال بنور الرب، به نستنير من نور المسيح، ونحمله في حياتنا، لننير طريق الاخرين، بايماننا، اي بعيش واظهار كلام المسيح فينا.

 

الشرح: تراجع يوحنا وبروز المسيح

          مع ظهور يسوع الى العلن في اليهودية والجليل، حتى يبدأ دور يوحنا المعمذان بالتراجع. لدرجة انه يوصي تلامذته بالسير وراء يسوع “هذا حمل اللـه الذي يرفع خطيئة العالم” (يوحنا 1: 29) و”هوذا حمل اللـه” (يوحنا 1: 36). فهو يشير الى يسوع بانه هو خاتمة الكتاب المقدس وتتمة النبؤات فيسلمه تلاميذه واتباعه الخاصيّن: “فسَمِعَ التِّلْميذانِ كَلامَه، فتَبِعا يسوع” (يوحنا 1: 37).

          كما يتبين من هذا النص، بان اندراوس وشمعون – بطرس، كانا من تلاميذ يوحنا. يبقى الاسم الاخر مجهولا، وهذه صيغة انجيلية، لان يضع كل منا اسمه هناك، فهي دعوة بان نتّبع يسوع في درب الحياة ونصبح تلاميذا له.

 

  • الرهبان الاسينيين:

          هناك من يقول بان يوحنا كان من جماعة “الرهبان الاسينيين”، وهم جماعة من الرهبان المتقشفين الزاهدين في الصحراء، بعيدين عن الناس، ومعتبرين ضد تيار كهنة الهيكل. ويذهب البعض الى الادعاء ايضا بان يسوع نفسه كان قد تعرف او اقترب من هذه الجماعة في فترة حياته المخفية قبل ظهوره للعلن. ما جعل العلاقة بينه وبين يوحنا المعمذان وتلامذته قريبة جدا ومتينة، وهذا قد يعلل سبب اتباع بعض تلاميذ يوحنا المعمذان ليسوع في هذا النص… (راجع كتاب ظل يسوع الجليلي: ترجمة الاب البير ابونا).

 

  • معرفة مسبقة:

هذين التلميذن، احدهما هو اندراوس، يمشيان وراء يسوع، اي يتبعانه، اي يصيران تلميذين له، ولكن الغريب لنا انهم لا يطلبون منه -قولا- ان يتبعوه، ولا هو -يسوع- يطلب منهم -قولا- ان يتبعوه ومع ذلك فهما يتبعانه وهو يقول لهما “تعالا وانظرا”! هذا يدل على المعرفة السابقة ببعضهم البعض. وقد نتسائل: وكيف ذلك؟

أ- صلة القرابة الدموية مع يوحنا المعمذان: فيسوع ويوحنا المعمذان كانا من الاقارب، فمريم العذراء والدة يسوع، هي نسيبة اليشباع والدة يوحنا المعمذان “وها ان نسيبتك اليشباع حبلى ايضا” (لوقا 1: 36).

ب- القرابة الدموية مع ابني زبدي، شريكي بطرس واندراوس في العمل: كانا الاخوين يعقوب ويوحنا شريكين لبطرس واندراوس في شركة صيد السمك. فهم يعملون معا. وهكذا تعرف يسوع اكثر اليهم من خلال ابني زبدي، والذين هم ايضا من اقرباء يسوع، حيث ان والدتهم هي نسيبة العذراء مريم، وهذا ما سيجعلها لاحقا تطلب بدالة من يسوع ان يهتم اكثر بابنيها ويعطي لهم مناصب هامة في ملكوته (متى 20:20) الامر الذي يرفضه يسوع بتاتا. 

ج – معرفة مناطقية من الجليل: كان اندراوس وسمعان اخيه من بيت صيدا في الجليل وكان يسوع من ناصرة الجليل، وكان بطرس يسكن في كفرناحوم- الجليل، وهناك شفى حماة بطرس (لوقا 4: 38). وستدعى “مدينته” لكثرة تردد يسوع اليها، خاصة بعد حادث التصادم في مجمع الناصرة (لوقا 4: 29).

 

– بحر الجليل:

منطقة كانت تضم حوالي 200 مدينة وقرية في ايام المسيح، كل مدينة تحوي معدل 15000 نسمة، وبالتالي حوالي 2 الى 3 مليون نسمة كانوا يعيشون في الجليل، وكانت في منطقة في شمال فلسطين، وتقسم الى جليلين: العليا، وفيها جبال بعلو 4000م، والسفلى، وعلوها حوالي 1000م الى مستوى ساحل البحر… (راجع المقال الالكتروني بالانكليزية Sea of Galilee Area in the Time of Christ ).    

 

– تباعة واعلان لهوية المسيح:

هنا يدعو يسوع التلميذين ليريهما اين يقيم “تعلا وانظرا” (يوحنا 1: 39)! يذهب التلميذان وراء يسوع في حوالي الساعة (10 اليونانية اي 4 عصرا في توقيتنا الحالي). ثم يقضيان باقي النهار مع يسوع، ويبيتون عنده، ثم من الغداة باكرا يستيقض اندرواس ويذهب على عجل ليخبر اولا اخيه الاكبر منه بطرس بخبر جلل وهام جدا: “وجدنا المسيح” (يوحنا 1: 41)! وهذا الخبر يكرره بعد قليل فيلبس على نثنائيل: “الَّذي كَتَبَ في شأنِه موسى في الشَّرِيعَةِ وذَكَرَه الأنبِياء، وَجَدْناه” (يوحنا 1: 45). فيدعونه بعدئذ نثنائيل: ” راِّيي، أَنتَ ابنُ الله، أَنتَ مَلِكُ إِسرائيل” (يوحنا 1: 49)!

 

– كيف امنوا بيسوع فورا؟

مع بداية حياة يسوع العلنية، لا يضيع يسوع الوقت في الاكل والنوم والراحة، بل يباشر فورا باختيار التلاميذ، ثم التعليم، ثم عمل المعجزات المختلفة، واجراء الشفاءات الكثيرة واطعام الفقراء… فيسوع يطبق ما قرأه في مجمع الناصرة الذي اخرج منه، من سفر اشعيا في بشارته فعلا: ” لِأُبَشِّرَ الفُقَراء، وأَرسَلَني لأُعلِنَ لِلمَأسورينَ تَخلِيَةَ سَبيلِهم، ولِلعُميانِ عَودَةَ البصَرِ إِلَيهِم، وأُفَرِّجَ عنِ الـمَظلومين، وأُعلِنَ سَنَةَ رِضاً عِندَ الرَّبّ” (لوقا 4: 18-19).

فمن رؤية التلاميذ لهذه الاعمال العجائبية وهذا التعليم الفريد الذي ترافقه الاعمال العجائبية، امنوا فعلا بانهم وجدوا غايتهم ومبتغاهم التي كانوا يبحثون عنها بشغف وهم يتتلمذون لدى يوحنا المعمذان.

 

الخاتمة: تلاميذ يسوع الحقيقيين اليوم

          لطالما كانت الكنيسة ولا تزال حاملة شعلة البشارة بانجيل المسيح. انجيل الخير والمحبة والسلام، والدفاع عن الفقراء والمظلومين، وخادمة المرضى والمحزونين والمكسورين… وهذا ليس فعلا اختياريا او فضلا منها بل هو احد اهم واول واجباتها التي كرست لاجله، عملا بمقولة بولس الرسول “والويل لي ان لم ابشر” (1كور 9: 16). هكذا تعكس الكنيسة تلمذتها لانجيل المسيح من خلال خدمتها المتفانية للمجتمع والانسان. على الكنيسة واولادها اعطاء الشهادة الصالحة والابتعاد عن المعاصي والشرور املا في نيل رحمة اللـه وعطفه وخلاصه…

وكما قال البابا فرنسيس في خطابه يوم امس السبت في احدى مقابلاته العامة: “قد تكفي احيانا كلمة للتسبب في جرح او قتل اخ او اخت” ودعا الى الى التفكير في قضية تشويه سمعة الاخرين من خلال الثرثرة على سبيل المثال… علينا ان نكون اذن قوة للسلام والمحبة في المجتمع. نساهم في حل النزاعات بسكل سلمي لا تاجيجها، مركزين على اسناد ودعم عمل الخير العام، وبالخصوص تجاه من هم بلا حماية (من خطاب البابا فرنسيس مع الاتحاد الايطالي لمشوهي الخدمة 21 كانون2، 2023).

عن Maher

شاهد أيضاً

Young Iraqi Man Living at the US Reflecting on Gulf Cup 25

Young Iraqi Man Living at the US Reflecting on Gulf Cup 25   Fadi Youkhanna (PhD …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.