أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الحبّ الإلهي وتوبة الخاطىء تأمّل في إنجيل الأحد الثاني من الرسل (عيد الثالوث الأقدس)

الحبّ الإلهي وتوبة الخاطىء تأمّل في إنجيل الأحد الثاني من الرسل (عيد الثالوث الأقدس)

يُروى عن الشاعر الألماني رنكله , بأنّه كان يلتقي كلّ يوم بفتاة متسولة , وكان الناس يتصدقون عليها نقوداً , ويتركونها وشأنها ويذهبون. وفي أحد الأيام , قرر رنكله , أن يقدّم لها وردةً حمراء ويبتسم , فبادلته الابتسامة وذهبت ولم تعد إلى التسول لمدة أسبوع كامل , وذلك لأنها أحست بفعل حبّ مبادر , لمس قلبها فجعلها تختبر شيئاً جديداً.
هذا الحبّ الإنساني من رنكله تجاه الفتاة الفقيرة المتسولة, مصدره محبّة إلهيّة ثالوثيّة متبادلة , تحياها الأقانيم الثلاثة في التنوع والتواصل والوحدة , وقد ظهر هذا الحبّ الكياني الداخلي عبر تاريخ التدبير الخلاصي. ويتجلّى هذا الحبّ في علاقة تبادلية تواصليّة شخصيّة بين الله والإنسان , ولذلك هنالك من يفهم ذلك , فيعرف أن يستقبل حبّ الله ولوكان خاطئاً خارجاً عن حظيرة الراعي الصالح , وهناك من يرفض هذا الحبّ ولوكان داخل الحظيرة , لأنّه يظن نفسه باراً منزّها عن الخطيئة , لابل دياناً للآخرين.
إنّ الفريسيّة الدينيّة الرافضة لحبّ الله , المعيقة لمشروعه الخلاصي الغفراني , والمرتدية لأقنعة التدين والتقوى والتصدّق , تحيط بنا من كلّ جانب , فنقرأ ونسمع تعاليمها وخطاباتها , ونرى استغلالها للناس واستكبارها وتبجحها وإدعاءاتها. الله لايريد برارة مقنّعة وأحكاماً قاسية , تدين الآخرين , بل يريد إنساناً شفافاً , يقبل ذاته بضعفها وبخطيئتها , فيعلن حاجته لحبٍ إلهي غافر , يحرره من عزلته ومستنقعه.
إنّ المرأة الزانية الخاطئة المرفوضة اجتماعياً والمدانة دينياً والمعذبة نفسيّاً , جاءت إلى بيت سمعان الفريسي متحدية كل الأحكام والانتقادات والادانات , لأنها علمت بحضورٍ شخصٍ, يبحث عن الضالين والخطأة , ويريد أن يأتي إلى قلوبهم , فيسكنها ويغيرها , فيخلق أشخاصاً جدداً ,يتركون عالم الحبّ المزيف وشهواته وأوثانه , ويتواصلون مع عالم المحبّة الإلهيّة. لقد أتت المرأة بجسدٍ , كان يُستخدم للإغراء والشهوة والمتعة ,فأصبح مسكناً لحبٍ طاهر.. لقد بلّت قدمي يسوع ومسحتهما بشعرها , علامةً على رغبتها باستضافة يسوع في حياتها وقلبها. وقد قبّلت قدميه , فأعلنت رباطها وارتباطها بحياة يسوع ومشروعه لها. ومن ثم دهنت قدميه بالطيب , لتقرر حرّة ,أن تعطي جسدها وعقلها وكلّ حياتها لحياة جديدة بسخاء.
ولكن ما أظهرته المرأة الخاطئة من حبٍ صادق عفوي ليسوع , قابله يسوع بحبٍ خلاصي غافر, فاستقبلها ولم يحكم عليها ولم يدينها كما فعل الفريسيّ , ومثلما نحن نفعل مع من يرفضهم المجتمع , وينظر إليهم بازدراء عدد كبير من أبناء الكنيسة.. هل نستطيع ان نتعامل بلا أحكام وبلا إدانة مع المدمنين على المخدرات او المومسات اوالمجرمين أو..؟ ولم يكتف يسوع بذلك , بل غفر خطاياها , فشفاها من مرض الخطيئة وجروحاتها.. إنّ الخطيئة تسبب جروحات عميقة مؤلمة , فنحتاج إلى لمسات حبٍ شافية ,ولانحتاج إلى نصائح وتوجيهات وأحكام قاسية , تعمّق الجروحات.. هل نستطيع أن نغفر للخطأة , وهل نقود الناس ليعرفوا أن يغفروا للآخرين؟
إنّ محبّة يسوع الغافرة, قادت المرأة إلى خلاصها , فأصبحت ابنة جديدة ؛ لقد تحولت إلى علامة شاهدة لمحبّة الله ورحمته وغفرانه , فأصبحت قادرة أن تشهد لحضوره الخلاصي في قلب حياة البشر, لاسيما البشرالمنحدرين في وادي الخطيئة والموت الروحي , او الواقفين على قمة جبل الكبرياء والتبجح بالبرارة والطهارة.. الله يريد قلباً مستقبلاً لحبّه ولغفرانه, فهل استقبلت لمسات حبٍ إلهيّة غفرانيّة في حياتي؟ وهل لدي القدرة بأن أحبّ وأغفر للآخرين لاسيما لمن هم علناً خطأة ؟

عن Yousif

شاهد أيضاً

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة الاب أدّي بابكا راعي كنيسة مار أدّي الرسول في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.