أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الإفخارستيّا تصنع الكنيسة، الكنيسة تصنع الإفخارستيّا

الإفخارستيّا تصنع الكنيسة، الكنيسة تصنع الإفخارستيّا

يوم خميس الاسرار أسس يسوع سر الكهنوت والافخارستيا وهنا تأسست الكنيسة والتي بدورها أسست الافخارستيا، الكنيسة هي جسد المسيح الذي بواسطتها يستمر بحضوره معنا. ولكي نفهم ذلك فهو من المفيد أن نقارن تأثير الافخارستيا بتأثير الاسرار الأخرى.
في الأسرار الأخرى نتّحد بيسوع بفضل النعمة الخاصّة بكلّ سرّ. سرّ المعموديّة مثلاً، يغسل الإنسان من الخطيئة الأصليّة وسائر الخطايا، لذا فهو سرّ الولادة الجديدة. سرّ الزواج يعطي النعمة كي نعيش متّحدين بيسوع في الحياة الزوجيّة، ولكن ما تفعله الافخارستيا فهو مختلف إذ فيها نحصل على يسوع بالذات لأنه هو بذاته يأتي عندنا.
وماذا يفعل يسوع فينا؟ وهذا أمر عظيم: إنّه يحوّلنا إليه، إنه أمر رائع. يقول القدّيس توما الأكويني: “تأثير الإفخارستّيّا الخاصّ هو تحويل الإنسان إلى إله”: أي تأليه الإنسان.
ووثيقة “نور الأمم” تقول: “إنّ المشاركة بجسد ودم المسيح لا تفعل شيئاً سوى أن تحوّلنا إلى ما نتناوله”. (ليون الكبير).
مع الإفخارستّيّا لا يحدث كما مع طعام المائدة الذي يتحوّل إلينا، إنّه أمر آخر، بل العكس: نحن نصبح هو كما يقول القدّيس ألبرتو الكبير، في كلّ مرّة يتّحد شيئان، ينتصر الأقوى، القويّ يحوّل الأضعف إلى ما هو عليه، وبالتالي بما أنّ هذا الطعام يمتلك قوّة أكبر من أولئك الذين يتناولونه، فهو يحوّل الذين يتناولونه إلى ذاته، إلى يسوع.
آباء وملافنة الكنيسة يتكلّمون عن ذلك بوضوح: “بصورة الخبز يُعطى لك الجسد وبصورة النبيذ يُعطى لك الدم كي تصبح بمشاركتك بدم وجسد المسيح جسداً واحداً ودماً واحداً معه” (كيريلّس الاورشليمي).
وألبيرتو الكبير يقول: “نصبح… عظاماً من عظامه، لحماً من لحمه، عضواً من أعضائه”.
لا يحدث اتّحاداً جسديّاً، بل اتّحاد شخصنا بجسد المسيح الممجّد- الحاضر في الإفخارستيّا- . نحن من جسد واحد معه حقّاً، ولكن بمعنى جديد سرّي. إنّه أمر عظيم!
لكنّ الإفخارستيّا لا تُنتج فقط تحوّل كلّ فرد مسيحيّ إلى المسيح، بل، كسرّ وحدة حقيقيّ، تُنتج الوحدة بين البشر، الشَرِكة بين الإخوة، إخوة في يسوع وإخوة لبعضنا البعض؛ عائلة أبناء الله.
من خلال الإفخارستيّا يوحّد يسوع المسيحيّين بذاته وبين بعضهم البعض في جسد واحد، وهكذا يعطي الحياة للكنيسة في جوهرها الأعمق، حيث هي كلّها محبّة، وحدة، جسد المسيح.
الإفخارستيّا تصنع الكنيسة حقّاً. هذه هي الاعجوبة التي تصنعها.
نحن نتصرّف مثل يسوع إذ نعيش التطويبات.
إن ثمار الإفخارستيّا تتحقّق بشروط معيّنة نتعلّمها في التعليم المسيحيّ، والتي كان يعرفها جيّداً المسيحيّون الأوائل ويطبّقونها.
من المنطقيّ أنّ الذي يستطيع أن يتناول القربان ويأمل بالحصول على تلك النتائج والثمار هو: من يؤمن بيسوع المسيح وبتعاليمه، ويكون معمّداً، ويؤمن حقاً بما تصنعه الإفخارستيّا، ويتوب ويعترف بخطاياه، ولديه النيّة بأن يعيش وفق ما يوصي به يسوع.
ثمّ يجب أن يتصالح مع إخوته الذين لا يعيشون بسلام فيما بينهم، لأنّ يسوع قال بوضوح: “إذا كنت تقدّم قربانَك على المذبح، وتذكّرت هناك أنّ لأخيك شيئاً عليك، اترك قربانك واذهب وصالح أخاك أوّلاً ثمّ ارجع وقدّم قربانك”. (متّى 5/23- 24).
وكذلك يستطيع أن يتناول الإفخارستيّا من هو بوحدة تامّة مع الكنيسة، ومع الأسقف، إذ حيث يكون الأسقف هناك الكنيسة. وفي النهاية يستطيع التناول من لديه الرغبة بذلك الاتّحاد بالمسيح وبالإخوة الذي تحقّقه الإفخارستيّا.
ولكن إذا كان هناك شروط لتعطي الإفخارستيّا كلّ هذه الثمار، أي أن تحولّنا إلى يسوع، ونحن جميعنا إلى جسد واحد، الذي هو الكنيسة، ولكي تبقى هذه الثمار علينا أن نتصرف تصرّفاً معيّناً فنتساءل: إلى ماذا تحوّلنا الإفخارستيّا؟ تحوّلنا إلى المسيح. فإذاً ماذا نصبح؟ نصبح يسوع. وكيف علينا أن نتصرّف إذاً؟ نتصرف مثل يسوع. يسوع يمكنه أن يعيش فقط كيسوع. مشاعره، طريقة تفكيره، نظرته للأمور يجب أن تصبح طريقتنا ونظرتنا.
على سبيل المثال يقول يسوع: “طوبى” للمتألّم، للباكي، لأنّ يسوع يفكّر بأنّ ألمنا، إذا وحّدناه بألمه، يصبح ينبوع فرح منذ الآن على هذه الأرض، وهو من دون شكّ ضمانة للفرح المستقبليّ. يسوع يفكّر هكذا حتّى وإن كان العالم من حولنا لا يفكّر هكذا إطلاقاً، نحن المسيحيّون علينا أن نفعل ذلك، وإلاّ سنفقد هذا الثمر. في عالم يفتّش عن السعادة مهما كلّف الثمن، في الإباحيّة، والمخدّرات، هذا العالم الذي نعرفه جيّداً، نحن المسيحيون علينا أن نشهد بأنّه يمكن أن نكون سعداء بين الدموع أيضاً، وأنّ كلّ ما يسمّيه الآخرون مصيبة وبليّة يمكنه أن يصبح في منظار المسيح، سبب فرح عميق، نقيّ وخصب.
يسوع يدعو أيضاً “طوباويّين” الفقراء بالروح أي الذين تجرّدوا عن أمور هذه الأرض، فيضيف أنّ “لهم ملكوت السماوات”. علينا أن نقول ذلك نحن أيضاً. في عالم كعالمنا حيث تتوغّل الاستهلاكيّة في كلّ مكان، مثل هواء سامّ، حيث المادّيّة تج

مّد القلوب في الرغبة الساخطة بالرفاهيّة الأرضيّة فقط. في عالم كهذا، علينا أن نسير عكس التيّار ونحافظ على قلبنا متجرّداً من كلّ شيء.
ويسوع مقتنع أيضاً بأنّ أنقياء القلوب هم “طوباويّون”. الطهارة! ولكن من يتكلّم اليوم عن الطهارة؟ لا يتكلّمون عنها وينسونها لأنّها تحرق، وهذا لا يعفينا من عيشها بعمق وبالملء. المسيحيّ مدعوّ لأنّ يرى الله: “طوبى للأطهار لأنّهم يرون الله” هذا هو مستقبله الرائع. كمَن يريد أن يصل إلى هدف سامي، لا يقيس الجهود، ولا يخاف من أن يتدرّب، هكذا المسيحيّ لا يجب أن يقيس الجهد الذي يمكن أن تكلّفه الطهارة.
ويؤكّد يسوع أيضاً: “طوبى لفاعلي السلام، لأنّهم أبناء الله يُدعون” (متّى 5، 9)!”. إذا أردنا أن يكون تحوّلنا إلى المسيح بفضل الإفخارستيّا مستمرّاً، علينا أن نختبر هذه الطوبى أيضاً.
نحن في عصر التوتّرات، في العائلة، بين الأجيال، بين الفئات الاجتماعية، بين البلدان، والتوتّر بين الشرق والغرب، بين الشمال والجنوب، وفي بعض البلدان بين الأغنياء والفقراء؛ نشاهد يوماً بعد يوم أعمال عنف، وحوادث إرهاب؛ وهناك بؤر حرب مشتعلة. ونرى السلام مهدّداً كلّ يوم في العالم، وإمكان حدوث كارثة شاملة لم يعد مستحيلاً. ووسائل الإعلام غالباً ما تضيف توتّراً إلى هذا الجو. فعلى كلّ واحد منّا أن يكون فاعل سلام. ولكن كيف؟
قبل كلّ شيء حين يظهر القلق، ويهزّنا العنف، علينا أن نضع أوّلاً السلام في داخلنا ونحافظ عليه؛ ومن ثمّ نضعه في الخارج، في عائلاتنا، في عملنا، في لقاءاتنا مع الأصدقاء، في المدارس، في الطريق، حيث هناك حاجة. فكل روح مضطربة فقدت السلام هي بؤرة عنف مشتعلة لا نعرف حتّى نتيجتها.
يسوع يريدنا رحماء، نسامح كي نُسامَح: “طوبى للرحماء لأنّهم سيُرحمون” (متّى 5، 7).
إنّ ثمرة الإفخارستيّا الرائعة، التي تَحَوُّلُنا إلى المسيح، تتطلّب بأن نعيش كلّ تعاليمه التي أعطانا إيّاها العهد الجديد وشرحتها الكنيسة وطبّقتها، الكنيسة التي أسّسها يسوع كي تكون تكملة له. هذه التعاليم هي كثيرة وصعبة خاصة في عالمنا هذا، ولكن هناك كلمة تلخصها كلها: أن نحب، نحب الله والقريب هذا ما يقوله الكتاب المقدس ويؤكده القدّيسون بأننا في المحبة نجد كل الفضائل، وكل شيء يصبح سهلاً في علاقاتنا وفي تحقيق وصايا الله، لذلك علينا أن نبدأ بمحبة الجميع.
إن الافخارستيا تجعلنا واحداً في ما بيننا نحن المسيحيّين، وتجعلنا نعيش الكنيسة: الإفخارستيّا تصنع الكنيسة. ولكي يستمرّ هذا الواقع الرائع بأن نكون جسد المسيح، كنيسة، عائلة الله، علينا أن نقوم بما يترتّب علينا.
كلّ عائلة لديها متطلّباتها، ولديها قوانينها. على سبيل المثال: ما يميّز العائلة الطبيعيّة، العائلة الجيّدة على هذه الأرض، تتميّز بأنّ أفرادها يعيشون معاً. أفراد العائلة: الأب، الأمّ، الأبناء، الأجداد يعيشون تحت سقف واحد، وهذه ميزتها. ثمّ إنّ حياة العائلة المشتركة تظهر في أوقات معيّنة، حين يجلس الجميع مثلاً حول مائدة الطعام. في كلّ عائلة رغم أنّ كلّ فرد لديه أغراض صغيرة شخصيّة، عمليّاً يكون كلّ شيء مشتركاً بين الجميع.
إنّ ألم كلّ فرد تشعر به العائلة كلّها. كلّ فرد يهتمّ، يساعد، يقتصد من أجل الآخر. هناك من يسهر الليالي أمام مريض، ومن يعمل ساعات إضافيّة ليكمّل معاشاً غير كاف، إلخ.
ثمّ إنّ فرح أحد الأفراد يكون فرح الجميع. يَسعَدون لنجاح، أو لزواج، أو لعيد ميلاد أحدهم… وفي العائلة الجيّدة، تعاليم الأهل الحكيمة تصبح معايير للحياة. نعم، في كلّ عائلة – كما أوجدها الربّ – هناك تضامن، ومحبّة متبادلة، هناك تفهّم، ومشاركة.
هكذا عائلة أبناء الله لديها ميزاتها الخاصّة. فهل نجد اليوم نموذجاً، أقرب ما يكون لفكر الله يطابق هذه العائلة التي أسسها في هذا العالم؟ إنه لايوجد نموذج أفضل من نموذج الجماعات المسيحيّة الأولى. فيها خصائص أربعة تميّزها وهي: المحبّة المتبادلة، المشاركة بالخيرات، الصلاة وكسر الخبز حول مائدة الإفخارستيّا، والإصغاء إلى الكلمة من فم الرسل.
نحن المسيحيون، مدعوّون اليوم بمختلف الطرق إلى إعادة تحقيق هذا الاختبار في كلّ شكل من أشكال الحياة الجماعيّة، في جماعاتنا الكنسيّة، والرعويّة، والأبرشيّة.
ولكن ما هو الأساس الوحيد الذي منه تنبع تلك التصرّفات الأربعة المميّزة لدى الجماعات المسيحيّة الأولى؟
كما أنّ لحياة العائلة الطبيعيّة تعابير مختلفة، ولكنّها جميعاً نتيجة المحبّة المتبادلة التي تربط معاً الأفراد، وهي روح العائلة، الإسمنت الذي يربط العائلة، هكذا الأمر بالنسبة لعائلة أبناء الله.
إن المحبّة المتبادلة هي سرّ الحياة المسيحية لأنها تعلم المؤمنين أن يحبوا في علاقاتهم الاجتماعية وهذا ما تعلمه الافخارستيا ايضاً.
ولكن إلى من ننظر كي نعرف أن نحبّ؟ إن الافخارستيا التي توحدنا هي النموذج الوحيد الذي بموجبه يتصرف المسيحي ليحب حقاً. خبرة حضور المسيح في الافخارستيا هي برهان ثابت في مختلف انحاء العالم حيث توجد اديان وثقافات ولغات مختلفة وهو حاضرٌ في اية كنيسة صغيرة كما

هو موجود في الكنائس الكبيرة وفي الكاتدرائيات. يسوع هو هناك بكل محبته، بكلّيته من اجل كل البشر، من اجل كل إنسان، ومن هذا نتعلم أن البشر حقاً متساوون جميعاً، كلهم إخوة، كلهم يمكنهم أن يتبعوه، كلهم مرشحون ليكونوا في جسده السري، يسوع لا يفضّل ولا يميّز اشخاصاً على أخرين. إنه يجعلنا ننفتح على الأخّوة العالمية. يسوع الإفخارستيّا إذاً بمجرّد وجوده، يمكنه أن يقول لنا إلى أيّ مدى يجب أن تصل محبّتنا.
ولكنّ يسوع الإفخارستيّا يعلّمنا أيضاً طريقة الاقتراب من الأشخاص. ماذا يعني أن نحبّ؟ إنه أعطى المثل بشكل رائع لهذه الطريقة بالتصرّف، إنه يصير خبزاً ليدخل في الجميع، ليؤكل، ويصبح واحداً مع الجميع.
أن نكون واحداً نحن أيضاً إلى درجة أن نؤكل. هذه هي المحبّة، أن نكون واحداً بشكل يشعر فيه الآخرون بأنّهم يتغذّون من محبّتنا، وأنّ هناك من يعزّيهم، ويُخفّف عنهم، ويَفهمهم، فإذا بكى أحدهم، نبكي معه، وإذا كان فرحاً فلنفرح معه.
“أن نكون واحداً” هو قبل كلّ شيء وسيلة رسوليّة رائعة، وهي طريقة تصرّف القدّيس بولس الذي عرف نتائجها: “وصِرتُ لِلضُّعَفاءَ ضَعيفًا لأَربَحَ الضُّعَفاء، وصِرتُ لِلنَّاسِ كُلِّهِم كُلَّ شَيء لأُخَلِّصَ بَعضَهُم مَهْما يَكُنِ الأَمْر” (1 قور 9، 22). في هذه المحبة نصبح فيها الكنيسة التي تصنع الافخارستيا والافخارستيا تحيي الكنيسة وتقويها لتقدم المسيح للعالم وتقرب البشر من بعضهم البعض.

اقتبست بعض الافكار من محاضرة القتها خادمة الله كيارا لوبيك
المطران شليمون وردوني

عن Yousif

شاهد أيضاً

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج)

محاضرات في العهد القديم (سفر الخروج) “فَأجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً” (تك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *