أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / البعد الأسيني في تكوين ونشأة مفهوم الحياة الرهبانية

البعد الأسيني في تكوين ونشأة مفهوم الحياة الرهبانية

ان حركة الأسينيين في العالم الروحاني اليهودي ألقت بظِلالها على فكرة العيش الروحي الرهباني وعلى الحياة الروحية الرهبانية المسيحية بشكل خاص. وهذا ما قد يجعلنا نفكّر بالروحية الشرقية الخاصة التي إنبثقت من الشرق. مما لا شك فيه ان مؤسسي الحياة الرهبانية المسيحية قد تأثروا بما عاشه الأسينيون خاصة عندما نعلم بأن القديس مار انطونيوس ابو الرهبان لم يكن جغرافياً بعيداً عن مناطق الترّهب والتنسّك الأسيني. قبل كل شيء علينا أن نسأل مَن هم الأسينيون؟ وكيف عاشوا؟ وماذا قدمّوا للإرث اليهودي؟ تبدأ القصة مع كلمة أسين وهي تعني الصامت باللغة اليونانية، او الممارس والأسينيون يعني الصامتون او الممارسون او الورعون، اي الذين يقومون بعبادات وممارسات روحانية خاصة. وهناك مَنْ يقول بإن كلمة ( اسي) مأخوذة من الآرامية القديمة والتي تعني الطبيب. نشأت هذه الجماعة وهي طائفة من بني اسرائيل تكوّنت في الكهوف والمغاور قرب البحر الميت سنة ( 150ق.م – 30ق.م) وقد سكنوا خربة قمران. التزمت هذه الجماعة بحياة واسلوب تقشفي خاص وشديد من خلال شرائع وقوانين محدّدة والالتزام بالطهارة والعبادة. ولقد إتخذوا نظاماً نسكياً خاصاً وهو يتكون من الرجال فقط. ومن الأمور التي يُحرّمونها هي الملكية الفردية ويدعون إلى التعايش السلمي بين جميع الشعوب، ويعتمدون في معيشتهم على ما يزرعونه من الحبوب والخضراوات. اذن فمن خلال ما إستعرضناه الآن نجدُ هناك نقاطاً كثيرة مهمة ومشتركة بين إستراتيجية وبرنامج الأسينيون مع البرنامج الموجود في الحياة الروحانية الرهبانية. ومن الممارسات والطقوس التي التزمت بها جماعة الأسينيون وعاشتها كانت: الطهارة والبتولية، رفض المال ورغبات الدنيا، الحياة الجماعية كعائلة واحدة والمعرفة بأسرار الكتاب المقدس. اننا نلاحظ في هذه الاساسيات المهمة من حياتهم، انهم قريبون جداً من النظام الرهباني الذي طالما عاشَهُ ويعيشهُ رهبان اليوم وبكل انتماءاتهم وأنظمتهم وفروضهم سواء من خلال الصلاة او من خلال حيثيات العيش المشترك. كذلك نلاحظ في التنظيم الحياتي الروحاني الرهباني منذ يوم تأسيسه الى يومنا هذا بأنه يهتم ويركّز على ثلاثة اشياء مهمة، وهي بنفس الوقت مشتركة مع ما عاشَهُ الأسينيون وهي: الفقر، العفة والطاعة. ثلاثة نذور رهبانية مهمة تُساعد في تكريس وتخصيص النَفسْ البشرية الراغبة والطموحة في عيش الإتحاد الروحي الشامل مع الله وبكل الجوارح البشرية والتمتّع بالمشاهدة الآلهية. وكذلك نلاحظ في العيش الأسيني بإن هناك ايضاً قوانين ورُتَب عيش معينة مثلاً: انقسامهم إلى مجموعات، ويوجد هناك رئيس لكل مجموعة يُدعى سيد العدالة. اما في النظام الرهباني فإننا نلاحظ ايضاً انقسام الرهبان إلى أديرة ويوجد هناك ايضاً رئيس لكل دير يضّمُ مجموعة من الرهبان يحاولون العيش معاً كإخوة يتقاسمون الحياة سويةً. ان الأسينيين كانوا يتخذون من اللون الابيض لوناً خاصاً ومميّزاً لهم وهذا كان لون لباسهم. وفي الحياة الرهبانية يوجد هناك ايضاً لبسُ خاص او لون مميّز لكل رهبانية سواء أكانت رجالية او نسائية. ومن الجدير بالذكر ايضاً ان الأسينيين كانوا قد حفظوا تراثهم في كهوف خربة قمران وعلى شكل مخطوطات وتدوينات. من خلال قراءتنا للعديد من السيرْ الرهبانية نجدُ ايضاً ان الرهبان كانوا قد حفظوا لنا تراثنا الكنسي والروحي والتقليد الغنّي من خلال مخطوطاتهم التي لا تزال في أهّم المكتبات والمتاحف والجامعات او في المراكز الدراسية العالمية. وتتناول هذه المخطوطات ليس فقط تفسيرات الكتاب المقدس، بل ايضاً الفكر المسيحي واللاهوتي على مّر الزمان المسيحي. اذن ما الذي نستطيع ان نستنتجه من خلال قراءتنا هذه؟ نستنتج الترابط القوي بين هاتين المجموعتين المتقاربتين في الطريقة والهدف والغاية. بالرغم من أختلاف الأزمان وأختلاف الايمان بالنسبة إلى المجموعتين الأسينية و الرهبانية. الا انهما إتفقا في العديد والكثير من الأمور ونستطيع ان نُسمّي الأسينيين بالرهبان الأولين او ان نُسمّي الرهبان بالأسينيين المتأخرين. وكنيسة المسيح الشاملة وبكل أطيافها والوانها هي زاخرة بالإرث اليهودي، لأنها هي التي تُكمّل طريق وتدبير الله الخلاصي الشامل لأبنائِهِ.

عن Yousif

شاهد أيضاً

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة

مسحة المرضى، سرّ من أجل الحياة الاب أدّي بابكا راعي كنيسة مار أدّي الرسول في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.