أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الشخصية المسيحية وحقوق الإنسان

الشخصية المسيحية وحقوق الإنسان

في سنة 1948 اقرت الأمم المتحدة تشريع اعلان حقوق الإنسان. ولكن من الضروري بحث وتحليل التشريع وفق الفهم المسيحي الكاثوليكي. سأبحث في مبادئ التعليم الإجتماعي للكنيسة الكاثوليكية، وكيف ان الشخص البشري هو هدف الخالق وذلك من خلال تعليم يسوع المسيح والكنيسة. فما هي حقوق وواجبات الإنسان؟

الجنس البشري حسب المسيحية
خلق الله الإنسان على صورته ومثاله. ومنح له سلطة الهيمنة على الأرض، وطلب منه تحمل مسؤولية الحفاظ على الحياة. هذه حقيقة ايمانية عامة. ولكن في الكنيسة الأمر اعمق. حيث هناك شعوب وجماعات تنتمي الى ثقافات مختلفة. ولأنهم مسيحيون، فالمحبة هي الفضيلة العظمى التي على اساسها تنظم العلاقة بين الأشخاص. إن بناء المجتمع يتم على اساس تفعيل قد لا تكون موجودة في العالم او في شريعة حقوق الإنسان مثل التواضع والغفران والإخلاص والأمانة وحب الحقيقة والصلاح والجمال وغيرها.
الإنسان ككيان اجتماعي يحتاج الى المجتمع، وهذا يعني انشاء علاقات مع الآخرين: اولا من خلال اٌلإصغاء الى الوالدين، او المعلمين، او الأصدقاء. انهم اشخاص لا افراد لأن صفة الفرد قد تشير الى الأنانية والوحدانية. صفة الشخصانية افضل، هذا لأن الشخص ينمو برجاء نحو الأفضل.
البشر يكونون المجتمعات، وهم هدف المؤسسات الإجتماعية. ولتنظيم العلاقة بينهم نظمت الشرائع واهمها بالنسبة لنا الكلمات العشر ثم وصايا يسوع وكيف انها تؤكد على العلاقة الصحيحة مع الله والآخر وفق مبدأ المحبة والحقيقة (متى 22: 29، لو 1: 25-28، تثنية 5: 7-21).
واللاهوت المسيحي يؤكد على خمسة مبادئ اجتماعية: كرامة الشخص لأنه مخلوق على صورة الله، والعدالة في احقاق الحق، والخير العام، والتضامن، والخدمة. ولكن اين تكمن حقوق الإنسان في هذه المبادئ الخمسة؟

حقوق الإنسان
الإنسان هو سيد نفسه واعماله. حقوقه منحت من قبل الخالق وترافق طبيعته. هي عالمية، تبادلية، لا يمكن نكرانها، وغير منفصلة عن الواجبات. هي لكل البشر ويجب ان تحترم من قبل الكل. لذلك يجب ان تكون هناك معايير اخلاقية لحماية العمل البشري. والكنيسة تستند على الإنجيل في ذلك من خلال القاعدة الذهبية “31وكَما تُريدونَ أَن يُعامِلَكُمُ النَّاس فكذلِكَ عامِلُوهم.” (لو 6: 31).

البابا القديس يوحنا الثالث والعشرون

تعتبر رسالة البابا يوحنا الثالث والعشرون سنة 1963 Pacem in Terrisالرسالة الكاثوليكية الكلاسيكية حول حقوق وواجبات الإنسان. حيث اكد البابا على ان بناء السلام يحتاج الى السعي نحو الحقيقة والعدالة والمحبة والحرية.
وقد اكد المجمع الفاتيكاني الثاني على ان للإنسان حقوق كي يحيا. وهذه الحقوق تبدا من لحظة الحبل به (GS 51) ان يحيا بصورة جيدة ويشارك مع الآخرين للبحث عن الحقيقة وعبادة الله وفقاً لضميره، وان يختار طريقة عيشه. كما ان للإنسان حقوق اقتصادية كي يلتقي بالآخرين، وان يهاجر، ويمارس حقوقه السياسية وغيرها. والبابا يوحنا بولس الثاني اكد على حقوق الإنسان في العمل بحرية، والملكية الشخصية ايضاً. يبدو لنا كيف ان تأكيدات الكنيسة اكبر مما جاء في اعلان حقوق الإنسان سنة 1948.
اما واجبات الإنسان، فوفق القانون الطبيعي، الإنسان من خلال الإستعانة بمنطق العقل السوي عليه واجب حماية حياة الآخرين، وان يكون متحضراً، ويسعى نحو الحقيقة، ويحترم ويحب الآخرين. واكثر من ذلك، عليه حماية الطبيعة، والبيئة، والحيوانات.

البابا القديس يوحنا بولس الثاني

السعي الإنساني الى العدالة
يجب تقييم العدالة ايجابياً، هذا يعني العمل من اجل حماية الجنس البشري من خلال تفعيل المحبة مثلما فعل الله العادل لأجل خلاصنا (اش 56: 1)، وخلق سلاماً (متى 5: 6، 5: 10). فحسب يسوع المسيح، العدالة تعني تجنب القتل والزنى والإنتقام. واكثر من ذلك، فالمسيح اكد على الكمال من خلال تتويج العدالة بالرحمة والغفران وعيش الفضائل كما في خطبته وتطويباته على الجبل (متى 5- 7).
العدالة هي اولاً اجتماعية، الى يجب ان تشمل كل مفاصل المجتمع كي تعمل لأجل الخير العام. ثم انها توزيعية، اي يستطيع كل اعضاء المجتمع تفعيلها والإستفادة من كل اعمالهم الإنتاجية والخدمية. والملكية الخاصة يجب ان تكون في خدمة المجتمع. وهذا يعني العدالة هي ايضاً تبادلية.

الطاعة للحكومة
يؤكد مار بولس ان كل حكومة تأتي من الله (روم 13: 1). ولكن هذا لا يعني قراراً مطلقاً. لأنه ذلك يشترط كون القادة يعملون بعقل سوي، ومتحررين من العاطفة والحكم المسبق.
المواطنون هم اساس شرعية الحكام. وكل حكومة يفترض بها ان تكون مثل الأب لأولاده. لذلك على المواطنين ان يعرفوا ماذا يحصل في مجلس البرلمان، وهل هناك معوقات امام تشريعات وفق القانون الطبيعي والإنساني. لا نذكر القانون الإلهي لأنه في المجتمع المدني كثير من العلمانيين ممن لا يريدون اقحام الشرائع الدينية في انظمة الدولة المدنية. البطالة او عدم الإخلاص في العمل مثلا هما ضد العدالة وحقوق الإنسان.
من جانب آخر، على المشرعين الإصغاء الى الشعب وممثليهم في البرلمان، ومعرفة كم ان التشريع يتضامن مع المحتاج والمريض وكبير العمر ومع وضع العمال.
يجدر بالذكر ان حقوق الإنسان تصبح مشرعة عندما تأخذ الصفة القانونية في البرلمان ويكون هدفها الخير العام رغم ان القانون لوحده لا يجعل الناس جيدين.

البابا بيوس الحادي عشر

كتب البابا بيوس الحادي عشر سنة 1939 عن حقوق وواجبات الدولة فقال انها يجب ان تحمي قواعد العقل السوي، الإيمان، التربية الأدبية والدينية للصغار (DIM 46). وفي سنة 1963 كتب البابا يوحنا الثالث والعشرون ان القانون الذي يسمح بالظلم ليس عقلانياً، وهو فعل صراع لأن الخير العام هو سبب وجود السلطة المدنية (PIT 54). وكذلك كان موقف الفاتيكاني الثاني (GS 74).
هنا نذكر موضوع الديمقراطية لأهميته في موضوع حقوق الإنسان. الديمقراطية تعني احترام كرامة الإنسان وحقوقه. لذلك هي مرتبطة بالمسيحية لأنها تتطلب المعرفة الأدبية والتاكيد على القانون الطبيعي. في سنة 1991 طلب البابا يوحنا بولس الثاني ضمان مشاركة المواطنين في القرارات السياسية بدءاً من الإنتخابات.

التضامن
عندما نتعامل مع موضوع العدالة الإجتماعية فحقوق الإنسان متعلقة بموضوع التضامن لأجل الخير العام. لذلك كل عمل بشري يفترض ان يتم مناقشته وتقييمه ضمن هذا الإطار، وكم فيه من الآداب والوضوح او الشفافية. ولكن البابا بيوس الحادي عشر سنة 1931 اكد اكثر من ذلك، فقال ان كل عمل بشري يستطيع انجازه الإنسان العادي يشترط تحمله المسؤولية وتقديم الثمار، فالعدالة الإجتماعية هي مسؤولية الكل.

العامل خلاق مثل الله
يربط مار بولس الحياة بالعمل (2 تس 3: 10). فالعمل حسب البابا بولس السادس هو حق من حقوق الإنسان لحماية كرامته لأنه يحمل الذكاء والتحسس والقوة للتفكير والأدوات ليكمل عمله (PP27).

البابا القديس بولس السادس

فالعامل يعيد تشكيل المادة لتعطي معنى، لذلك هو خلاق لا من العدم مثل الله ولكن مبدع. وكمثال على ذلك لدينا النحاتين والمهندسين والرسامين والموسيقيين وغيرهم. وهو مثل المسيح الذي عانى كثيرا في رسالته ليجعل الإنسان القديم يولد جديداً. افليس من حق العاطل ان يحتج على البطالة؟ واذا عمل فله الحق في نيل المعاملة الإنسانية لأنه بخلاف ذلك قد يتعرض الى تجربة بسبب العلاقات المادية مع من حوله في العمل والإساءة الى زملائه. والبطالة خطرة كما قال البابا يوحنا بولس السادس في رسالته سنة 1981 (LE) حيث اكد ان على العاطل الحصول على معونة من الدولة خصوصاً الشخص المعاق، وان يشكل اتحاد للدفاع عن حقوقه، وحتى له حق الإضراب.
هذا لا يعني التغاضي عن الواجبات كي يتحقق الخير العام وفق مبدأ التضامن. نقرأ في سفر الجامعة (إِثْنانِ خَيرٌ مِن واحِد لأَنَّ لَهما خَيرَ جَزاءً عن تَعَبِهما. 10 إِذا سَقَطَ أحَدُهما أَنهَضَه صاحِبُه والوَيلُ لِمَن هو وَحدَه فسَقَط إذ لَيسَ هُناكَ آخر يُنهِضُه.) (جا 4: 9-10)، او سفر الأمثال: (الأَخُ المُهانُ أَمنعُ مِن مَدينَةٍ مُحَصَّنة والمُنازَعاتُ كأَقْفالِ قَصْر.) (أم 18: 19).
المسؤولية إذا يجب ان تبدأ من ادنى مستوى، اي اهتمام رب العمل يبدأ من ضمان العامل البسيط. فمثلا، ما ذنب العامل اذا لا تكفيه اجرته؟ كما واكد البابوات على لا عدالة اجبار المرأة للعمل وترك اطفالها دون تربية (QA 71&LE 90). لذلك التضامن هو فضيلة في زمن المادية حيث الربح والمنافسة صارت اهداف مطلقة.
إن كل من يهتم بحقوق الإنسان عليه ان يرى الحدث ثم يحكم عليه، وبعد ذلك يعمل الأفضل. لقد رأينا كيف ان حقوق الإنسان مرتبطة بطبيعته الخلاقة وواجباته نحو ذاته والآخرين بشرط توخي العدالة الإجتماعية اي العمل الصالح وفق القوانين الإنسانية والإلهية المزروعة في ضمير الإنسان. فكم نحن بحاجة الى شروحات لهذه القوانين خصوصاً الى المشورات الإنجيلية السارة؟

—————————————–

المصادر: اعتمدت على الكتاب المقدس ووثائق الفاتيكان وهي متوفرة للقارئ في موقع دولة الفاتيكان الرسمي ومنها:
Gaudium et Spes 1965 (GS), Pacem in Terris 1963 (PIT), Quadragesimo Anno 1931 (QA), Laborem Exercens 1981 (LE), Populorum Progressio 1967 (PP). Divini Illius Magistri 1939 (DIM).

المطران حبيب هرمز
ايار 2013

عن Yousif

شاهد أيضاً

Young Iraqi Man Living at the US Reflecting on Gulf Cup 25

Young Iraqi Man Living at the US Reflecting on Gulf Cup 25   Fadi Youkhanna (PhD …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.