أخبار عاجلة
الرئيسية / اخر الاخبار / كلمة غبطة البطريرك ساكو في لقاء صلاة في مدينة الفحيص الاردنية، بمناسبة مرور عام على نكبة المسيحيين في العراق

كلمة غبطة البطريرك ساكو في لقاء صلاة في مدينة الفحيص الاردنية، بمناسبة مرور عام على نكبة المسيحيين في العراق

استمرار مأساة المسيحيين العراقيين يهدّد وجودهم التاريخي


تحيّة اجلالٍ وشكرٍ الى المملكة الأردنية الهاشمية ملكًا وحكومةً وشعبًا على استضافة الاف اللاجئين العراقيين، وتحيّة امتنانٍ وتقديرٍ الى الكنيسة الأردنيّة التي احتضنتهم، وقدّمت لهم العون، ورافقتهم في درب صليبهم الثقيل، وأخص بالذكر “كاريتاس” الأردن. كما اشكر قداسة البابا فرنسيس الذي اوفد مندوباً عنه للاشتراك في هذه الصلاة سيادة المطران غالانتينو وشكري العميق للسفارة البابوية في الاردن والعراق على كل الجهود المبذولة من اجل تخفيف وطاة مأساة المسيحيين، كذلك أقدم شكري لكلّ من مدّ يد المساعدة لهذه العائلات المشردةً من بيوتها وبلداتها.

ومن هذا المنبر ادعو المنظمات الإنسانيّة والكنسيّة الى الاستمرار في دعم هذه العائلات معنويا وماديا لتوفير سكن وطعام ودواء ودراسة لأولادهم خصوصا ان معاناتهم اخذت تزداد امام تأخر أي أجراء جديّ لتحرير بلداتهم وتمكينهم من العودة الى بيوتهم.

منذ سقوط النظام في العراق عام 2003 وحتى اليوم، مسلسلُ القتل والخطف والارهاب لم ينتهِ، والأوضاع تتفاقم، والبلد يعيش في مستنقع الفوضى والفساد، والاحتقان الطائفي، وتصفية الحسابات وانتهاك الكرامات مما ساعد على صعود تنظيمات تكفيرية إرهابية وظهور داعش بهذه الوحشيّة. هذا الوضع خلفّ حتى الان آلاف القتلى والجرحى وثلاثة ملايين مهجرّ وبنى تحتية شبه محطّمة.

هذه الفوضى القت بظلالها على المسيحيين والأقليات الدينية الأخرى فأصبحوا هدفًاً للمتطرفين واللصوص. منذ 2003 وحتى اليوم استشهد 1265 مسيحي ومن بينهم رئيس أساقفة الموصل المطران بولس فرج رحو والاباء بولس اسكندر ورغيد عزيز ويوسف عبودي، و62 كنيسة استهدفت. وكانت الذروة مجزرة كنيسة سيدة النجاة ببغداد في 31 أكتوبر 2010 حيث قتل 58 شخصا بينهم كاهنان، وجرح 67 اخرون. وقد هزّتنا في الصميم. ثم تبعتها فاجعة أكبر حلت بأهلنا كالصاعقة في السادس من شهر آب عام 2014 بعد وصول مسلحي تنظيم “داعش” وسيطرتهم بالكامل على مدينة الموصل وبلدات سهل نينوى امام انسحاب مفاجئ للجيش والشرطة الاتحادية، ليتركوا 120.000 ألف مسيحي عرضةً للاستهداف والطرد والاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم وسلب اموالهم وحتى اوراقهم الثبوتية. يوم مرعب يرتقي الى مستوى الإبادة الجماعيّة.

في البداية لجأ هؤلاء المسيحيون المهجرون الى اقليم كردستان العراق المستقر والآمن على أمل ان يعودوا بعد أيام الى بيوتهم، لكن عندما غاب امل تحرير بلداتهم السريع، اضطر العديد منهم الى اللجوء الى بلدان الجوار كالمملكة الأردنية الهاشمية ولبنان وتركيا ليبدوا هناك سلسلة معاناة جديدة في ايجاد فرص سكن وعمل وتأمين الدراسة لأولادهم والطبابة لمرضاهم.

عام يمرّ والمسيحيون والايزيديون بعد ان كانوا اسيادا في بلداتهم وبيوتهم هم اليوم نازحون يقيمون في مخيمات وفرتها لهم الكنيسة او قاعات عامة، ويعيشون أوضاعا انسانية ونفسية واجتماعية صعبة، فارضهم لا تزال مغتصبة وتحريرها طالت مدته ويخافون من ضياع حقوقهم، لذا هناك جملة اسئلة يطرحونها حول مصيرهم ومستقبل بيوتهم واملاكهم وبلداتهم وقراهم.

هل سيستطيعون وهم مواطنون اصيلون العودة في يوم ما الى ديارهم التاريخية؟ هل ستعاد بيوتهم ومحالهم المغتصبة؟ ماذا ستفعل الحكومة العراقية وامريكا والمجتمع الدولي للمسيحيين في العراق، ام ان التنوع الاجتماعي انتهى في العراق وسينتهي في المنطقة؟
في رسالته الراعوية الأخيرة Laudatosi حذر البابا فرنسيس العالم حول مستقبل مأساة المسيحيين في الشرق الأوسط، وتسأل قائلاً: “ما هو نوع العالم الذي نريد أن نتركه لأولئك الذين يأتون بعدنا؟”.

لابد من التعاطي مع هذه الازمات بواقعية وحزم وحسم وإيجاد مخرج سليم ودائم، وخصوصا ان الإرهاب غدا ظاهرة عالميّة يُثير الرعب في كل مكان.

ان مواجهة الإرهاب ومكافحته تستدعي:

أولا: تشكيل تحالف دولي بالتعاون مع الدول العربية وبتفويض من الأمم المتحدة للقيام بعمل عسكري جديّ لتحرير المناطق التي احتلتها الجماعات الإرهابية واستعادة الاستقرار السياسي والأمني، والاقتصادي وحسن الجوار الى المنطقة، ونأمل ان يُساهم الاتفاق النووي مع إيران في تحقيق حلم المواطنين هذا.

ثانيا: بعد تحرير البلدات المحتلة، ينبغي توفير حماية دولية ليتمكن النازحون من العودة الى بيوتهم والعيش فيها بحرية وكرامة، وتعويضهم عمَّا لحق بهم من أضرار، وإعادة اعمار ما تهدم من بيوتهم ومدارسهم وكنائسهم واديرتهم.

ثالثا: اجراء إصلاحات في المجال السياسي وقيام نظام مدني على مبدأ المواطنة والتعايش والمساواة بين مكونات المجتمع، يحترم المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، ويشرك كل مكونات الشعب العراقي في العملية السياسية على قاعدة الكفاءة وليس المحسوبية. كذلك يجب اجراء إصلاحات في النظام القضائي كما هو الحال في معظم دول العالم.

رابعا: على المسلمين في العالم ان يتحملوا مسؤولياتهم كاملة أمام الإرهاب الذي لبس عباءة الدين. وعلى المرجعات الديني

ة ان تبادر في تفكيك هذا الفكر التكفيري الذي يشكل خطرا مباشرا على المسلمين وعلى المسيحيين وغيرهم، ذلك من خلال تقديم فكر معاصر ومنفتح وتعليم ديني يعتمد الوسطية والاعتدال ويستند الى الجذور المؤسسة، وتنقيته من هذه الأفكار الجهنمية، ويحترم الاختلافات ويعزز أواصر الاخوة بين المواطنين وينشر ثقافة التسامح والتعايش السلمي والاجتماعي، ما عداه لا شيء يضمن عدم ظهور تنظيمات متطرفة إرهابية جديدة، فالبيئة ملائمة.

خامسا: اصدار قانون يحترم كل الديانات ويجرم ويعاقب كلّ من يقوم بنشاطات مرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، وأشكال التمييز، وبث الكراهية والفرقة كما فعلت دولة الامارات العربية مؤخرّا. من المؤسف ان توجد اليوم خطابات دينية تؤجج الكراهية والفرقة بين المسلمين أنفسهم سنة وشيعة، وبينهم وبين المسيحيين وغيرهم، وهذا لم يكن مألوفاً في السابق. نذكر على سبيل المثال قول أحد الملالي ّ في 22 تموز على شاشة فضائية رواداو ان المسيحيين واليزيدين كفار لا ينبغي للمسلم القاء التحية عليهم، وقبله بأشهر كان ملاّ ثان قد قال : ان المسيحيين واليهود ” خنازير”. ما هذه الثقافة وكيف التوفيق مع قول القرآن: “لتجدن أقرب الناس مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى” (المائدة 82) وآيات أخرى مشابهة.

أيها السادة،

المسيحيون أناس مسالمون، مخلصون، يغفرون لمن يسيء إليهم سبع مرات سبعين مرة عملا بوصية المسيح، وقد أسهموا الى حدّ كبير في بناء الحضارة العربية وثقافة اوطانهم بمهاراتهم وثقافتهم ودمائهم ويستحقون كل التقدير. ونأمل الا تفرغ هذه البلدان منهم وهم الاصيلون فيها، كما نأمل ان تتم مصالحة وطنية حقيقية بين العراقيين وتوافق سياسي يحقق الاستقرارالدائم، وعودة المواطنين المهجرين، على مختلف انتماءاتهم الى بيوتهم وبلداتهم واعمالهم.

ان نص التطويبات الذي تلي علينا من الانجيل يدعونا الى ان نصبر ونصمد ونبقى حاملين شعلة الامل حية، فلابد ان تعبر المحنة ويأتي الخلاص، يقيناً ان التطويبات هي لكم وليست للارهابيينن انتم الذين تركتم كل شيء من اجل ايمانكم ومبادئكم المسيحية. انتم حقا موضع افتخارنا واعتزازنا

عن Yousif

شاهد أيضاً

البطريرك ساكو يفتتح مهرجان كنيسة البشارة في بغداد

البطريرك ساكو يفتتح مهرجان كنيسة البشارة في بغداد اعلام البطريركية افتتح مساء يوم الجمعة 3 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *