أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الكلدانيون … لمحة موجزة من تاريخهم العريق – الحلقة الأولى

الكلدانيون … لمحة موجزة من تاريخهم العريق – الحلقة الأولى

الكلدانيون … لمحة موجزة من تاريخهم العريق

الحلقة الأولى

نزار ملاخا

نشرت مجلة بين النهرين في عددها 141 – 142 سنة 2008 مقالاً بعنوان “الكلدانيون … لمحة موجزة من تاريخهم العريق” للأستاذ فؤاد يوسف قزانچي، وهو أستاذ جامعي معروف، يتناول فيه تاريخ التسمية الكلدانية والمناطق التاريخية التي تواجد فيها الكلدان وأسماء دويلاتهم وبعض الحروب التي خاضوها مع الآشوريين أو الأعتداءات التي وقعت عليهم من قبل الآشوريين مدعما بالمراجع التاريخية ولأهمية البحث ولعظم المعلومات الواردة فيه فقد أستأذنا الكاتب المحترم لكي ننشره في المواقع الألكترونية ووافق على ذلك، وتعميماً للفائدة ننشر المقال المذكور نصاً دون أي تغيير ومن ثم تعليقنا حول ما ورد في نهاية المقال.

الكلدانيون … لمحة موجزة من تاريخهم العريق

فؤاد يوسف قزانچي / أستاذ جامعي

الكلدانيون أو الكلديون القدماء قبيلة آرامية هاجرت إلى جنوب العراق القديم، وذلك في القرن العاشر قبل الميلاد وعاشت في منطقة الأهوار (الإيبارو) وكان مركزهم “بيث ياقيني” وتبعتها قبائل آرامية أخرى أستقرت في جنوب العراق أي في ميشان التي كانت تمتد من الأهوار في العمارة إلى مصب نهري دجلة والفرات اللذين كانا يصبّان منفصلين في الخليج حتى القرن الثاني قبل الميلاد. لذلك أطلق أولاً على هذه المنطقة أسم “بلاد أرمو” { دانيال ، كلين ، موسوعة علم الآثار، ترجمة ليون يوسف، بغداد، دار المأمون، 1991 ، ج 2 ص 473 }

وأكّد ذلك الآثاري أوبنهايم قائلاً: “فمنذ القرن التاسع ق.م نسمع عن منمطقة تسمى كالدو Kaldu ، ونسمع عن سكانها الكلدانيين الذين، على ما يبدو، قد عاشوا في منطقة الأهوار والمستنقعات على طول المجرى الأسفل لنهري دجلة والفرات بين سواحل الخليج والمدن الواقعة في أقصى جنوب بلاد بابل، إن هذه المنطقة، التي أعتمد فيها السكان على نسبة قليلة من الزراعة وعلى صيد الأسماك وتربية الماشية، قد قسّمت إلى مجتمعات قبائلية تسمى بيوتاً ، وكان يتزعّم كل بيت ” بيتو ” زعيم أتّخذ لنفسه لقب ملك، وكانت كبرى تلك المدن واقعة جنوبي بورسبّا وأسمها “بيث داكوري” (Bit – Dakuri) ، أما على نهر دجلة، فكانت “بيت ياكين” (Bit – Yakin) وكان هذا الموقع كبيراً ومهماً بسبب قربه من بلاد عيلام التي تصل منها الأسلحة والأموال التي مكّنت القبيلة من الدخول في صراع مع بلاد بابل { أوبنهايم، ليو، بلاد ما بين النهرين، ترجمة سعدي فيضي، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام 1981 ، ص 199 }

أما العلاّمة سامي سعيد الأحمد، فيقول عن بداية وجود الكلدانيين، “إن أول ذكر للكلديين ومنطقة أرض البحر، كان حين تقدم الملك الآشوري شلمانصر الثالث نحو بلاد الكلدانيين الذين أطلق عليهم ملوك (أنا كلدي)، وقد أستطاع شلمانصر أن يسيطر على المدن الكلدانية ويحصل على الجزية من زعمائهم، وهم أديني إبن داكور و موشا شاليم مردوخ إبن أوكانو. وفي نص آخر يذكر شلمانصر أنه أحتل مدينة “” باقانو ” ( Baqanu ) حيث مركز شيخ الكلدانيين ( أدينا )، ثم دخل شلمانصر مدينة كلدانية أخرى هي “إينزودو” ويظهر من النص الآشوري أن منطقة أدينو أي المنطقة الكلدية كانت على جانبي نهر الفرات في أقصى الجنوب، ولا بد أن تكون أيضاً عند مصبّه في الخليج حيث كان من الواجب عبوره للوصول من مدينة “باقانو” إلى مدينة “إينزودو” عاصمة ذلك الشيخ الكلداني. يؤكد النص أيضاً أرتباط منطقة الكلديين ببلاد أرض البحر { الأحمد، سامي سعيد، تاريخ الخليج العربي من أقدم الأزمنة حتى التحرير، البصرة، مركز دراسات الخليج ، 1985 ، ص 275 }

وحين شنَّ الملك الآشوري أدد الخامس حملة على ملك بابل سنة (823 ق . م) كان من بين حلفاء بابل كلدو وعيلامتو وأرومو. وعموماً كان جنوب العراق يعجّ بالقبائل الآرامية التي أستقرت في الواحات الواقعة شرقي دجلة في حدود بابل وعيلام، وقد أطلق على هذه المقاطعة كما ذكرنا، بلاد آرومو { سومر، دوبونت، “الآراميون” ترجمة الأب ألبير أبونا، مجلة سومر، المجلد 19، 1963، ص 128 }

توسّع الآراميون في جنوب العراق حيث أسسوا شبه ممالك، وأستولوا على حواضره مستقلين عن مملكة بابل، وقد وجدت مملكة صغيرة آرامية في مدينة كرِسود في مناطق أخرى من الخليج ومنطقة أرومو ( ميشان ) .

وقد تزعم القبيلة الكلدانية أمير بابلي ينحدر من أحد ملوك بابل ويدعى (مردوخ – ابال – أدينا) أو أدين الثاني (721 – 710 – 703 ق.م) إشتهر أسمه التوراتي بصيغة “مردوخ بلادان”. وبعد فترة من السيطرة ألآشورية على جنوب العراق نادى الأمير مردوخ بلادان بالثورة على الآشوريين، ودعا إلى الإستقلال وتنفيذ حرب عصابات في الأهوار لإخراج الجيش الآشوري منها. وتم له ما أراد بسرعة، فتقدم مع مقاتليه نحو مدن جنوب العراق حتى وصل إلى بابل فأستولى عليها وأصبح ملكاً على بلاد بابل لفترة من الزمن . حينذاك جهّز الملك الآشوري تغلاتفلاصر الثالث (745 – 727 ق . م) جيشاً جرّاراً وهاجم القوات البابلية والكلدية واجتاح منطقة ميشان والخليج الكلداني، وكان مردوخ قد سعى إلى الإتصال بملك يهوذا في فلسطين لمساعدته، ولكن بدون جدوى، إذ وصل تغلاتفلاصر إلى قلب البلاد الكلدانية، وأضطر مردوخ أن يقدم له الطاعة والجزية ومن ضمنها بعض أوانٍ وقلائد من الذهب، إضافةً إلى الأحجار الكريمة التي كانت تُستورد من “ماكان” أو الهند. وإذا أنتقلنا إلى زمن سرجون الثاني (722 – 705 ق .م) نجد إشارة لوجود مردوخ بلادان كملك للكلدانيين وقد نعته سرجون: (بإبن ياقين وملك الكلدانيين وملك كاردويناش) أي ملك بابل، لكن سرجون قرر في سنة ( 709 ق . م ) أن يقضي على الحكم البابلي – الكلداني، فزحف نحو جنوب العراق وسيطر على “بيت ياقين” وحرر نزلاء سونها الذين كانوا من مدن نيبور وبورسبّا وسبّار. وكان مردوخ قد أحتجزهم أثناء أستيلائه على تلك المدن.

أما في زمن الملك سنحاريب، وحسبما جاء في أخبار المؤرخ البابلي برحوشا (بيروسيس) فإنه بعد أغتيال حاكم بابل، تقدم مردوخ – آبال – أدينا أي مردوخ بلادان وأحتل بابل وما جاورها وأصبح ملكاً على جنوب العراق لمدة ستة أشهر، وبدأ مردوخ يتصل بأصدقائه العيلاميين . فاضطرَّ سنحاريب أن يجهز جيشاً ويتقدم جنوباً على طول (نهر ثرثارا) حتى مدينة دور – كوريكالزو. وأرسل الملك مردوخ فرقة مسلحة بأسلحة ثقيلة لمواجهة سنحاريب بقيادة (تابانو)، يعاونه القائد العيلامي (إيمبايا) والقائد السوتي (نركال – ناصر). فدمر سنحاريب قوات مردوخ بلادان في كوثا، ثم توجه إلى مساعدة قواته في كيش حيث تمكن من دحر الجيش العيلامي والبابلي. وقد هرب مردوخ بلادان وحده إلى بلاد أرض البحر، وأستولى سنحاريب على (88) مدينة من بلاد الكلدانيين و(820) قرية، كما أسر أدينو أبن مردوخ بلادان وزوجته، وما أن ترك سنحاريب جنوب العراق، حتى حمل السلاح ضد الآشوريين زعيم كلداني آخر إسمه (موشيزيب مردوخ شوزوبو) الذي أتخذ من الأهوار مركزاً لحركاته العسكرية، بينما ظل مردوخ بلادان الثاني يعمل على إثارة حركة أخرى ضد الآشوريين في منطقة “بيث ياقين” قرب رأس الخليج الكلداني، وعاد سنحاريب في حملة أخرى ضد الكلدانيين وأستولى أولاً على (بيث ياقين) فالتجأ زعماؤها إلى عيلام بعد أن عبروا دجلة والفرات، قد ألتقى سنحاريب بالجيوش الكلدانية في مدينة (باب ساليميتي) على ساحل الخليج، ثم عبر بالسفن مطارداً بقايا الجيش الكلداني. وحينما عاد إلى بلاده كان قد سبى إلى آشور من أرض البحر والكلدانيين (208) ألف رجل و (7200) حصان و (11073) حماراً و (2520) جملاً و (80050) راساً من الماشية، وهذه الأرقام بما فيها من مبالغة تشير إلى مدى قوة وثروة منطقة أرض البحر وحلفائهم الكلدانيين .{ الأحمد، سامي سعيد، تاريخ الخليج العربي، المصدر السابق، ص 282 }

وعندما أرتقى الملك أسرحدون عرش بلاد آشور (681 – 669 ق . م) هاجم إبناً آخر من أبناء الملك مردوخ بلادان وإسمه (نابو – زبر – كيتي – لاشر) وكان ملكاً على بابل، وعندما وصل الجيش الآشوري إلى بابل، لم يستطع الملك البابلي أن يقاومه، ففر إلى عيلام، وفي هذا الوقت، قام رجال من قبيلة ” بيث داكوري” بمهاجمة بابل وبورسيبا، فاضطر أسرحدون إلى توجيه جيشه إلى وسط بلاد الكلدانيين، حيث قبض على شيخهم (شماش – أبيني) وأخذه أسيراً إلى مدينة آشور وهناك أعدمه. وعيّن من بينهم زعماء راغبين في قبول التبعية الآشورية. وفي عام (648 ق . م) ثار شعب بابل والكلدانيون وبعض القبائل الآرامية الأخرى ضد الآشوريين مرة أخرى بزعامة شمش شمو كين ملك بابل، لكن آشور بانيبال أستطاع أن يهزم تلك القوات الثائرة، وبعد فترة تحالف ( نابو- بيل –شوماته ) مع ملك بابل ( شمش – شموكين ) ضد آشور بانيبال، وثاروا عليه وحرّضوا أهل بابل على العصيان ، إلا أن الجيش البابلي والمقاتلين الكلدانيين أنهزموا عندما هاجم الجيش الآشوري الذي كان مسلحاً تسليحاً جيداً، وذلك عام (650 ق . م). وبعد وفاة الملك العظيم آشور بانيبال، خلفه أبناء ضعفاء، حينذاك حكم منطقة أرومو في الأهوار والخليج (نبو بلاسر) الذي تقدم وأجتاح جنوب العراق وأسس السلالة الملكية الكلدانية في بابل التي تعد السلالة البابلية العاشرة (627 – 539 ق . م) وقد تحالف نبو بلاصر مع الماديين أو الميديين عام (612 ق . م) وتقدم معهم لمهاجمة عاصمة الآشوريين مع أقوام أخرى، وذلك للإستيلاء على العاصمة العظيمة نينوى، وتراجع قسم من الجيش الميدي وذلك لوجود خطر كان يهدد بلادهم، لكن جزءاً من جيشهم ظل ينتظر الجيش الكلداني بالإضافة إلى مشاركة أقوام فارسية أخرى في الهجوم، فحاصروا مدينة نينوى لمدة ثلاثة أشهر {الأحمد ، سامي سعيد، تاريخ الخليج العربي من…. المصدر السابق ص 301 }

ويعتقد المؤرخون أن أحد أسباب أنهيار سور نينوى يعود إلى فيضان نهر (الخوصر) الذي كان يمر بالقرب من سور المدينة مما أدى إلى فتح ثغرة فيه، وتم بعد ذلك فتح أحد الأبواب للمهاجمين، وقد نهبت نينوى العاصمة الجميلة وسلبت منها كنوزها وآلهتها ومات ملكها الشاب (سين – شارا أوشكن) خلال الحريق {دوّن أحد الكتّاب الأغريق قصة تاريخية خيالية بعد سقوط نينوى، أدعى فيها أن آخر ملوك الآشوريين كان مخنثاً، ولما رأى عجزه وسقوط عاصمته، أحرق القصر وأحترق معه، وقد سمّى هذا الملك (سردانا بولس) وليس ثمة نصوص تؤيد هذه القصة الخيالية التي يتهم بها الملك العظيم آشور بانيبال}

وكان أحد الأمراء الآشوريين وهو (آشور –أوبالت) قد هرب بجيش صغير متجهاً نحو الشمال الشرقي من البلاد إلى عشيرة أمه في حران بينما كان الجيش الفارسي والجيش الكلداني لا يزالان ينهبان المدينة المنكوبة.

أنتهى نص الحلقة الأولى وسننشر الحلقة الثانية بإذن الله.

عن Yousif

شاهد أيضاً

تذكار مار ماري الجمعة 31 تموز 2020

تذكار مار ماري الجمعة 31 تموز 2020 إعلام البطريركية كما هو معلومٌ ان ماري الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *