أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / تعليم البطريرك 6 ابراهيم أبو الآباء (إشعيا 41/ 8، رسالة يعقوب 2/ 23)

تعليم البطريرك 6 ابراهيم أبو الآباء (إشعيا 41/ 8، رسالة يعقوب 2/ 23)

تعليم البطريرك 6

 ابراهيم أبو الآباء (إشعيا 41/ 8، رسالة يعقوب 2/ 23)

لم يخلقنا الله صدفةً، بل عن تصميم، وعلينا ان نقوم بدورنا

لم يخلق الله البشر من باب الصدفة، بل عن قصد. هذا ما ينبغي ان نفهمه من رواية الخلق (تكوين فصل1 و2) ومن دعوة ابراهيم التي هي في مستوى “سرّ تدبير الله”، لذلك علينا ان نكون فاعلينَ، وليس متفرجينَ، وأن نقوم بدورنا لنساهم في مستقبل عالمنا وبشريتنا. لن نستطيع ان نغيّر عالمنا ان لم نغيّر أنفسنا. خبرة هؤلاء الآباء بظِلالها المضطربة واضوائها تعلمنا دروساً بليغة في الحياة، وتفتح أمامَنا آفاق بركة ربانية ورجاء وفرحٍ.

اسماء الاشخاص مهمة جداً في الكتاب المقدس

إبراهيم (أب جمهور) واسمه الأول ابرام (الأب الأعظم) وزوجته ساراي (امرائي) الذي تغير الى سارة (اميرتي)، إسحق (إضحك) واسماعيل (الله يسمع)1. يحتل ابراهيم مكانة فريدة عند اليهود والمسيحيين والمسلمين، الذين يعدّونه أباهم في الإيمان، وحامل الوعد – العهد مع الله. ابراهيم يسمع كلمة الله ويستقبلها بحماسة، فاتحاً لها باب قلبه لكي يدخل الله اليه وينجز تصميمه. الايمان ليس مجرد قبول عاطفي وانتماء شكلي، بل مشروع حياة متكاملٍ، لا يحقِّقُهُ سوى أشخاص أقوياء يدركون أهميته، ويجدون فيه مسرّتَهم.

البُعد التاريخي

الفصول 11 الاولى من سِفر التكوين رمزية بمعانيها البليغة، لكن نكتشف مع إبراهيم وإسحق ويعقوب الذين نعتبرهم الآباء المؤسسين، اُسساً تاريخية لاُسرة واحدة تحولت شيئاً فشيئاً الى جماعة دينية وإثنية لها خصوصيتها. جماعة تعيش في نفس البقعة الجغرافية (حران وحبرون وناحور)، ولها نفس التقاليد والتوجّهات. تدور الأحداث ما بين القرن 18-15 ق. م 2.

 ثقة دائمة وطاعة مطلقة

“قالَ الرَّبُّ لأَبْرام: اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ. وأنا أَجعَلُكَ أُمَّةً كَبيرة وأُبارِكُكَ وأُعظِّمُ اسمَكَ، وتَكُونُ بَركَة.. فاَنطَلَقَ أَبْرامُ كما قالَ له الرَّبّ” (تكوين 12/ 1-2، 4).

تبدأ قصة إبراهيم بكلمة الله التي سمعها في روحه وقلبه، وعلى اثرها ترك ارضهُ (اور الكلدانيين في بلاد ما بين النهرين) وديانتهُ ووالده تارح “كان أبي آرامياً تائِهاً – بدوياً” (تثنية الاشتراع 26/ 5). يا لها من مسيرة شاقة ومغامرة الى مكان مجهول. يرتضي إبراهيم من دون تردد أن يقدِّم إبنه اسحق ذبيحة على طلب الله ليثبّت ثقته به الى النهاية، وكأنه يسير في ظلام الليل ونوره الوحيد إيمانه وطاعته ورجاؤه وثقته.

يواصل إبراهيم مشروعه من دون توقف لأنه يؤمن بوجود الله في تاريخه، لذا باركه الله على أمانتِه وثباتِه “وَيتَبَارَكُ بِكَ جَميعُ عَشائِرِ الأَرض” (تكوين 12/ 3). هذه البركة ليست له فحسب، بل هي للكل3 مثلما خلاص المسيح هو للجميع. هذه البركة تثمر عندما تكون العلاقات صحيحة. لقد تحمَّل ابراهيم أعباءً ثقيلة لالتزامه المطلق بنداء الله، وبالرغم من إرتكابه بعض الأخطاء (التقيّة – الكذب، على سبيل المثال، في موضوع سارة تكوين 20/ 2-5)، جازاه الله لطاعته وأمانته ما لم يكن يتخيل.

 عائلة ميثاق حُبّ ومسيرة

عائلة إبراهيم كما ترويها القصة، ميثاق شخصي وعائلي مع الله ومع بعضهم، ومسيرة غنية بالقيم الدينية والاجتماعية الراسخة يُعبّرون عنها بالتفاهم والحب والإيمان والرجاء والفرح والتعاون والإنسجام.

 تعدد الزوجات

إن تعدد الزوجات عرفٌ اجتماعي كان مسموحاً به في الديانة اليهودية، ويذكر العهد القديم ان ابراهيم وأولاده وأحفاده كان لهم أكثر من زوجة، بالرغم من تعارضه مع تصميمِ الله. يبدو أن الزواج الاُحادي كان القاعدة في كل من العهد القديم والتلمود (تكوين 2/ 24) وخصوصاً في العهد الجديد مع يسوع المسيح “فلا يكونانِ اثنَينِ بعدَ ذلكَ، بل جَسَدٌ واحد. فما جمَعَه الله فلا يُفرِّقنَّه الإِنسان” (تكوين 2/ 24، متى 19/ 6). تعدد الزوجات يهدف الى إنجاب عدد كبير من الأولاد لحماية العائلة وللعمل في الحقل والرعاية، خصوصاً أن العديد من الزوجات والأولاد كانوا يموتون بسبب إنعدام شروط الصحة العامة. الزواج مقدس بالعبرية (قدوشين)، وبالرغم من العلاقات المضطربة عند الآباء نشاهد مساحة من الشراكة واقتسام المسؤولية بين الرجل والمرأة.

البُعد الإنساني والإيماني

 روايات الآباء المؤسسين إبراهيم وإسحق ويعقوب، هي خبرات إنسانية عظيمة، ودينية فريدة، لا تزال تُخاطبنا اليوم ببلاغاتها الإنسانية والعائلية العميقة، وقيمها الإيمانية والروحية، وتساعدنا للتمرُّس عليها. من هذا المنطلق يدعو المحتفل في القداس الكلداني المؤمنين قائلاً: إرفعوا افكاركم الى العُلى، فيجيبون: اليك يا إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، أي نحن أيضاً نريد أن نرتفع ونسمو لنيل بركة الله وحمايته على مثالهم، آمين.

يسوع وإبراهيم

قرأ التلاميذ الأوائل أحداث حياة المسيح على ضوء الكتاب المقدس، فرأوا في ذبيحة اسحق إشارة الى ذبيحة المسيح (رومية 8/32). ذبيحة اسحق لم تكتمل، بينما ذبيحة المسيح تمَّت على الصليب لاجل خلاص البشر. ورأوا في رمزية ملكيصادق الكاهن صورة المسيح الحَبْر الأعظم الحقيقي (عبرانيين 7/ 22-26).

دعوة المسيحيين الشرقيين المهاجرين

على المسيحيين الشرقيين المؤمنين الذين يهاجرون الى بلدان عديدة في الغرب العلماني – الإستهلاكي أن يفكّروا أن الله يدعوهم على مثال ابراهيم “بطل الإيمان”، ليكونوا كلاً على طريقته الخاصة، مبشِّرين وشهود إيمان ورجاء والقيَم العائلية الوثيقة (الزواج سرّ مقدس، والعائلة كنيسة ومدرسة صغيرة)، فضلاً عن المداومة على الكنيسة، لكي يؤثروا في مجتمعاتهم الجديدة!

______________

1 ابراهيم دليل قراءة، أندريه وينان، ترجمة الاب ايلي طولجي، دار المشرق، بيروت 2019 ص 33.

2 سفر التكوين، الأب آلان مرشدور، تعريب الأب بيوس عفاص، دار بيبليا للترجمة والنشر، 2021 ص 137

3 إبراهيم دليل قراءة، ص 18-19

عن patriarchate

شاهد أيضاً

البطريرك ساكو في اليوبيل المئوي لراهبات بنات مريم: اليوبيل حافزٌ للانفتاح على  افاق جديدة  لتنمية الحياة الروحية والانسانية  في اتجاه تجديدي يتلاءم مع متطلبات الزمن الحاضر.

البطريرك ساكو في اليوبيل المئوي لراهبات بنات مريم: اليوبيل حافزٌ للانفتاح على  افاق جديدة  لتنمية الحياة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.