أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / هل نحن بحاجة الى تنشئة جديدة؟

هل نحن بحاجة الى تنشئة جديدة؟

هل نحن بحاجة الى تنشئة جديدة؟

عواصف التغييرات السياسية تعصف بأرض العراق وشعبه. هذه الرقعة الجغرافية من العالم التي وهبها الله كل انواع التنوع سواء بنسيجه الاجتماعي والعقائدي او في تضاريسه، وكل الخير في ثرواته المتعددة المصادر. ويكاد لا تخلو مدينة من مدنها من أرث حضاري او معلم ديني معروف في ارجاء العالم اجمع الا واحتضنته كشاهد على عمق وجودها في هذا الكوكب المستدير.  لكن أكثر من مائة عام والعراق في دوامة التخبط المستمر وشعبه يلهث خلف الاستقرار بجميع ما يحمله هذا المصطلح من معان، وعنوان احلامه هي الخروج من هذا النفق المظلم والذي طال انتظاره.

     بدأت احداثه بانقلابات عسكرية متوالية تطيح بحكومات وتأتي بأخرى. تغييرات سريعة في نهج الدولة بالقضاء على العائلة المالكة ورموزها والتحول من الملكية الى الجمهورية، وبعدها يشتد الصراع الدموي بين قادة العسكر لاعتلاء كرسي السلطة الحاكمة، وتغييرات في النهج الحكومي تتمايل تارة بالقومية واخرى بالشيوعية واخرى بالوحدة العربية ثم الحزب الاوحد،  وحروبا متوالية مع دول الجوار وعسكرة البلد،  ثم انسحابات مهينة لشرف العسكر، فحصارا مقيتا برعاية اممية، تهجير للسكان لاسباب متعددة وقمع للحريات ولمعارضي سياسة الدولة، وانتهت المرحلة بالقضاء على النظام الدكتاتوري الحاكم واجتياح للبلد، ثم تسليم السلطة لمن كانوا قابعين خارج الحدود مع دستور جديد ونظام جمهوري نيابي ديمقراطي، لربما شعرنا من خلالها ببعض من علامات السلام والاطمئنان، لكن لم يمضِ على هذا السلام  الهش وقتا طويلا واذا بسلسلة من المسميات الطائفية والاحزاب الدينية تتسيد الموقف وتبرز على الساحة، ويطال المواطن البسيط ويلات من الاغتيالات والتفجيرات اضافة الى سلسلة من الخسائر المادية والبشرية التي اخذت تتصدر العنوان الابرز في (مانشيتات) الصحافة والفضائيات العالمية، بينما وجهاء الساسة يتقاذفون بالأسباب والمسببات وليستمر مسلسل عدم الاستقرار بتصاعد المناوشات والحروب الداخلية بين الاخوة لتسود بعدئذ سياسة المخاصصة الطائفية والتنازع على الكراسي ليكتمل بعدئذ هذا المشهد المأساوي مع ظهور قاعدة بن لادن وانتهاءً ببسط نفوذ داعش على مساحات شاسعة من العراق لنشهد عبرها على اكبر عملية تهجير ونزوح جماعي لم يشهده العالم منذ عدة عقود، ولتكتمل بعدها اركان الرواية بانتشار فظيع لآفة الفساد والفاسدين التي وجدت طريقها سريعا لتتوغل في كافة مؤسسات الدولة.

اليوم نفذ ما في جعبة هذا المواطن من الايمان، الصبر، الامل والمحبة التي توارثناها من ابائنا واجدادنا من قيم ومبادئ وهي نتيجة طبيعية لكل ما افرزته هذه المراحل المظلمة ان صح التعبير من تراكمات ومشاكل متلاحقة.  وقد بدأنا ومن خلالها نفقد الكثير من الامور لعل ابرزها تلك التي كانت موضعا لتفاخرنا بعراقة وحقيقة “انتمائنا” الى هذه البقعة التي جمعتنا وميزتنا ككيان عن سائر شعوب العالم.

اذن أين نحن الآن من هذا الانتماء؟ استطيع ان أجزم بانها اصبحت الان معضلة، غير قادرين على ايقاف رحى عجلاتها من الدوران لتتفاقم وتنتشر يوماً بعد اخر لدى الجميع، الا انها تأخذ خطى متسارعة لدى فئة يعتبر من عماد الوطن ومحوره الحقيقي في النمو والاستمرار الا هو “الشباب”.

الان بات من الصعب جداً ان تزيل ما تركته السنوات السابقة من مآسي متلاحقة التي اصبحت عالقة في اذهاننا وليكون الضيف الثقيل الذي يراود احلامنا. ومن غير المنطقي ان كل هذه الامور ستركن في خزانة العقل البشري من دون ان تكون لها نتائج ملموسة على المدى القريب او البعيد. كما أنه من الواضح تماما ان الامور لن تستقيم بين ليلة وضحاها مع تفاقم سوء التخطيط والادارة والتخبط الحكومي وتكرار سماع قرع طبول الحرب التي ما ان تتوقف الا وتتجدد، لكن بإيقاع مختلف عن الاخر.

من جانب آخر فهناك مطالبات متعددة بإصلاح ما جناه الدهر من مآسي. الا ان هذه المبادرات والمفاهيم التي يسعون اليها مازالت لاترى النور بشكل واضح وليس في الافق ما يدل على انها قريبة المنال بل نستطيع القول ان معظمها اصبحت شعارات وخطب رنانة تطلق هنا وهناك لتدغدغ احاسيس البعض وهي بالاساس تهدف للوصول الى غايات معينة عبر مبادرات تبرز بين الحين والاخر مدعية بإرجاع ابسط الحقوق. الا ان الحقيقة تكمن في تلك الجهة وهي المستفيدة الاولى والاخيرة من عفوية وطيبة المواطن الذي لا يمتلك من الخبرة السياسية والرؤية المستقبلية الا القليل.

ماذا كانت المحصلة لكل هذه المتغيرات على الفرد العراقي؟  لقد تركت هذه الموجات المتلاحقة سلسلة من المتغيرات السريعة والعنيفة على طبيعة المجتمع العراقي، فمعدل الامية والجهل في تصاعد مستمر وانحدار سريع في المستوى التعليمي: بطالة وانتشار واسع لثقافة السلاح والعدوانية والتنمر على مبادئ الاخوة والتعايش السلمي، الاحتكام بقانون العشيرة وتسيده على سلطة الدولة والقانون، سوء استخدام الدين واتخاذه منطلقا لنشر الافكار الطائفية، مستوى متدنٍ في الخدمات وانحصار في الاراضي الزراعية وتدني عالي في المستوى الصحي، وتدمير البنية التحتية والصناعية.

وفقاً لما يجري اليوم على ارض الواقع من احداث فلابد ان يكون هناك استراتيجية جديدة تضع مساراً حقيقياً لتقييم الأمر وتصحيح المسار الخاطئ والفوضى التي تعم في الشارع العراقي وهي عملية ليست بالسهلة، لا سيما مع انعدام الارادة الحقيقة لتحقيق ذلك.  باعتقادي الشخصي ان اولى مسارات التصحيح هو “ان نبدأ بعملية تنشئة جديدة” بداية من الجيل الجديد وانتهاءاً بالفئات العمرية الاكبر، تسعى في خطواتها لزرع مبادئ جديدة بعيدة عن التخلف والعنف والحروب والطائفية. 

لكن ماذا نقصد بالتنشئة الجديدة؟

يمكن أن نعرف التنشئة بأنها عملية تلقين الفرد قيم ومقاييس ومفاهيم مجتمعه الذي يعيش فيه بحيث يصبح متدرباً على أشغال مجموعة ادوار تحدد نمط سلوكه اليومي. وبعبارة اخرى هي العملية التي يكتسب بها الافراد ثقافة مجتمعهم فيكسبون بها المعاني والقيم الخلقية والروحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يدين بها المجتمع بصفة عامة، وعن طريق هذه العملية يكتسب الفرد الكفاية الاجتماعية والصفات السلوكية التي تؤهله للمعيشة في مجتمعه.

فالتنشئة هي عملية تفاعل بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، يستطيع الفرد من خلال تلك العملية أن يتبنى القيم والعادات والافكار السائدة في المجتمع، والتي تساعده على ان يحدد بكل وضوح سلوكه اليومي للقيام بأدواره التي يتطلبها وضعه كعضو في المجتمع، لكي يصبح مواطناً صالحاً يساهم بطريقة جيدة في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من دون الشعور بالخوف او الحرج من هذا او ذاك.

التغير في تنشئة الجيل الجديد لن يحدث الا حينما تجتمع كل المساعي لإنجاحه “هذا ان كنا نحمل الايمان الحقيقي بهذا الشأن”.  ان مواجهة المواقف الجديدة والتعامل معها بذكاء وحرفية تتطلب تنشئة مستمرة يقوم بها الفرد.

لكن كيف؟

  1. ازالة كل الافكار الهدّامة التي تلمح او تدعو الى الطائفية والتعصب الديني في المجتمع في المناهج التعليمية لمختلف المراحل الدراسية او المنابر الدينية، والتشديد على صيغ التعايش الاخوي والاحترام المتبادل.
  2. اعادة زرع الثقة لدى المواطن بكونه عنصراً فعالاً في المجتمع وقادراً على تحقيق مستقبل واعد لأبنائه.
  3. زرع ثقافة الاستخدام الامثل لوسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي وتسخيره لخدمة المجتمع والتنمية البشرية.
  4. التغاضي والتسامح عن كل ما جنته السياسات السابقة من مآسي وويلات والبدء بصفحة يسودها الوئام والتسامح.
  5. اعادة صياغة قانون الاحوال الشخصية بما يتلائم مع التعدد العقائدي والديني في المجتمع العراقي.
  6. اعطاء مساحة اوسع لعمل منظمات المجتمع المدني.
  7. محاولة زج الشباب في كافة مجالات العمل بدون استثناء وتشجيعهم على ايجاد فرص عمل حقيقية خارج اطار التعيين في الدوائر الحكومية التي اصبحت تعاني من التخمة والبطالة المقنعة عبر مؤسسات وشركات استثمارية خاصة.

 

المؤسسات التي يجب ان تتبنى التنشئة الجديدة هي:

الاسرة: هي اول المؤسسات البنيوية التي تؤثر في أفكار ومواقف وسلوكيات وأخلاقيات الفرد، فهي تهتم بتنشئة الطفل تنشئة أخلاقية واجتماعية ووطنية، إذ تزرع عنده منذ البداية الخصال الاخلاقية التي يقرها المجتمع ويعترف بها، وتصب في عروقه النظام القيمي والديني للمجتمع، وتوجه سلوكه وتصرفاته في خط معين يتماشى مع مثُل ومقاييس المجتمع، كما أنها تنمي مهاراته وخبراته وتجاربه، وتدربه على إشغال أدواره الاجتماعية واداء مهامها والتزاماتها بصورة متفقة وجيدة، وهي تشبع حاجاته العاطفية والانفعالية، وتنظم علاقاته الداخلية مع بقية افراد الاسرة، وتحافظ عليه من الاخطار الخارجية التي تداهمه.

فالطفل يكتسب معالم شخصيته وخبراته الاساسية في احضان الاسرة وذلك حين يتعلم اول درس له في الحب والكراهية، وتنبع أهمية الاسرة من مرحلة الطفولة الأولى، حيث يؤكد خبراء علم النفس ان المرحلة الاولى من الطفولة ولاسيما السنوات الخمسة الأولى هي المرحلة الاكثر أهمية على مستوى نمو الطفل الجسمي والانفعالي والاجتماعي والمعرفي عند الاطفال. ومن العوامل التي تؤثر في عملية التنشئة الاجتماعية في اطار الاسرة يمكن الاشارة الى مركز الطفل بين اخوته مثلا كأن يكون الولد البكر او الوسط او الأصغر، واعمار الاباء والامهات: يتلقى الاطفال الذين يكون اباؤهم متقدمين في السن تربية تختلف عن اطفال الاباء في مرحلة الصبا والشباب، وتتأثر التنشئة الاجتماعية بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والمادية والثقافية التي تعيش الاسرة في وسطها، كما يؤثر النمط الذي يتبعه الاباء في معاملة الأطفال، واسلوب التنشئة الاجتماعية الذي يسود الاسرة التي يمكنها ان تستمر في التأثير على نظرة الفرد السياسية والاجتماعية طيلة حياته. فالاتصالات والارتباطات العاطفية القوية بين افراد الاسرة لا تتوقف بعد سنوات الطفولة والشباب، حيث أن الانسان ككائن طبيعي يولد ويحيا ويعيش في اسرة او زمرة، فيتشرب ثقافة مجتمعه، ويتشبع بقيم الحياة.

المدرسة: تمثل المدرسة المؤسسة الرسمية الاولى التي توظفها النظم السياسية في بث وترويج قيم معينة تتفق وأهدافها لدى صغار النشء. وتكتسب المدرسة أهمية خاصة في ذلك لاعتبارات عديدة منها طول الفترة التي يقضيها الفرد في التعليم، وارتباط النظام المدرسي بالدولة وخضوعه للسلطة السياسية. فالتعليم هو الاداة الرئيسية لإحداث التغيير الاجتماعي. ويتأثر التعليم بالفلسفة السائدة في المجتمع وغالباً ما يعمل على تدعيمها. فالتعليم في يد الدولة الديكتاتورية اداة لإعداد مواطن يتفق في صفاته مع نظامها وأهدافها، حيث الامتثال والخضوع، ويختلف الامر عنه في الدولة الديمقراطية حيث يعتبر السبيل لخلق قيم الديمقراطية والحوار.
وهكذا فإن التعليم في كل الاحوال هو السبيل الى التنشئة لسياسية الملائمة للنظام السياسي. ويتم من خلال نقل المعارف السياسية بصورة مباشرة او بصورة غير مباشرة وتأكيد الشعور بالوطنية والولاء وبث القيم والاتجاهات الايجابية للأفراد نحو بلدهم ونظامهم السياسي.

وبصورة عامة فأن المدرسة تعد من المصادر الاساسية في التنشئة السياسية سواء كان ذلك بطريقة مباشرة او غير مباشرة، وان اختلفت أهمية الدور طبقاً لمدى فاعلية عناصرها (المقررات- الانشطة – المعلم) في ذلك، او بعض المتغيرات كالمستوى التعليمي للوالدين.

تعرف المدرسة ايضا بانها مؤسسة اجتماعية انشأها المجتمع لتقابل حاجة من حاجاته الأساسية، وهي عبر تطبيع افراده تطبيعا اجتماعيا يجعل منهم اعضاء صالحين.

من جانب اخر تأخذ المدرسة المرتبة الثانية من حيث الأهمية في سلم التنشئة الاجتماعية للأطفال وهي تتولى جانب مهم في تربية الاطفال معرفيا وسلوكيا ومهنيا، وتعد المدرسة البنية القاعدية للمجتمع وأحد أعمدته الرئيسية إذ هي التي تقوم بتربية الأبناء وتنشئتهم على اعتبار ان وظيفة المدرسة الأساسية  تكمن في تأسيس الجيل الصاعد، فهي بالتالي الأداة والآلة والمكان الذي بواسطته ينتقل الفرد من حياة التمركز حول الذات إلى حياة التمركز حول الجماعة، أي إنها الوسيلة التي يصبح من خلاله الفرد إنسانا اجتماعيا وعضوا كاملاً فاعلاً في المجتمع، حيث تلعب المدرسة دوراً بارزاً في عملية التنشئة الاجتماعية للطفل من خلال تزويده بالمعلومات والمعارف والخبرات والمهارات اللازمة وتعليمه وكيفية توظيفها في حياته العملية وكيفية استخدامها في حل مشكلته، كذلك تعمل على تهيئة الطفل تهيئة اجتماعية من خلال نقل ثقافة المجتمع وتبسيطها وتفسيرها له بعد أن تعمل على تنقيحها من العناصر التي يمكن أن تضره وتعلم المدرسة الطفل الانضباط في السلوك واحترام الوقت وينجم عن هذا اتباع الطفل لجدول زمني مدرسي محدد وإخضاعه لقواعد وتعليمات ولوائح لم تكن موجودة في المنزل. وهكذا تصبح المدرسة: هي تلك المؤسسة التي انشأها المجتمع لتكون قيمة على الحضارة الانسانية والثقافية الخاصة به، لتتولى تربية نشئه، وتكيفه مع الحياة من حوله.

وسائل الاعلام: من المتعارف عليه بأن وسائل الاتصال والاعلام الجماهيرية قد اصبحت في العصر الحديث على درجة كبيرة من التقدم والفعالية، وذلك بسبب النهضة التكنولوجية التي سادت الدول وخاصة الدول الصناعية المتقدمة. وتبعاً لذلك فقد اصبحت الاتصالات بين مختلف المجتمعات اكثراً يسراً وسهولة، مما يجعلها اكثر مصادر التنشئة خطورة مما جعل الحكومات والاحزاب تحاول السيطرة على تلك الوسائل لكي تضمن سير التوجه السياسي والايديولوجي في الاتجاه الذي تريده، وبما يحافظ على الأبقاء على النظام القائم والبناء الاجتماعي الراهن. اذاً تستطيع وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بان تخلق رأياً عاماً لدى افراد المجتمع بما يجعلهم يعتنقون أيديولوجية معينة. وترتبط الايديولوجيات الرأي العام ارتباطاً عضوياً وثيقاً. فالرأي العام هو الفكر الشائع والنمط العقلي السائد الذي يحدد نوع الافكار والميول والاتجاهات، بل ويكشف تفضيلات الناس الاجتماعية والسياسية. وتلعب وسائل الاعلام دوراً لا يقل أهمية عن دور الاسرة او المدرسة في عملية التنشئة السياسية والاجتماعية، فالصحف ووسائل الاعلام المسموعة والمرئية ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من تدعم الاتجاهات السياسية وتدعم القيم التراثية والاجتماعية. وفي الوقت ذاته فهي التي تنقل المعلومات والاخبار من المواطن الى الدولة وبالعكس، حتى ان وسائل الاعلام قد امتد أثرها لنقل أخبارٍ ومعلومات عن مجتمعات العالم ككل. وعليه تركز الدول الحديثة على وسائل الاعلام كأساسيات للتنشئة السياسية، وتركز من خلالها على تعميق شعور انتماء الافراد للوطن وولائهم للدولة.

وقد اكدت العديد من الدراسات والبحوث ان تعرض الانسان لوسائل الاعلام يترك أثراً واضحاً على سلوكه الفردي والاجتماعي. وهذا يسهم في صقل وتكوين شخصية الفرد من خلال ما تغرسه وسائل الاعلام في نفوس المتلقين (المستقبلين للرسائل الاعلامية) من قيم ومبادئ او تعديل قيم يحمله الفرد بما يحمل مصالحها.

النظام السياسي: يعمل أي مجتمع بشري على استمرار التجانس الفكري بين أفراده من خلال مجموعة من القيم والمعارف والعادات والتقاليد الذي يسعى النظام السياسي الى غرسها ضمن وسائل عملية التنشئة السياسية، وبالتالي تشكل نسقاً خاصاً من انساق الثقافة السياسية لدى ذلك المجتمع او لدى فئاته. والتنشئة السياسية بالذات هي وظيفة النظام السياسي وكل النظم التي تحاول الحفاظ على ثقافته، وهي عملية تطبيع المواطن على الثقافة السياسية السائدة في ذلك النظام السياسي، ونتاج هذه العملية هو خلق قيم ومعايير واتجاهات نحو النظام السياسي بمختلف مستوياته المحلية والقومية، وفي هذا الصدد تقوم النخب الحاكمة بنشر هذه القييم والمعايير بواسطة التعليم ووسائل الاعلام وغيرها من الوسائل المتاحة، وبالتالي يعمل النظام السياسي ومن خلال وسائله المتاحة على خلق ثقافة سياسية تتلائم مع استمرار ذلك النظام السياسي. فكل نظام سياسي يساهم في انتاج الثقافة السياسية التي تحافظ عليه.

الكنائس ورعاياها :لابد ان تكون للكنيسة المحلية دور كبير ومميز في هذا المجال لما يمتلكه رعاياها من مبادئ توافق بشكل كبير مع متطلبات التنشئة الحديثة، وان تولي اهتماماً اوسع بإعادة النظر في مفهوم التنشئة الجديدة وعلى ضوء المفاهيم الايمانية المفعمة بعلامات المحبة والتسامح والتعايش مع ضرورة العودة الى زراعة روح الانتماء وتوسيع مدى الرؤية والقراءة المستقبلية للاحداث ومجرياتها والتناغم معها على ارض الواقع، لا عبر اللامبالاة والتهرب عبر ازقة ضيقة تؤدي في أغلبها الى التستر بوشاح الاخرين مِن مَن يملكون القوة والسلطة او النفوذ. وعندئذ قد سنكون في نهاية المطاف في الجانب الآخر ولكن على حساب ماذا؟

       ان تشترك الكنيسة في مفهوم التنشئة الجديدة عبر شخوصها بمعلوماتي المتواضعة هي من صميم رسالتها والعودة به الى مصطلح “أنسنة الانسان” سيما ونحن نفتقر وبواقعنا الحالي الى من يحمل هذا النير بواقعية بل والتصدي لكل من يحاول النيل من الكنيسة وابنائها سواء عبر اغتصاب الحقوق او محاولة التهميش لهم، مع محاولة زيادة التواجد المسيحي في جميع مرافق المؤسسات الحكومية سواء ان كانت هذه المؤسسات مدنية ام عسكرية، خدمية او تشريعية وحتى الرئاسية منها. كما ولابد ان يكون هناك تركيز اكبر على الايمان العميق بوحدة الكنيسة وتفاعلها مع ابناء الكنائس الشقيقة مع زيادة الشعور بالمسؤولية الملقاة على عاتق كل فرد على ان تكون هذه خطوط رئيسية يتم العمل عليها وتحديثها باضافة فقرات اخرى بشكل مستمر ومتناسبة مع التغيرات الحاصلة في البلد.

فهل سنشهد هذا التغير في رؤيتنا الى التنشئة، ام اننا سنواصل العمل بنفس الاسلوب ؟

أدي شامل نعوم

كركوك

عن Maher

شاهد أيضاً

ظهورات السيدة مريم العذراء ما بين الحقيقة والوهم

ظهورات السيدة مريم العذراء ما بين الحقيقة والوهم الشماس سامر يوسف تم مؤخرا تقديم تقرير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.